المغرب والنظام العالمي : من الأحادية إلى التعددية القطبية

جريدة النشرة : أبوالمجد عبدالجليل

 

لم يشهد العالم منذ الحرب العالمية الثانية أحداثا وتقلبات متسارعة هزت كل أرجائه مثل تلك التي تجري حاليا وستجري في العالم في السنوات القليلة المقبلة.

فمنــذ انهيــار الاتحاد الســوفياتي وتفكك الكتلة الشرقية، لــم تنقطــع الدراسات والأبحاث الأكاديمية بشــأن الحالة التــي سيســتقر عليهــا النظــام الدولي مســتقبلا.

فهناك مــن يتوقع اســتمرار الأحاديــة القطبيــة (الولايات المتحدة الاميركية)، ويرى آخــرون عودة الثنائيــة القطبية (الصين مقابل الولايات المتحدة)، بينما يعتقد غيرهم أن النظام الدولي يتجه إلى أن يكون متعدد الأقطاب (الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، واليابان، والهند، والبرازيل). 

وفي الوقت الراهن تعددت الدراسات التي تشير إلى أن النظام العالمي يمر بمرحلة انتقالية جديدة من شأنها إعادة تشكيله على أساس متعدد الأقطاب، وليس أحادي القطبية كما هو الحال ، ومن تم اختلاف أشكال المواجهة في هذا النظام ، وعلى الرغم من تعدد سيناريوهات مستقبل النظام العالمي، إلا أن الاتجاه العام يذهب إلى تأكيد التحول إلى نظام متعدد القطبية.

هذا النظام الدولي الجديد لايزال في طور الانبثاق، يقول الصينيون إن موعد استقراره سيكون في أواسط هذا القرن، ولكن جائحة  كورونا عجلت في هبوب رياحه ، وأصبحت الولايات المتحدة الاميركية اليوم تواجه تحديات مصيرية بعد فيروس كورونا، إلى جانب النزاعات الاجتماعية التي تجتاحها من حين لأخر. 

وعلى الرغم  من أن بعض الباحثين يعتقدون أن النظام متعدد الأقطاب سيجعل إدارة العلاقات الدولية أمرا صعبا، إلا أن هذا النظام هو أفضل للدول النامية بصفة عامة، حيث تتعدد أمامها الخيارات ولا تنفرد قوة واحدة بقرارات السلام والحرب في العالم.

ومن أبرز وأهم ملامح النظام الدولي الحالي التي يمكن اعتبارها، على أنها تحولات استثنائية ميزته عن فترة القطب الواحد (1990-2000) ، هو أنه أصبح واضحا اليوم بأن الولايات المتحدة الاميركية، وهي القوة المركزية العالمية التي شكلت محور النظام العالمي حتى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قد بدأت هيمنتها الجيوسياسية على أقل تقدير بالتراجع  نسبيا في مناطق كثيرة من العالم، والدليل على ذلك كثرة الدول والأنظمة التي بدأت التمرد على سياساتها ومخططاتها الاستراتيجية، وعدم قدرتها على فرض هيبتها وقوتها كما كان سابقا، وهو ما يستدعي تراجع نفوذها الجيواستراتيجي شيئا فشيئا خلال الفترة القادمة، وبالتالي انبثاق عالم  جديد متعدد الأقطاب.

بالنسبة لدول شمال إفريقيا يلاحظ أن هذه المتغيرات الدولية الجارية حاليا،  أثرت على علاقات دول  المنطقة وزادت من تفاقم حدة التنافس وسباق التسلح  والانقـسام، لاسيما بين المغرب والجزائر،  وهي الأطراف المباشرة في النزاع حول الصحراء.  

وهكذا تحول  هذا الصراع الإقليمي بين المغرب والجزائر إلى بؤرة من البؤر التي تكثف الصراع الدولي، ليس فقط بالعلاقة مع ملف الصحراء بل بما تشكله من منطقة جيوسياسية مهمة سواء بعمقها الإفريقي الذي يشكل مجالا قويا للصراع الدولي مستقبلا ، لما تتوفر عليه من معادن ثمينة وقدرات طاقية وإمكانيات هائلة للاستثمار، أو لموقعها الاستراتيجي الإقليمي والدولي بتواجدها على إحدى الممرات الملاحية  والتجارية الدولية، فإن المنطقة كما  يبدو  سائرة إلى مزيد من التوتر والتصعيد، وملف الصحراء هو بمثابة عنصر توتر مصطنع  ومحطة مشاكل دائمة لكل من المغرب والجزائر، تستنزف قدراتهما الاقتصادية والمالية والعسكرية على حساب  قضايا التنمية التي يتوق إليها الشعبان الشقيقان في كلا الدولتين، وأن مصلحتهما  الحقيقية تكمن في فتح جسور الحوار لحل جميع القضايا العالقة بينهما بما فيها أزمة الصحراء التي تعد من بقايا مخلفات الحرب الباردة بين القطبين الشرقي والغربي، بما يؤمن قيام  شراكات اقتصادية و سياسية ودفاعية تضمن مصالحهما الاستراتيجية المشتركة وتقوي مكانتهما ، مع الحفاظ على التوازن  المطلوب في علاقاتهما الدولية مع القوى المتنافسة على زعامة العالم من أجل غلق الباب امام إعصار الصراع  الدولي الذي يهدد المنطقة، والذي قد يؤدي في حال الانخراط المباشر فيه من طرف الجزائر والمغرب  إلى تقويض الأمن والسلام  لكلا الدولتين ولكل دول الجوار الإفريقي والمتوسطي.

الواضح الآن أن العالم قد تغير ، والمطلوب أكثر من أي وقت مضى من المغرب والجزائر التفاهم والتكامل من أجل خلق قطب وازن قادر على التموضع بشكل جيد في الساحة الدولية ، قطب قادر على فرض نفسه كقوة استراتيجية واقتصادية تضمن التأثير من أجل صنع مستقبل أفضل للمنطقة المغاربية وللقارة الإفريقية.



About Abdellatif saifia 5401 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

1 Comment

  1. كلامك على صح أيها الدكتور الفاضل،،🥀🌹
    مشكل الصحراء مفتعل من القوى الكبرى لخدمة أجندة الغرب و ،لجعل المغرب والجزائر رهينة ،يتسابقان في شراء الأسلحة المتطورة ومند زمان، ولاضعاف البلدين معا ، بالدارجة المغربية *باش ادخلو سوق راسهم بجوج مايبقاوش ادخلو في شؤون العرب و الدول* ، يااخي الحرب قادمة على الأبواب ماهي الا قضية شهور ،أو أيام، بل وربما ساعات فقط ،صناع القرار في البلدين كلهم يدهم على الزناد ستحرق وتدمر البلدين معا ،الشعبين لا يريدان الاقتتال بحكم التاريخ والنسب المشترك ووحدة الدين ولكن والغريب في الامر ،لمذا المواطنون في البلدين يتفرجون لا يتكلمون ولا يرفضون علنا الحرب القادمة لا يحركان ساكنا ، امر غريب !!! ،هل لم يبقى هناك شرفاء في الجزائر و المغرب للتضامن ووقف الخطر القادم، و النهي عن المنكر ؟😥😥😥😥😥 لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن