قصيدة : لا تبع وطنك يا  أخي

جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا

  

لا تبع وطنك يا  أخي لا تبع

نحن إخوة أشقاء في الوضع

ومن نفس الثدي نتغذى ونرضع

ولو نأى واختلف بِنَا الموقع

فنفس المصير  مهما نصنع

يؤاخي بيننا ويقرب ويجمع

في الوطن الصغير ويتسع 

فاتبع نصيحة أخوة وخير مني 

ولنفسك ووطنك لا تساوم أو تبع

إن وطنك الحبيب ملاذك  الأرفع

ومأواك الآمن والفسيح الواسع

مهما ضاق الحيّز فصلّ واركع

وانهل مريئا من خيراته واشبع 

 فقلبه مفتوح كبير ورحب شاسع

يأخذك بالحضن ويمد لك الأذرع

 ولهفواتك وزلاتك مهما كثرت يشفع

 لا تبع وطنك أيها النوي لا تبع 

مهما غرروا بك أو بالغالي ساوموك

لا تبع وطنك أبدا فهو قدرك ورأس مالك 

ومصدر ثروتك وغناك وسعادتك وهناك  

هو أصلك وفصلك وماضيك ومستقبلك 

قيمته من عزيمتك ومن قيمته قيمتك  

وقدرك بقدره يقاس فأنت تذله أو ترفع

فلا تساوم يوما في وطنك أو تبع

 تطلع عليك فيه شمس وتنقشع

فتنبهر بنورها الكاذب المخادع

لينقلب بهتانا يصدم كل طامع

وتزول آمال كل مغرور مطاوع

ليحصدها منجل الندم القاطع

لا تبع وطنك  أبدا أيها النوي لاتبع

فمهما ضللت الطريق أو فقدت البوصلة  

 لا تبع وطنك أو تساوم فيه أي مخادع

ولو من شدة إملاق أو خصاص أو ضيق

لا تساوم أبدا في وطنك

ولو اشتد بك يا أخي الحريق 

من جور عصبة أو تجبر فريق

تمادى في ظلمك بلا سبب او حق 

أو سلبك رزقك  المستحق

لا تبع وطنك  أو تساوم فيه

فأنت رأسماله وحماه 

والأمل المرتقب ومنتداه 

 الذي سينير له الدرب 

ويزيل عنه الهم والكرب

 ويدفع أدى الظالم المارق 

ويقاوم الظلام الحالك المحيق

 ليقيم له ذاك المجد العريق 

ويمكنه من شعلة البريق 

لتفسح له رحاب الطريق 

فيعتد بعلوه ويفاخر بسموه 

 ويقتدى به في الرخاء والرفاه 

فيباهي بك الأمم أي تباه

ويعتز بِك وبمواقفك بجلالة 

ويعتمد عليك كرهانات أكيدة

على صهوة  خيول أصيلة

يجدك أوقات الشدة والضيق  

فلا تبع وطنك أيها الرفيق 

أيها الأخ والابن والصديق 

هذا الوطن يجمعنا ببعضنا 

كخلية نحل تنطلق جيوشها

 جدلانة نحو الأشجار والزهور 

 تمتص منها أعذب الرحيق

لتعود خماصا وتملأ الشهد

 بما لذ وطاب  وبالشفاء

فهذا الوطن يحضننا بدفئه

وعلى أرضه الآمنة نرتع ونهنأ 

وبالخيرات التي حباه بها الله 

 وسخرها لنا لننعم ونستمتع

 ومن عيون مياهه العذبة

 نستقي ونرتوي  حتى نشبع 

فاعتز وافتخر بوطنك يا أخي 

لا أحد يقدرك ويعزك كالوطن

ولا تجافه مهما أصابك الضيق

أو قست عليك الأيام والظروف

أو أجبرتك وأرغمتك على ذلك 

كبريات المصائب والقدر المرير

لأن الوطن كنز لا يقدر بثمن 

مهما علا السوم فيه وارتفع 

ولا أي شيء لبيعه يشفع 

فالوطن أم بثديها تنعش وترضع 

أبناءها بشغف دون أن تترفع 

عن سقيهم بالحب الصادق 

النابع من القلب المتورع

فلا تبع وطنك أيها المواطن 

لا تبع …مجدك وأصلك ومصيرك

 بل مجّده وحافظ على صورته ولمّع

فهو قيمتك ومرآتك مهما تصنع

يؤويك إذام غدر بك الزمان 

وغاب عنك الوفاء والاطمئنان

وافتقد المأوى وعزّ القرى

يغطيك بدفء ملء الفضاء

ويرويك من نبع حبّ زلال 

دائم التدفق والسيل والجريان  

ويطعمك كحاتميّ واسع الكرم

وحين تتعرى هامتك زمهريرا

وتنسحب من فوق رأسك السماء

يطبطب عليك ماسحا بحنان

ويفرش لك الزهور والورود الفيحاء

من نرجس وياسمين وفل وأقحوان

                                                                                                                                           

فإن سحبت الأرض  يوما

من تحت قدميك كالبساط

سيرد الوطن لك الاعتبار مليا

ويرفع قدرك وهامتك في الأعالي

ويجعل منك ذاك النوي المثالي

ويعيد إليك الثقة بنفسك وتدوي

رافعا  صوتك الصادر عن يقين

مزمجرا في تحد لكل الطامعين

واقفا كالأسد الباسل أمام العرين 

نعم ، كل هذا من ذاك الوطن

يحميك ويفديك ولكرامتك يضمن 

يواسيك ويوفر لك الراحة والاطمئنان

يؤويك في قلبه ويحفظ لك العنوان

ولا يرضى لك أبدا بالذل والهوان

 حتى لا يلاحقك الضعف والوهن

وتلاقي نفس مصير العبيد والخرفان

 أو يرضى أن تعيش مثل الجرذان  

حبيس الخوف متوسلا للشجعان

مكتفيا بالجحور الظلماء ككيان

ترابط فيها وتتعايش مع الديدان

كحشرات يسحقها الزمن الأرعن

بل يريدك وطنك يا أخي أن تستكين

و  ألا تفقد قيمتك وصفتك كإنسان

تراهن على استعبادك في أي كيان

يذيقك العذاب والإذاية وفقد الأمان

بل يريدك وطنك أن تكون من الشجعان

 عزيزا شهما فاعلا في كل آن ومكان

وتعيش حرا طليقا كالهواء  يا مواطن

ذا كرامة وعزة ومروءة لا تقدر  بثمن

فشرف المرء وقيمته من قيمة الأوطان

واستقراره رهين بها إن عدها من الجنان

فلا اطمئنان من دونها ولو زار كل البلدان 

ولن يجد من أرض تأخذه بالأحضان

خيرا من مهده والتاريخ شاهد عيان

فكم مغتربا ذاق لهيب الغربة والعدوان

ومرارة فراق أرضه ونار الشوق والوجدان

اكتوى بها بين الضلوع والفكر سيان

وحولته كرماد مهين تهزه رياح البلدان

تتلاعب بمصيره المتهالك المستهان

وتجعله حقل تجربة كالقردة والجرذان

فتجرده من صفة  البشر والإنسان 

وتعامله كأحقر حشرة أو حيوان

فلا خير لك أخي إلا في هذا الوطن 

وما عليك إلا أن تعزه وتجعله قرة العين

وتسعى في رفعته وسموه طول الزمن

لتجده ملاذا حاضنا لك ولأمانيك

 وحاميا لكيانك وكرامتك من أي طغيان

About Abdellatif saifia 4709 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن