لا سيادة للقانون … مع وجود حكومة العثماني وبرلمانييها…والمادة 9 من مشروع قانون المالية لسنة 2020 خير فاضح لهم

 

جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا

 

بقية الحديث … الدولة هي أسمى كيان مستقل يمكن الاعتراف به كسياسة واقعية تكرس عبر شروط أساسية تؤسس لمنتظم مجتمعي يتكون من شعب يضمه حيّز جغرافي معقد أو بسيط محدد ، وتنظم علاقاته ترسانة من القوانين الضابطة تستمد قوتها من الدستور وتصب في الحفاظ على التعايش والتآلف بين أفراد المجتمع والمؤسسات المختلفة والمتنوعة التي وضعت لخدمة الصالح العام والخاص في آن واحد في إطار سيادة الدولة الداخلية والخارجية ومؤسساتها التي يفترض أن تكون قدوة للأفراد والجماعات والأشخاص الماديين والمعنويين ليسير الجميع في اتجاه واحد يَصْب في مصلحة البلاد والعباد…

لكن يبدو أن مضامين المادة التاسعة من مشروع قانون المالية لسنة 2020 التي صادق عليها مجلس النواب بحر الأسبوع الماضي والقاضية بمنع الحجز على ممتلكات الدولة والجماعات الترابية رغم وجود أحكام قضائية، يسير في اتجاه سياسة إفراغ القانون والأحكام القضائية ومحتويات الدستور والأوامر السامية لملك البلاد ، حسب ما جاء في موقف ذوي الاختصاص لجمعية هيأة المحامين بالمغرب أن “ما تضمنته المادة من منع إخضاع أموال الدولة والإدارات العمومية والجماعات الترابية للحجز تنفيذاً لأحكام قضائية قابلة للتنفيذ هو إنكار للعدالة وتعطيل لوظيفة القضاء وللأمر بالتنفيذ الذي يصدر بأمر من أعلى سلطة في البلاد”. كما أبرزت أن العمل بهذا المقتضى الذي أقرته حكومة سعد الدين العثماني ضمن مشروع قانون المالية “يشكل ضياعا لحقوق المتقاضين الذين لم يستصدروا تلك الأحكام المُقرة لحقوقهم إلا بعد مساطر إدارية وقضائية قد تكون معقدة وطويلة ومكلفة”. جمعية المحاميين التي يترأسها النقيب عمر ودرا، وجهت انتقادات شديدة اللهجة للحكومة ومعها البرلمان موردة في هذا السياق أنه “بدلاً من سن قوانين وقواعد تفرض سيادة القانون واحترام الأحكام القضائية ، يستسيغ المُشرع والسلطة التنفيذية إقرار نص تشريعي مسطري في غير سياقه التشريعي يهدف أساساً إلى منح درجة تفضيلية ومنح حماية لدائن ممتلئ الذمة مُتماطل في تنفيذ أحكام قضائية قابل للتنفيذ”. لتؤكد هيأة المحامين هذه أن الموضوع “لا يهم فقط المحامين، باعتبارهم ينوبون عن أطراف الدعوى ويمثلون مصالح المتقاضين ويوجب عليهم القانون القيام بجميع الإجراءات الضرورية لذلك؛ وإنما يهم جميع المتقاضين مواطنين وأجانب، كما يهم جميع دُعاة بناء دولة القانون والمؤسسات والمدافعين عن استقلال القضاء وفعالية ونجاعة السلطة القضائية”. مما جعل الجمعية تطالب “السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية” إلى التراجع عاجلاً عن هذه المقتضيات غير المقبولة وسن قوانين تُعزز سيادة القانون وتفرض على المحكوم عليهم، خصوصاً من إدارات ومؤسسات عمومية وجماعات ترابية التعجيل بمنح الحقوق لأصحابها وتنفيذ الأحكام القضائية”. وحملت الصيغة النهائية لهذا المقتضى الذي أثار جدلا واسعا، تنصيصها على أنه “يتعين على الدائنين الحاملين لسندات أو أحكام قضائية تنفيذية نهائية ضد الدولة أو الجماعات الترابية ألا يطالبوا بالأداء إلا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة العمومية أو الجماعات الترابية المعنية”. “وفي حالة صدور قرار قضائي قابل للتنفيذ، يدين الدولة أو جماعة ترابية بأداء مبلغ معين” حسب رأي جمعية المحامين التي تعتبر من ذوي الاختصاص والخبرة “يتعين الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه تسعون يوما ابتداء من تاريخ الإعذار بالتنفيذ في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية لهذا الغرض وفق مبادئ وقواعد المحاسبة العمومية، وإلا يتم الأداء تلقائيا من طرف المحاسب العمومي داخل الآجال المنصوص عليها بالأنظمة الجاري بها العمل في حالة تقاعس الآمر بالصرف عن الأداء، .بمجرد انصرام الأجل المشار إليه أعلاه”.

وكانت المادة المثيرة للجدل قد أغضبت القضاة أيضا الذين عبروا عن موقفهم الرافض لها بأن ما تضمنته مقتضيات المادة التاسعة من مشروع قانون المالية لسنة 2020، من منع لتنفيذ الأحكام القضائية، الصادرة في مواجهة الدولة، والجماعات الترابية عن طريق الحجز، “يشكل مسا واضحا بمبدأ فصل السلط، واستقلالية السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية، والتنفيذية، كما هو منصوص عليه في الفصلين 1 و107 من الدستور”.

معتبرين أن مقتضيات المادة المذكورة “آلية تشريعية لإفراغ الأحكام، والمقررات القضائية، الصادرة في مواجهة الدولة، والجماعات الترابية من محتواها، وإلزاميتها، وذلك خلافا للفقرة الأولى من الفصل 126 من الدستور، الذي ينص على أن الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع، دون تمييز بين أطراف الدعاوى المتعلقة بها”.

مؤكدين أيضا أن المقتضيات المذكورة، “فضلا عن مخالفتها لأحكام الدستور، فإنها، من جهة أخرى، مخالفة للتوجيهات الملكية السامية، التي ما فتئت توصي بضرورة وأهمية تنفيذ المقررات القضائية، وجريان مفعولها على المحكوم ضدهم ، بما في ذلك الإدارة، وكل مرافق الدولة، في إطارالمبدأ الدستوري، القاضي بمساواة الجميع أمام القانون، والقضاء

ويمكن أن نأخذ موقف الحكومة وبرلمانها في هذا الأمر عبثا بمصداقية مؤسسات الدولة ورموزها وحقوق مواطنيها وتطلعاتهم ، لإيحالها على الوضع المتسلط والاستبدادي الذي يتم الجمع فيه بين سلطتي القاضي والجلاد لتعود ممرة أخرى إلى ممارسة مفهوم الاستبداد وقهر العباد باحتكار السلط وضرب مفهوم دولة المؤسسات والحريات لتسود في البلاد وتصول وتجول دون ناه أورقيب وحسيب ، لتعود أيام الظلم والظلامية التي مافتئ الشعب المغربي يودعها ويتنفس الصعداء من خلال العهد الجديد الذي أملوا فيه الكثير من التغيير في مجال حقوق الإنسان والتسيير والتدبير سواء المحلي أو الوطني عبر ترسانة من الآليات والوعود التي جعلتهم يستبشرون خيرا في النهوض بمقومات دولة حديثة تعيد لمواطنيها الحرية والكرامة اللتين افتقدوهما منذ زمن بعيد … لكن للأسف الشديد ، مع وجود حكومة العثماني وبرلمانييها لا سيادة للقانون وغيره…مطلقا ، باستثناء الارتجالية في انتظار الصعود “عفوا” النزول إلى الهاوية … وللحديث بقية.

About Abdellatif saifia 1647 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن