من الفساد الأصغر إلى الفساد الأكبر: أي مقاول ورجل أعمال نريد ؟ أمقاولا ورجل أعمال مواطنا أم ذاك الذي ينهب خيرات البلاد ويمتص دماء العباد؟ -تتمة-

جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا

وتكون بادرة الارتقاء بالبساطة حين يقدم المواطن الأمريكي على تقديم خدمات للمواطنين عجزت عن تقديمها الدولة ليقوم بدورها الانساني والاجتماعي ، ويعتبر نفسه عضوا مكملا لها عاطيا لنفسه الصلاحية في تقديم يد العون المادي والنفسي لمن هم في حاجة ماسة إلى ذلك …وهكذا يمكن أن نفهم جيدا الفرق الشاسع بيننا وبينهم . ولا نعجب إن رأيناهم ينفذون من أقطار السماء والأرض ليأخذوا السبق والريادة في الحياة بفضل عزمهم ومثابرتهم وتماسكهم وتكافلهم وخدمة بعضهم البعض وجعل كل خيراتهم ومجهوداتهم رهن مصلحة الوطن والمواطنين دون التمييز بينهم في الحسب والنسب واللون والمستوى الاجتماعي والثقافي إلى غير ذلك…ليعبروا فعلا عن جدارتهم بالريادة والتقدم في كل الميادين ومنها العلمي الذي أبهروا العالم بما حققوه فيه وعلى سبيل المثال لا الحصر ، الرحلة المكوكية التي قاموا بإنجازها لاستكشاف كوكب المريخ مؤخرا والذي يطمحون إلى زيارته عما قريب خلال ثلاث سنوات على الأكثر ، وإنجازات أخرى لا تقل أهمية عن هذا الإنجاز تمكنوا من تحقيقها خدمة لبلادهم وللإنسانية جمعاء.
وحتى لا نتيه في الكلام ،أعود لأذكر بما نحن بصدده ، ألا وهو العمل الذي قام به أحد رجال الأعمال الأمريكيين البالغ من العمر 92 سنة ، والذي يستثمر في العقارات والمطاعم ، وأبى إلا أن يشار ك المواطنين الأمريكيين مأساتهم بعدما تضرروا من جراء الحرائق التي شبت بغابات شمال كاليفورنيا وأتت على حوالي 70000 هكتار و 14000بناية وخلفت حوالي 94 قتيلا وإصابة عدد كبير من الناجين بإصابات متفاوتة الخطورة ،ليقطع هذا المسن ما يفوق 900 كلم جالبا معه قدرا ماليا كبيرا يفوق المليون ومائتي ألف دولار على شكل شيكات من قيمة ألف دولار للواحد ليوزعها على تلاميد وأساتذة ومدراء مؤسسات تعليمية شملها الحريق المذكور ،ليشارك المتضررين من هذه الفاجعة همومهم ويخفف عنهم من شدتها بمنحهم قدرا ماليا يتمكنون من خلاله تجاوز بعض المحن ومواساتهم من خلال هذه الالتفاتة الانسانية التي إن عبرت عن شيء فإنما تعبر عن تماسك شرائح المجتمع الأمريكي القوي بثقافته المتنوعة وتلاحمه وتعاطفه وتعايشه وتقديرهم لبعضهم البعض بعيدا عن الرياء والإديولوجيات والنوايا السيئة ، عكس ما يحدث لدينا من كل هذه الأوصاف المشينة واللاإنسانية التي يتصف بها العديد ،إن لم نقل جميع من يقدم على تقديم يد المساعدة مستغلا بعض المواقف الاجتماعية والإنسانية التي تعبر عن معاناة المواطنين خلال حدوث أزمات أو مشاكل تتسبب فيها كوارث طبيعية أو غيرها كتهاطل الأمطار مثلا الذي غالبا ما يعري عن ضعف البنيات التحتية ويفضح الغش والتلاعب في الصفقات مما يتسبب في أزمات اجتماعية وصحية خانقة للمواطنين ، ناهيك عن بعض الآفات التي تحصل أحيانا كالحوادث الطرقية التي لا حصر لها والتي لازالت تحصد أرواح المواطنين بصورة خيالية و التي غالبا ما تتسبب فيها الحالة غير المرضية للطرقات على صعيد المملكة وغياب المعنيين بضبط السير على الطرقات لأسباب عديدة يمكن إرجاعها لقلة العنصر البشري الأمني من رجال الشرطة والدركيين ونقص مهول في الإمكانيات اللوجستيكية اللازمة لاستيعاب مثل هذه المشاكل والتمكن من الحد منها ، بالإضافة إلى انهيار المباني الآيلة للسقوط بسبب اهترائها أو الإصلاحات غير القانونية التي تجرى عليها بطريقة عشوائية في غياب النية السليمة والإحساس بالمسؤولية وربط هذ الأخيرة بالمحاسبة وغياب المراقبة الصارمة والتتبع الجاد لهذا المجال الذي يتفشى فيه التسيب والمحسوبية والزبونية بقوة لا تتصور ، مما يخلق فوضى عارمة في المجال الذي تعمقت ذهاليزه وزادت متاهاته وأصبح عبارة عن مجال تتحكم فيه لوبيات العقار وعصابات تتلاعب في مجرياته ومصير البلاد والعباد السياسي والاقتصادي وما إلى ذلك مما من شأنه أن يقوض وضعنا الداخلي ويؤثر فيه بطرق سلبية ويشوه سمعتنا ويجعلنا في عداد الدول والمجتمعات التي تمسك بذيل التقدم دون رغبتها في الخروج من براثن التخلف .
والغريب في الأمر أن أغنياءنا المبجلين يستهويهم الرياء ويلهثون في سبيل تلميع صورتهم من خلال استغلال المواقف الانسانية والاجتماعية المزرية والعمل على الدخول من خلالها كأبطال منقذين يحسبون لذلك ألف حساب وحساب ،فيظهرون خدماتهم هذه بالطبالة والغياطة والمصورين وبعض المحسوبين على الصحافة الباهتة عديمة الضمير التي لا يهمها إلا التسابق نحو ما يشفي تعطشها المادي وغيره الذي يفقدها السيطرة على وجشعها وطمعها ،مستغلة سلطتها في الوصول إلى المعلومة ومصداقية العمل الصحفي الذي البناء الذي عمل الكثير من ممتهنيه على تلميع صورته والرفع من قيمته بشتى الطرق والوسائل دون أن يبخلوا عليه بتضحيات كبيرة وكثيرة جعلت السلطة الرابعة تكتسي حلة الثقة والمصداقية لتفرض وجودها ومكاتنها بين السلط .لكن للأسف نجد من يستغلها شر استغلال لقضاء مآربه الخاصة وبناء وضعه المادي على حسابها هاويا عليها بمعوله الصدئ كلما أتيحت له فرصة السانحة للقيام باستغلال صفته ومنصبه وانتمائه للجسم الصحفي الذي يأخذه مضلة ووسيلة للنصب والاحتيال والابتزاز والتزوير والكذب والبهتان ، غير آبه بما تستلزمه هذه المهنة الشريفة من نزاهة وصدق وحسن نية ومسؤولية كبيرة في إيصال الخبر الصادق كأمانة لا تحتمل اللبس ولا الزيادة أو النقصان ، الأمر الذي صارت معه الصحافة وسيلة للتدليس واللعب بالحقائق وبعواطف المواطنين ، لتصير آلية يسوء استعمالها من طرف العناصر الفاسدة والأمية التي تجهل أبجديات الصحافة ومفهومها ، وحقيقة الدور الذي خلقت لأجله حتى تؤدي دورها الشريف في نقل المعلومة وتثقيف الفرد والمجتمع والرفع من مستواهم الفكري وغيره ، ليؤدي بدوره عمله في دائرته الخاصة والعامة كما ينبغي وبصورة إيجابية .
لكن للأسف نجد أن أصحاب العقول الضيقة من الأثرياء يمارسون ضغوطهم على ضعاف الشخصية وعديمي المبادئ من المترامين على حدود الحقل الصحفي ليمرروا عبرهم عددا من الالأكاذيب في صورة حقيقة يشبعون بها عقول الأميين والجهلة ليتبنوها ويكرسوها على من كانت لهم عليهم من سلطة وغلبة أصحاب الشخصيات الضعيفة والمعرفة البدائية والسدج والبهل الذين يكلفون نفسهم العناء ليخرجوا من جحورهم في سبيل الحصول على لقمة لا تسمن ولا تغني حتى جوع قبرة ، ثم يعودون إلى جحورهم كالجردان المتعفنة على أمل انتظار فرصة أخرى يترصدونها على أحر من الجمر ويستعطفون أسيادهم بلغة الذل والرق ويتهافتون على أي مناسبة تجعلهم يفوزون برضاهم وينعمون ببعض ما يجودون عليهم به مما تم اكتسابه بالخداع والنصب اللذين يمارسان في حق البلاد والعباد من طرف هؤلاء الفاسدين من الأسياد الذين رمى بهم الزمن اللعين بهذه الأرض السعيدة التي أصبحت رهينة بما تمليه عليهم مصالحهم ومواقفهم البعيدة كل البعد عن الانسانية وحب الخير للوطن والمواطنين .
إلى متى سنبقى على هذه الحال دون بوصلة توجه ضمائرنا ورياح خيرة توجه أشرعتنا لتسوقها نحو الغد الأفضل ، الغد الذي ينخرط فيه الجميع بكل من فيهم الأغنياء والفقراء ، النساء والرجال ، المسؤولون والرعية ، كل من جانبه في خلق أجواء التلاحم والتعايش والتعاون وتكاثف الجهود والعمل الجاد ، وكل ما يفضي إلى خدمة المصلحة العامة ، مصلحة البلاد والعباد ، في تناغم وتناسق بين جميع شرائح المجتمع واعتبارها لبنة ضرورية وأكيدة، لبناء مجتمع أحسن ينشد الخير والسلام للجميع ويحافظ على مصداقية الكيان الذي يجمعنا ككل ونعيش تحت سمائه وننعم بخيراته التي لا تعد ولا تحصى ، دون تمييز منطقة من المملكة السعيدة عن أخرى ،والعمل على ضخ دماء طاهرة تفوح بالاعتزاز بالجنسية والاعتزاز بالانتماء وحب الوطن والافتخار بذلك ،تجري في شرايين كل مواطن غيور على وطنه ومؤسساته ورموزه …وللحديث بقية.

About Abdellatif saifia 515 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 3 = 6