مسقط بعمان تستقبل الوفود العربية والغربية لتقديم التعازي للعائلة الحاكمة بوفاة السلطان قابوس

توافد مسؤولين غربيين وعرب ومن ضمنهم الأمير مولاي رشيد الذي أرسله جلالة الملك محمد السادس إلى العاصمة العمانية مسقط لتقديم التعازي للعائلة الحاكمة بوفاة السلطان قابوس. هذا في وقت يطرح السؤال: هل تبقى عُمان نقطة التقاء الفرقاء والأعداء؟ وتحافظ على حيادها على الطريقة السويسرية؟

    السلطان الجديد هيثم بن طارق آل سعيد يشارك بحمل نعش ابن عمه الراحل قابوس بن سعيد

التقى قادة من العالم والمنطقة، كثير منهم على خلاف، بسلطان عمان الجديد اليوم الأحد (12 كانون الثاني/يناير 2020) لتقديم واجب العزاء في وفاة السلطان قابوس بن سعيد الذي ساعدت دبلوماسيته الهادئة على مدى خمسة عقود في السلطة في تهدئة الاضطرابات بالمنطقة.

وكان زعيما قطر والإمارات، اللتين تشهدان خلافا منذ مدة طويلة، من بين الذين زاروا قصر السلطان في مسقط، إضافة إلى وزير خارجية إيران، الخصم اللدود للسعودية والإمارات حليفتي الولايات المتحدة.

وتعهد سلطان عمان الجديد هيثم بن طارق آل سعيد بعد توليه السلطة أمس السبت بانتهاج السياسة الخارجية لسلفه، الذي حظي بدعم الغرب، والتي حققت بها مسقط التوازن في العلاقات بين جارتيها الكبيرتين السعودية وإيران وأيضاً الولايات المتحدة.

عمان ستبقى على نفس مسار الحياد في السياسة الخارجية

وقالت إلينا ديلوغر وهي زميلة الباحثة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “سيكون التحدي أمام السلطان الجديد هو الإسراع بتكوين علاقاته الشخصية مع الشركاء الأجانب وتوضيح موقفه المرجح أن يبقى على نفس مسار السياسة الخارجية لعمان”.

ويرجح محللون آخرون أن يحافظ السلطان الجديد على إرث قابوس ويستمر في سياسته التي جلبت الاستقرار السياسي إلى مسقط في منطقة غالبا ما تعصف بها الأزمات.

وتوجّهت الدول الغربيّة مراراً إلى مسقط لتطلب منها التوسط ليس في النزاعات الإقليميّة فحسب، لكن في قضايا دولية أيضاً، بما في ذلك الاتّفاق النووي مع إيران في عام 2015.

وتعهد سلطان عمان الجديد هيثم بن طارق بعد تعيينه بمواصلة سياسة بلاده الخارجية القائمة على “عدم التدخل”. وقال السلطان الجديد (65 عاماً) في أول تصريحات له بعد تنصيبه “سوف نرتسم خط السلطان الراحل مؤكدين على الثوابت (…) وسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لغيرنا”.

وأبقت السلطنة على قنوات اتصال مفتوحة مع إيران والمتمردين الحوثيين في اليمن وحتى مع إسرائيل التي لا ترتبط معها بعلاقات رسمية. ويرى عضو هيئة تدريس في قسم التاريخ في جامعة الكويت والزميل في مركز كارنيغي بدر السيف أنه “من دون شك، ستظل عمان تتبع نفس النهج حيث قدم لها هذا النهج الكثير”، مؤكداً أن الأسرة (الحاكمة) ارتضت خيار قابوس في تسمية الحاكم، فمن الطبيعي أن تستمر في سياساته الخارجية حيث هذه السياسات قدمت الكثير لعمان، ولا سبب لتغيير النهج”. وقال السيف لوكالة فرانس برس إن “طريقة تعاملهم (الأسرة الحاكمة) وسرعتهم رسالة للمواطنين والجيران إن الأمور تحت السيطرة”.

وقالت كريستين ديوان من معهد دول الخليج العربية في واشنطن إن “الضمان الأفضل لحياد عمان سيكون عبارة عن إعادة هيكلة اقتصادية ناجحة تعتمد على شعبها وتتجنب الاعتماد على أي قوة أخرى”.

وكان السلطان الجديد يتولى في السابق رئاسة لجنة الرؤى المستقبلية المكلفة التخطيط لمستقبل عمان حتى عام 2040.

كما أكد وزير خارجية عمان على أن إسرائيل طرف في الشرق الأوسط لا يمكن تجاهله

علاقات جيدة مع إيران ومع الفرقاء الخليجيين

حافظت مسقط على علاقات جيدة مع طهران بينما بقيت في مجلس التعاون الخليجي، رغم العداوة العميقة بين السعودية وإيران. وكانت الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تشارك في حملة التحالف العسكري بقيادة الرياض ضدّ المتمرّدين الحوثيين اليمنيين. وبعد أكثر من خمس سنوات على اندلاع الحرب بين الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والمتمردين، لا تزال سلطنة عمان أرضًا محايدة حيث عقد الجانبان محادثات. كما تستقبل عمان مجموعة من قيادات المتمردين، الذين غالباً ما يلتقون فيها سفراء دول غربية.

وتقول الخبيرة في شؤون الخليج سنام فاكيل من معهد “تشاتام هاوس” البريطاني لفرانس برس إنه “من مصلحة (السلطان الجديد) تقديم نفسه كشخص يدعم الاستمرارية ويواصل إرث قائد مثل قابوس الذي كان يعتبر ناجحاً”. وبحسب فاكيل فإن الاستمرارية “مهمة للغاية” لأن “سلطنة عمان تواجه نقاط ضعف اقتصادية بالإضافة إلى تحديات (داخل الخليج) مع مخاوف تتعلق بالسنوات الأخيرة الماضية عندما رأينا سياسة خارجية سعودية وإماراتية حازمة للغاية”.

واعتبر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن وفاة سلطان عُمان قابوس “خسارة للمنطقة”. ويؤكد مراقبون إنه على الرغم من رحيل قابوس فإن خبرة سلطنة عمان الدبلوماسية واستعدادها لخوض مفاوضات تتسم بالسرية في العادة أمر يتجاوز السلطان نفسه. ويتولى السلطان الجديد مقاليد الحكم في وقت خففت فيه السعودية وحليفتها الإقليمية الإمارات من حدة مواقفهما في عدة ملفات إقليمية بما في ذلك قتال المتمردين الحوثيين في اليمن مع وجود بوادر لتراجع النزاع.

وبقيت السلطنة محايدة أيضا عندما قطعت السعودية ودول أخرى علاقاتها مع قطر في حزيران/يونيو 2017. وبحسب ديوان فإن نزعة الحياد في عمان تعود إلى “موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب وتاريخ استقلالها عن جاراتها في الخليج”. وتابعت “ستستند القيادة الجديدة كثيرا إلى سلطة السلطان قابوس في إطار سعيها التعامل مع النزاعات الإقليمية الصعبة والتحديات الإقليمية”.

Embedded video

إشادة دولية بالسلطان الراحل

من جانبه، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطان قابوس بأنه شريك حقيقي لبلاده، عمل مع تسعة رؤساء أمريكيين مختلفين. وأضاف في بيان “جهوده التي لم يسبق لها مثيل من أجل الحوار وتحقيق السلام في المنطقة أظهرت لنا أهمية الإنصات لكل وجهات النظر”.

وقالت الحكومة البريطانية إن رئيس الوزراء بوريس جونسون والأمير تشارلز وصلا إلى مسقط من أجل مراسم العزاء لأطول الحكام العرب بقاء في السلطة والذي أصبح سلطانا في انقلاب عام 1970 بمساعدة من القوة الاستعمارية السابقة بريطانيا. ومن بين الشخصيات الغربية الكبيرة التي توجهت إلى مسقط أيضا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي.

وتولى السلطان هيثم السلطة في وقت يشهد توتراً متصاعداً بين إيران والولايات المتحدة قد يزعزع استقرار منطقة حيوية بالنسبة لإمدادات النفط العالمية.

وبوفاة السلطان قابوس، يصبح أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح (90 عاماً)، والذي كان في مسقط أيضا اليوم الأحد، آخر الزعماء القدامى في منطقة الخليج. وشهدت المنطقة ظهور حاكمين من الشباب في الرياض وأبوظبي ينتهجان أسلوب المواجهة في السياسة ويعقدان العزم على كبح نفوذ إيران.

About Abdellatif saifia 1808 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن