مغاربة العالم: المواطنة المنقوصة 

جريدة النشرة : أبوالمجد عبدالجليل

الهجرة ظاهرة إنسانية سكانية قديمة قدم الإنسان على الأرض، إذ بفضل حركة الهجرة تعارفت الشعوب والقبائل، وازدهرت الحضارات وتفاعلت، وانتشرت الديانات وتعايشت بعد حروب دموية طويلة.

  وفي عالم اليوم تمثل الهجرة إحدى أهم القضايا التي تحتل صدارة الاهتمامات الوطنية والدولية، لا سميا في ظل التوجه العالمي نحو العولمة الاقتصادية وتحرير قيود التجارة التي تقضي بفتح الحدود وتخفيف القيود على السلع وحركة رؤوس الأموال، وما نتج عن ذلك من تدفق موجات الهجرة من الجنوب الفقير نحو الشمال الغني بحثا عن وطن جديد.

وهذا ما تنبأت به مبكرا المنظرة السياسية  الألمانية/الامريكية حنة آرندت  Hannah Arendt (1975-1906)  عندما ذهبت للقول بأن اللاجئين ومسلوبي الحقوق والذين لا أوطان لهم سيكونون  العلامة المميزة للقرن العشرين بمقدار يثير الرعب. الأشخاص المقتلعون من أماكنهم الذين تركتهم الحرب العالمية الثانية في وسط أوروبا المهدمة حل محلهم منذ فترة اللاجئون والمهاجرون الذين يتدفقون من الشرق والجنوب إلى أوروبا السلمية والغنية.

 وعلى غرار باقي البلدان النامية والفقيرة كانت بدايات هجرة المغاربة إلى القارة الأوروبية في الستينيات رهينة بالارتباط بفرنسا الني حكمت المغرب وأضحت فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية هي الحلم الوردي لطبقة عاملة انتقلت من عدة مناطق من المغرب نحو أوروبا (فرنسا، ألمانيا، بلجيكا وهولندا) والتي استطاعت إثبات الذات عبر أجيال.

وتفيد بعض المصادر الحديثة أن حوالي 6 مليون شخص من أصل مغربي منتشرون في جميع أنحاء العالم، يقطنون بالخارج، أي ما يمثل حوالي 13 % من مجموع سكان المغرب، 86 % منهم يتوزعون على البلدان الأوروبية و8 % منهم على البلدان العربية و5 % في الولايات المتحدة الأمريكية، يحولون أكثر من 32 مليار درهم من العملة الصعبة إلى وطنهم الأصلي كل سنة، وتسجل المرأة حضورا لافتا ضمن مغاربة العالم بحيث تمثل حوالي 40 % من الملايين الستة. 

وتشكل التحويلات المالية التي يرسلها مغاربة العالم، ثاني مصدر للعملة الصعبة في المغرب. لكن ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الحوالات قد عززت التنمية المجتمعية، ولكنها بالتأكيد ساهمت في دعم الأُسر الفقيرة واستِقرار الاقتِصاد المغربي من خلالِ توفير السيولة وتدفقات رأس المال في اللحظات الحرِجة. ففي ظل جائحة كورونا لم تتأثر تحويلات المغاربة المقيميين بالخارج السنة الماضية بتداعيات الجائحة، بل زادت بـ6 في المائة عن سنة 2019، مما جعل بعض المراقبين يقول إن  مغاربة العالم  صمام أمانيمكن للاقتصاد المغربي أن يعتمد عليهم  دائما في وقت الأزمات.

وعلى الرغم من قوة الجالية المغربية اقتصاديا، واهتمام المغرب بهم على أصعدة متعددة، إلا أنهم ما زالوا محرومين من التمتع بكامل حقوقهم السياسية منذ أول انتخابات بلدية سنة 1960، وأول انتخابات برلمانية في 1963.

استثناء، وفي ظل ارتفاع أصوات طالبت بمنحهم حقهم الانتخابي، شارك الناخبون المغتربون في انتخابات برلمانية، سنة 1984، ثم عادت السلطات إلى منعهم بذريعة الصعوبات التقنية والمالية. الأمر الذي يعني أن المشاركة السياسية لمغاربة العالم تتطلب مزيدا من النقاش والوقت.

علما أن المنع الراهن يخالف الفصل 17 من الدستور، إذ ينص على أنالمغاربة المقيمون في الخارج يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات. ويمكنهم تقديم ترشيحاتهم للانتخابات على مستوى اللوائح والدوائر الانتخابية، المحلية والجهوية والوطنية. ويحدد القانون المعايير الخاصة بالأهلية للانتخاب وحالات التنافي. كما يحدد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لحق التصويت وحق الترشيح، انطلاقا من بلدان الإقامة.

ومن منظور واسع، يمكن القول إن الجاليات المغربية في الخارج حافظت على اهتمامِها بشؤون الوطن، وعبرت عن رغبتها في المشاركة السياسية، و قامت بحشد منظمات ومَجموعات الشتات من أجل إدخال مبدأ التصويت خارجَ البلاد ليكون لها رأي في المجال السياسي.

كما دأب صناع السياسة على مغازلة مغاربة العالم في خطاباتهم، مؤكدين على أهميتهم الاستراتيجية كرأس مال ثقافي وسياسي واقتِصادي مغربي. 

وختاما بمكن القول إن المدخل السليم لمعالجة هذه القضية الشائكة في عملية تصميم وإدارة الانتخابات بالخارج يمر عبر إرساء حقائق المواطنة القانونية والسياسية الكاملة، وذلك لأنه سبيل الاستقرار والخروج من محن الواقع وأزماته المتلاحقة، إلا ببناء العلاقات القانونية الاجتماعية والسياسية على قاعدة مبدأ المواطنة الذي تتجاوز كل العناوين الفرعية الأخرى التي لا تصل في استيعابها وجمعها إلى مستوى المواطنة الكاملة التي ترتكز على قيم محورية هي:‏ قيمة المساواة أمام القانون  وقيمة الحرية وقيمة المشاركة،وبدون هذه القيم لا أمل في دولة مواطنين بالمجتمع المغربي.

About Abdellatif saifia 4728 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن