هل ستستطيع إيران تجاوز هذه الدفعة الجديدة من العقوبات الأميركية عليها والتي وصفتها واشنطن بأنها “الأقسى حتى الآن”؟

مع إعادة الولايات المتحدة فرض دفعة ثانية من العقوبات على إيران، أكد الرئيس الإيراني حسن روحاني أن بلاده “ستلتف بفخر” على العقوبات. ورغم خبرة إيران الطويلة على مدار عقود في “الالتفاف” على العقوبات الدولية، تُثار تساؤلات حول فيما إذا كانت ستستطيع تجاوز هذه الدفعة الجديدة من العقوبات الأميركية التي وصفتها واشنطن بأنها “الأقسى حتى الآن”.

وتهدف الدفعة الثانية من العقوبات إلى الحد من صادرات ايران النفطية التي تراجعت أساساً بحوالي مليون برميل يومياً منذ مايو الماضي ما قلص إيرادات النظام الإيراني النفطية بملياري دولار، بالإضافة إلى تقييد تعاملاتها مع الهيئات المالية الدولية. ومن أجل الحيلولة دون انهيار الاتفاق النووي، تحاول الأطراف الباقية في الاتفاق الحفاظ على التجارة مع إيران. وقد جددت هذه الأطراف رفضها للعقوبات الجديدة المفروضة على طهران.

التعويل على الصين والهند وروسيا لتجاوز العقوبات النفطية

ورغم أن العقوبات ستؤثر على البنية الاقتصادية والحياة المعيشية في إيران وستزيد من التضخم في البلاد، كما يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران حسين رويوران، إلا أنه يرى أن إيران “تعايشت مع هكذا عقوبات في السابق واستطاعت أن تتجاوزها”. ويقول رويوران إن لدى إيران برنامجاً واضحاً للإجراءات التي تتخذها لتجاوز العقوبات الأمريكية على المستويين الخارجي والداخلي، ويتابع : “عقدت إيران اتفاقات مع العديد من الدول فيما يتعلق بالنفط، ما أجبر أمريكا على إعطاء الإعفاءات لبعض الدول لكي تحفظ ماء وجهها”.

وعقب دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ، منحت الولايات المتحدة إعفاءات مؤقتة لثماني دول باستيراد النفط الإيراني دون تعرضها لأي عقوبات، وهذه الدول هي الصين والهند وإيطاليا واليونان واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا. ويرى الباحث في الشؤون الإيرانية نجاح محمد علي أن هذه الإعفاءات “اعتراف واضح بعجز العقوبات عن التأثير بصورة كبيرة على إيران، حيث أن الدول المعفية تستورد الغالبية العظمى من النفط الإيراني”.

ويضيف محمد علي : “غالبية الدول التي تم إعطاؤها إعفاءات ترفض في الأساس إعادة فرض العقوبات على إيران، كما أن هناك اتفاقيات بين بعضها وبين إيران للتعامل بالعملات المحلية وتجاوز حاجز الدولار”. وقد أكدت الصين على ضرورة احترام تعاونها التجاري “المشروع” مع إيران، وأعربت عن أسفها لإعادة فرض العقوبات الأمريكية عليها، كما أدانت روسيا “التصرف المدمر” من أمريكا بإعادة فرض العقوبات.

أما بالنسبة للهند، أكبر مشتر للنفط الإيراني بعد الصين، فلها علاقات دبلوماسية وثيقة مع طهران، حيث تشيد ميناء استراتيجيا يُطلق عليه تشابهار من المتوقع أن يدخل حيز التشغيل بحلول 2019.

التعويل على الاتحاد الأوروبي لتجاوز العقوبات المالية

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران حسين رويوران أن إيران مازالت تعول على الدول الأوروبية، خصوصاً فيما يتعلق بتجاوز العقوبات المصرفية والمالية. وقد وضعت الدول الأوروبية آلية خاصة لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، ورغم أنه كان من المقرر أن تصبح تلك الآلية الأوروبية الجديدة، التي تهدف إلى تسهيل الدفع مقابل الصادرات الإيرانية، سارية قانونياً بحلول تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، بالتزامن مع الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية، لكن دبلوماسيون أكدوا أن تطبيقها الفعلي لن يبدأ قبل أوائل العام المقبل.

ويضيف رويوران: “إيران في وضع أفضل بكثير مما كانت عليه قبل الاتفاق النووي”، ويوضح: “قبل الاتفاق النووي كانت العقوبات أممية في حين أن العقوبات الآن أحادية من قبل الولايات المتحدة”، ويضيف: “تمتلك إيران الآن هامشاً أكبر بكثير من السابق وتستطيع من خلاله تجاوز هذه العقوبات، خصوصاً وأن الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين ترفض الإملاءات الأمريكية”.

ورغم شكوك من أن الاتحاد الأوروبي لن يستطيع تجاوز العقوبات الأمريكية على إيران، بسبب ارتباط مصالح العديد من الشركات الأوروبية بالولايات المتحدة، إلا أن الخبير بالشؤون الإيرانية نجاح محمد علي لا يرى حتى الآن أيّ مؤشر على أن الاتحاد الأوروبي “سيخضع لأمريكا” في مسألة العقوبات على إيران ويتابع: “هدف الدول الأوروبية لا يكمن في المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، كما يصور البعض، بل الهدف هو حفظ الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي”.

التعويل على” التماسك الداخلي”
وعلى الصعيد الداخلي يرى رويوران أن “إيران تعمل على زيادة التضامن الوطني داخل البلاد ومحاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاستيراد والاعتماد على الخارج”. ويضيف أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران: “عادة ما تزيد العقوبات من التضامن بين الإيرانيين، ويجب ألا ننسى أن إيران حققت تقدمها النووي والصاروخي تحت الحصار في السابق”.

لكن الباحث في الشؤون الإيرانية نجاح محمد علي يرى أن مشكلة إيران الأساسية هي في الداخل، ويضيف: “إيران تعاني من صراعات داخلية بين المحافظين المتشددين من جهة وبين المعتدلين والإصلاحيين من جهة أخرى”، محذراً من أن انهيار الاتفاق النووي مع إيران قد يكون سبب صعود التيار المتشدد.
اختفاء ناقلات النفط من الرادارات!

ومن بعض الإجراءات التي قد تتخذها إيران لمحاولة “الالتفاف” على العقوبات الأمريكية، ما قامت به في نهاية شهر أكتوبر الماضي، عبر إطفاء أجهزة الإرسال في ناقلات النفط الإيرانية لتختفي من الرادارات، ما يعني أن الولايات المتحدة تستطيع معرفة حركة ناقلات النفط الإيرانية فقط عن طريق مراقبتها بالأقمار الصناعية، وهو ما يعتبر مهمة أصعب من مهمة رصدها عن طريق الرادارات.
وفي هذا الخصوص، يقول سمير مدني من شركة “تانكر تراكر “المختصة بمراقبة حركة الناقلات عالمياً لفرانس برس: “هذه المرة الأولى التي أرى فيها تعتيماً كاملاً. هذا شيء فريد من نوعه”.

الحصول على جوازات من دول أخرى

وقد يكرر الإيرانيون ما فعلوه في السابق من شراء جوازات سفر من دول أخرى، كما فعلوا في جزر القمر، حيث اشترى عشرات التجار ورجال الأعمال الإيرانيين جوازات سفر من البلد الإفريقي منذ عام 2008، قبل أن تلغي جزر القمر تلك الجوازات في الآونة الأخيرة بضغوط إماراتية أمريكية.
وتتيح جوازات السفر الصادرة من جزر القمر إمكانية السفر دون تأشيرة إلى مناطق في الشرق الأوسط والشرق الأقصى ويمكن أن يستخدمها إيرانيون لفتح حسابات في بنوك أجنبية وتسجيل شركات في الخارج.

ولا تسمح الحكومة الإيرانية رسمياً لمواطني البلاد بحمل جواز سفر ثان. لكن مصدراً إيرانياً مطلعاً على عمليات شراء جوازات السفر الأجنبية قال لرويترز إن وزارة الاستخبارات الإيرانية أعطت الضوء الأخضر لبعض كبار الشخصيات في قطاع الأعمال والشركات للحصول على هذه الجوازات لتسهيل السفر والمعاملات المالية.
ويبقى الاحتمال الأخير لدى إيران في حال انهيار الاتفاق النووي، كما يرى نجاح محمد علي، هو أن تكرر سيناريو كوريا الشمالية لكن “بطريقتها الخاصة”، وهو أن تنسحب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وهو ما يخشاه كثيرون لأنه يفتح باب صراعات قد لا تكون من مصلحة أي طرف في المنطقة.

About Abdellatif saifia 398 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 19 = 22