تجاوزات بالجملة في حملات انتخابية مشبوهة تقوم بها أحزاب تفتقد للمصداقية والأهلية السياسية والمسؤولية الوطنية    

جريدة النشرة : د. عبد الللطيف سيفيا

    بقية الحديث …عرفت الساحة السياسية الوطنية في العديد من المناسبات تجاوزات وخروقات لا تغتفر  دون محاسبة أو متابعة جادة تذكر ، باستثناء شطحات تكاد تكون محتشمة باسم ربط المسؤولية بالمحاسبة والتي لا تتجاوز مسافة الأنف شكلا ومضمونا .

ولازالت تقترف الزلات والأخطاء وتحدي ما يفرضه القانون وتجاوزه ، إلى يومنا هذا بعد مرور ما يفوق العشرين سنة من الألفية الثالثة ، وخاصة في فترة حساسة وعملية مصيرية خرجت إلى الوجود بعد مخاض عسير لتخرج الشعوب من عالم الاستبداد والاستعباد إلى عالم يسوده الامن والأمان والحفاظ على كرامة الانسان وتصحيح الانظمة السياسية وجعلها تنضبط تحت لواء القانون واحترام حقوق الانسان كالعملية الانتخابية التي نحن بصدد  الاستعداد لعرسها من خلال مرحلة  الحملة الانتخابية المشبوهة ، التي نعيشها على إيقاعات الحروب الطائفية والحزبية التي تجندت لها بعض الجهات ، إن لم نقل جلها ، ما استطاعت إليه سبيلا من التحرش والعنف والبلطجة وغير ذلك من الإمكانيات والطرق والحيل التي ترى فيها الوسيلة المنقذة لها والتي ، في رأيها ، ستساعدها على الوصول إلى مناصب القرار والتمكن من زمام الأمور  ورقاب العباد ، ودواليب البلاد التي ستطّلع على أسرارها وتغرف من ثرواتها ،  الأمر الذي يسيل لعاب بعض المهتمين  بذلك ويدفعهم إلى الركوب على صهوة الاستحقاقات الوطنية ، البرلمانية منها والجماعية والمهنية ، للاستفادة من غنائمها ونهب خيراتها ، الظاهرة منها والباطنة ، خاصة في غياب عامل ربط المسؤولية بالمحاسبة ، هذا الغياب الذي يفسح المجال أمام ضعاف النفوس هؤلاء الذين هم في حالة تربص دائم للفرص ، يتحينونها  للانقضاض على ما يقضي حاجتهم ويشفي غليلهم ، دون الاهتمام إن كانت الطرق التي ينهجونها  في ذلك سليمة أم غير سليمة .

وقد شهدت  عملية الحملات الانتخابية هذه ولازالت ، نوعا من العبث والفوضى وأعطت صورة سوداوية وتشاؤمية ، للأسف الشديد ، فيما يتعلق بنخبة بشرية ستسند إليها أمور البلاد والعباد ، في حين انها يجب ان تكون قدوة ونبراسا للمواطنين وتعطيهم صورة وردية على من سيتولون أمورهم من مهام ومناصب ومسؤوليات ، وما أدراك ما هي من مناصب ومهام ومسؤوليات ،  التي يتحتم عليهم أن يبنوا من خلالها للناس أملا واعدا ومشرقا في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والصحية والإدارية وغير ذلك من اهتمامات المواطنين وتطلعاتهم ، وإلا فلا داعي للدخول في غمار هذه الاستحقاقات المشبوهة التي ترصد لها أموال طائلة تعد بالملايير ووسائل وإمكانات هائلة لوجيستية وبشرية وغيرها  لتؤول إلى مضيعة للوقت والجهد المادي والمعنوي . 

لكن للاسف ،  تماما كسكب الماء في الرمال ، ففاقد الشيء لا يعطيه والإناء لا ينضح إلا بما فيه ، بحيث خرجت العديد من الأحزاب ، في حملاتها الانتخابية المزعومة ، بعدة فضائح يندى لها الجبين وصور لا تسر الناظرين من تجاوزات سافرة للقانون واختراقه بابشع المواقف والصور والطرق ، من تعنت وهمجية وفوضى واستهتار بشعور المواطنين وعدم الامتثال لأوامر السلطات العليا والسلطات المباشرة المعنية والمختصة ، حين مارسوا التجاوزات ، بالعلالي، فيما يخص عدم اتباعهم للتدابير الوقائية التي فرضتها السلطات ، في هذه الظرفية التي جندت لها الدولة مؤسساتها وإمكانياتها الهائلة والمتنوعة وجيوشها البشرية من رجال السلطة ورجال الأمن وطواقم طبية وشبه طبية وعناصر الوقاية المدنية والشرطة الإدارية وغيرهم ممن ضحى بصحته وحياته ووقته ومصلحته ومصلحة أهله وذويه ، ناهيك عن الاموال الطائلة التي رصدتها الدولة لمواجهة جائحة وباء كورونا التي ستخلف لنا متحوراتها الجديدة المطلة علينا في كل لحظة وحين بمستجدات نجهلها ونجد صعوبة في التصدي لها ، هذه الجائحة التي تسببت في عدة خسائر مادية ومعنوية وفي كساد اقتصادي ومالي متنوع الجوانب والمظاهر ، كانت له تبعات سلبية وخطيرة لا يحمد عقباها ، وتحملت الدولة عبئا كبيرا لتخفيف وطأته على المواطنين والمؤسسات الصناعية والاقتصادية ، لتُحوّل كل مجهودات الدولة هذه إلى أنقاض وطمر حقيقي لأسباب التقدم وآليات الازدهار بسبب تصرفات طائشة وهمجية لا مسؤولة  مبيتة ومقصودة ، تقدم عليها أحزاب تفتقد للمصداقية والأهلية السياسية والمسؤولية الوطنية والإنسانية. 

 

وهكذا نجد أن الأحزاب المشاركة في الحملات الانتخابية قد كرست ثقافة القطيع ولم تبال بكل ما سطرت له الدولة في خارطة الطريق ووضعته من احتياطات وأصدرته من تعليمات باتباع التدابير الوقائية اللازمة من تباعد ووضع للكمامة ومباشرة التعقيم وعدم تجاوز العدد المقرر في التجمعات ، ليضرب كل ذلك عرض الحائط في تحد للقانون وعصيان لأوامر وتعليمات السلطات المعنية ، ناهيك عن تجاوز الوقت والزمن المحددين بموجب حالة الطوارئ التي تفرضها الظروف الصحية الراهنة ، وإحداث الفوضى وعرقلة السير بالشارع العام  وتهديد حياة المواطنين ، رغم تدخل جهات معينة غيورة على البلاد وجادة في القيام بالواجب لضبط الوضع السائب والمخالف لما جاء في التعليمات الصادرة بهذا الخصوص ، وجعل هذه التصرفات تتماشى مع ما يمليه الضمير ويفرضه القانون الذي يجب ان يكون فوق الجميع ، لكن لا حياء ولا حياة لمن تنادي من النخبة ، فكيف يمكن ان يصغي إليك المواطن العادي دون أن يتبع قدوته الممثلة في رجل السياسة الذي يستميله بشتى الطرق والوسائل ، ويستعمل معه الطلاسم وما جاورها للعب بعقول من لا حول ولا قوة لهم بذلك.

 

كما أن من بين صور الفضائح والخروقات التي تميزت بها الحملات الانتخابية الراهنة أيضا ، استغلال الأطفال والقصر والأشخاص في وضعية إعاقة الفاقدين للأهلية ، والتي حاولت العديد من الجمعيات الحقوقية الإشارة إليها واستنكارها دون جدوى ، بالإضافة إلى العديد من المواقف المخزية التي تحدث خلال هذه الحملات من اعتداءات ومواجهات خطيرة بين عناصر أطراف حزبية مختلفة تحولت أحيانا كثيرة إلى مواجهات ضارية بين ما يشبه عصابات حزبية تنقلب دعاياتها لبرامجها الشكلية المرتجلة إلى حرب عصابات مدججة بهراواتها وأسلحتها البيضاء والحجارة التي تتفنن في تكسير الزجاج بها اعتمادا على بعض الطغاة والبلطجية الذين يقومون باستعراض العضلات وإطلاق العنان لأصواتهم المزعجة …

كل هذا يؤدي إلى خلق انطباعات سيئة عن الحملات الانتخابية ومصادرها ومصبها والمشاركين فيها ، ناهيك عما يخلقه ذلك من  إثارة  الحقد والقبلية وقطع صلة الرحم والدخول في مواجهات عنيفة مباشرة حتى بين الأهل بسبب اختلاف انتمائهم الحزبي ، والتفرقة بين الأهل والاحباب والجيران ، وتفشي الانحلال الخلقي ،   الأمر الذي يمكن تصنيفه من بين أساليب الهدم ، هدم المجتمعات والدول والشعوب بضرب القيم والأخلاق والأسس القانونية والمبادئ الاجتماعية ، عوض ان تكون المرحلة بصفة خاصة والاحزاب السياسية بصفة عامة ، أداة لبناء الأفراد والمجتمعات والدول والأمم ، وتساهم في النهوض بالقيم واحترام القانون الذي ينظم الحياة في كل هذه المنظومة ويجعلها تكمل بعضها البعض وتتعايش في جو من السلم والسلام.

كما تميزت الحملة الانتخابية هذه عن سابقاتها بالغلو  في انتقالات فردية وجماعية محطمة رقما قياسيا فيما يسمى بالترحال الحزبي والانتخابي الذي ارتقى هذه المرة إلى مرتبة ميركاتو سياسي لم يعرفه المغرب من قبل ، فكان هذا الترحال يحدث بين عشية وضحاها وفي سرعة البرق وفي الدقائق الاخيرة من الاشواط الإضافية ، لتقلب افواج من هؤلاء الفيستة ، من بؤرة حزبية إلى أخرى أشد منها فسادا وضراوة …فكيف لهؤلاء أن يتأقلموا مع أجواء البؤر الجديدة وبرامجها الانتخابية المفبركة او المصطنعة لقضاء الغرض ، محاولين الدفاع عنها امام المواطنين والتعهد بتطبيقها على ارض المشمش ، وهم لا يعرفون باي هواء نفخت ، أم أن هذه البرامج كلها منسوخة على صفحة ماء راكد تفوح منه رائحة التلاعب بعواطف الناس الذين بدورهم يصدقون كل الخرافات والخزعبلات والتفاهات والترهات التي تعدهم بها هذه الأحزاب وتجعلهم يصدقونها لبراعتها في طمس الأحداث وسرد الحكي وتفننها في الخطابة الزائفة التي لم نقشع من وعودها لعقود خلت سوى الكذب والبهتان . 

فماذا تنتظر من أحزاب سياسية ومن زبدة عناصرها هذه التي تم اختيارها بكل عشوائية وعبثية ، والفاقدة لكل شروط الأهلية أن تحققه من خدمة جادة ذات مصداقية وهادفة للبلاد والعباد ، في حين أن ما يصدر عنهم لا يمت قطعا بصلة للاستحقاق والجدارة والمسؤولية وخدمة البلاد والعباد والصالح العام ؟

ألا يمكن تصنيف هذه الأحزاب العشوائية ، العبثية والفوضوية ضمن معاول الهدم الرامية ، بتكريس افكارها الخسيسة المشروخة وإيديولوجياتها الباهتة والبائدة ، إلى إفساد المجتمع وغرس أفكار الفساد في أعماقه ، وجعل أفراده يزهقون الحق ويتبعون الباطل حتى يسهل على الساسة أن يسوقوا الرعية كالقطيع.

لكن أمل بقية الشعب تبقى في إيمانهم بنباهة قائد البلاد الذي يؤمنون بحبه لهم وللوطن الذي لا يمكن أن يتركه جلالته بيد شرذمة من الفاسدين ليتحكموا في البلاد والعباد ، ويغلبوا الفساد على الإصلاح والصلاحوللحديث بقية

About Abdellatif saifia 4689 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن