من الفساد الأصغر إلى الفساد الأكبر …الحرب الأهلية بين المواطنين والسلطة بفرنسا أكثر ضراوة وفتكا وحقدا من الحروب العالمية -يتبع-

جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا

بقية الحديث … لا يمكن تجاهل ما يحدث بفرنسا ، وستليها دول أوروبية أخرى وغير أوروبية، من وقائع واضطرابات أثارتها موجات الغضب الشعبي بقيادة ما يسمى بأصحاب السترات الصفراء الذين أشعلوا فتيل الغضب والرفض التام لما تنهجه الحكومة والسلطة العليا بالبلاد من سياسة اعتبرها المتظاهرون تراميا على حقوق المواطنين الفرنسيين وقهرا لقدرتهم الشرائية ووضعهم الاجتماعي المتردي بسبب ما تفرضه الدولة عليهم من قرارات متتالية في الرفع من أسعار بعض المواد التي يعتبرونها أساسية ومؤثرة بشكل سلبي على وضعهم المادي والمعنوي كالزيادة الأخيرة التي فرضتها الدولة في بعض المحروقات ، ناهيك عن توسيع نطاق الضرائب والزيادة فيها وعدم اطمئنان المواطنين الفرنسيين لما يمكن أن تقدم عليها الدولة من قرارات أخرى قد تكون مجحفة في حقهم ، أي الفرنسيين ولانعدام الثقة في المسؤولين ، لم يجد الفرنسيون بدا من التعبير عن عدم رضاهم عن قرارات الدولة التي وجدوها لا تصب في مصلحتهم ،بالإضافة إلى استفحال البطالة وسوء تدبير الأمور الداخلية والتساؤل عن مصير الأموال الناتجة عن صفقات الأسلحة التي أبرمتها فرنسا مع بعض الدول العربية والإفريقية وأمور كثيرة أخرى يجهل مصيرها وحيثياتها ، ليخرجوا إلى الشوارع معبرين عن سخطهم عن هذه القرارات التي فتحت على المواطنين مصراعي المعاناة من الفقر وتسببت في عدد كبير من المشاكل لدولة فرنسا التي كانت بحق بلدا رائدا للديمقراطية التي مسحت بها أرض وشوارع باريس وغيرها نظرا لما أقبلت عليه القوات الأمنية الفرنسية في حق المواطنين الفرنسيين ، وكأنها حرب أهلية فتحت أبواب جهنم على المواطنين ليردوا بالمثل على النظاميين بأبشع ما يكون من وسائل وطرق التعسف المتمثلة في إضرام النار في الممتلكات بكل أنواعها ونهبها وإتلاف معالمها من قصور ومتاحف تحفظ تاريخ فرنسا ورموزها والعبث بها وكأننا أمام عدو كاسح جبار لا يعرف الرحمة أو الشفقة يحرك آلياته الفتاكة والهدامة نحو كل ما يعبر عن سيادة الدولة ، بل حتى ممتلكات المواطنين التي يصادفونها في طريقهم ، تماما مثلما تفعل جيوش الجراد الجائع حين تدخل أرضا خضراء لتحيلها إلى بقعة مقفرة دون ترك أي أثر لبصمة الحياة والحضارة بطريقة لم نر مثلها منذ الحرب العالمية الثانية حين اكتسحت جيوش هتلر بلاد أوروبا ومنها فرنسا التي ستعتبر من تسميه بالنازي الألماني أرحم بها وأقل حقدا عليها من مواطنيها الذين أشهروا سيف العداوة في وجهها وأشعلوا نار الفتنة فيها بطرق يمكن أن نعتبرها همجية ، لنستقرئ مدى حقد المواطنين الفرنسيين على الوطن الأم ورغبتهم الجامحة في التعبير عن مدى رفضهم لواقعهم الذي يبدو أنه كان واقعا خادعا رغم كل ما تقوم به بلادهم وبكل تفان بإظهار الصورة الجميلة للعالم ومحاولة تصدير ثقافتها البراقة وإيديولوجياتها الخادعة ومبادئها الكاذبة عبر دبلوماسيتها المخادعة لكن كما يقول المثل ”فاقد الشيء لا يعطيه”وأيضا كما يقول المثل العامي المغربي ”كون كان الخوخ يداوي كون داوى راسو” ، لينجلي كل شيء بغثة وينكشف سرها وينفضح أمرها ويرفع الستار عن وضعها الحقيقي الفاسد من كل الجهات .
فلا يمكن اعتبار مثل هذه الثورة العارمة للشعب الفرنسي إلا نتيجة انفجار قوي أتى بسبب ضغط وضغط وضغط كبير يفوق التصور ويظهر مدى معاناة المواطنين من جبروت النظام الجائر الذي يحكمهم وقساوته وظلمه لهم ليصبح آلة لا تمتلك الإحساس بما يسمون بالمواطنين ولا تعتبرهم قطعا ولا ترى فيهم إلا مخلوقات منتجة وخدومة لسياستها ، تملأ من مدخراتهم خزينتها وتحقق بها أهدافها وأحلامها دون اعتبار أو تقدير لهؤلاء الأشخاص ، الأمر الذي جعل هؤلاء المواطنين يحسون بأنهم غرباء على هذه الدولة وأنهم مجرد مستخدمين وعبيد يعملون بالضيعة الفرنسية الكبيرة التي تمارس عليهم من اضطهاد ما قد مارسته على الشعوب التي احتلتها واستنزفت خيرات بلادها وامتصت دماءمواطنيها وعملت على مسح هويتهم وأثقلتهم بالديون حتى يبقون تابعين لها طائعين لأوامرها جاعلة منهم أدوات استهلاكية لمنتوجاتها التي تمرر من خلالها ثقافتها الهجينة ونواياها السيئة …وللحديث بقية

About Abdellatif saifia 480 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


55 + = 63