من الفساد الأصغر إلى الفساد الأكبر…الفصل الثاني

من الفساد الأصغر إلى الفساد الأكبر…عنوان مقالة شيقة تتناول بعض أوجه الفساد بالبلاد وتغلغله في العديد من مكونات المجتمع المغربي والمؤسسات الحكومية والتشريعية إلى غير ذلك في غياب تام للمراقبة والتتبع والمتابعة وكل آليات الإصلاح رغم موقف دستور 2011 الصريح من كل أوجه الفساد وخطابات جلالة الملك المباشرة والمحذرة من كل تلاعب في المسؤوليات وتلويحه بقطع الطريق عن كل متهاون في العمل ومخل بالقانون…بقلم د . عبد اللطيف سيفيا

الفصل – 2 –
بقية الحديث…إلا أن المغاربة ملكا وشعبا ، فطنوا إلى اللعبة القذرة التي أقدمت عليها الدولة الاستعمارية وأهدافها الخبيثة الكامنة وراء سياستها في التفرقة والانفراد بالسلطة والقرار ، حتى يتسنى لها استنزاف خيرات البلاد بكل أريحية والشعب على رأسه الطير.الأمر الذي لم يدم طويلا ليعبر المغاربة عن استيقاظ بركان الحمية والكرامة والاعتزاز بالوطنية الصادقة فيهم والتعبير عن رفضهم لكل أشكال الاستعباد والاضطهاد والاستصغار ، ليثوروا ثورة رجل واحد في وجه المستعمر الذي لم يجد بدا من الاستسلام أمام غضب الشعب الذي قام ليدافع بشراسة عن كرامته واستقلال وطنه .
وهكذا استطاع المغاربة أن يحاربوا فساد الاحتلال ويتولوا شؤون تسيير بلادهم ، لكن يبدو أن المثل القائل”إن والدك قد سقط في الطريق ، ليرد الابن بأن أباه خرج من المنزل مائلا ” .
هذا ما حدث لنا نحن المغاربة الذين سعدنا بحصولنا على استقلال بلادنا المشكوك فيه ، لأن تبعيتنا لازالت عمياء لدولة فرنسا التي يبدو أن وصايتها علينا لازالت تضرب في أعماق مؤسساتنا السياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها من المجالات التي يسيرها أشخاص تلقوا تعليمهم وتكوينهم على النمط الفرنسي ليبقوا أوفياء لصاحبة الأفضال عليهم ، والذين اكتفوا فقط بتنفيذ تعاليمها و لم يستطيعوا الإبداع في عملهم وخلق إطار جديد يتماشى مع روح مؤسسات البلاد وجوهرها وتطلعاتها ، ليسيطر التأرجح والتذبذب بين هذا وذاك وتنتهج الارتجالية وتعم الاتكالية على القياسات الجاهزة المستوردة، ويضيع كل شيء في هوة مظلمة فاصلة بين ما هو مسطر في مجلدات لا تغدو محتوياتها أن تتجاوز دفتي هذه التحف التي تكتفي بالقبوع على رفوف الواجهات ، وبين ما هو واقع مشوه بعيد عما هو منشود ومطلوب.
وكل هذا يصب فيما لا يحمد عقباه، ليحول كل مجال إلى فضاء خصب للتأويلات والمضاربات والمزايدات فتنتعش الخروقات وتضرب الأخماس في الأسداس ويستغل الوضع كل من يهوى الصيد في الماء العكر ، ويتفشى الريع بلا حدود أو قيود ليمتد إلى الاقتصاد والسياسة ثم إلى الصناعة ثم إلى التربية وكل القطاعات الحيوية الفاعلة والحساسة لنصبح وكأننا في سوق للخردوات تتضارب فيها الأسعار وتثار فيها كل وسائل التغليط والابتزاز دون خضوع للضبط والمراقبة .
وهكذا ينتعش الفساد ويتقوى في ظل جشع المستثمرين ويستباح الممنوع وتضفى عليه صفة المشروعية مثلما حدث في العديد من المواقف المسؤولة اللامسؤولة مثل ما حدث في عملية النجاح أيام الفاسي الفهري ”حزب الاستقلال” على سبيل المثال لا الحصر ،وتحرير سوق المحروقات والأسعار ، في عهد حكومة العدالة والتنمية التي لازالت مترامية على عروش الحكومة ، كذاك الحاضر الغائب ،والمستيقظ النائم ، وكأن على رأسها الفيل…عفوا وكأن على رأسها الطير . باستثناء لسانها السليط الذي أطلق عنانه كالسهام المسمومة في اتجاه المواطنين ليصفهم بأحقر الأوصاف ويخصهم بنبرة التهديدات لدرجة أنك تحسب نفسك وسط أجمة للنساء داخل حمام بلدي يتبادلن فيه السب والشتم في انتظار العراك المصحوب بالتوكويك والرمي بالسطول … كل هذا لا لشيء إلا لأنهم ”المواطنين الله يحسن اعوانهم”قالوا ”أح” واشتكوا من آلام النيران المشتعلة في الأسعار التي قهرت المواطنين ونسفت قدرتهم الشرائية منذ زمن طويل ، لم يترك لهم فيه ولو حيز ضئيل لاستجماع الأنفاس ، وعندما قاموا ليعبروا عن سخطهم على الوضع المؤلم ورفضهم لشتى الخروقات التي ضربت بأطنابها في جل الميادين ، إن لم نقل كلها ، واعتمادهم لطريقة حضارية رائدة قل نظيرها ، بل يمكن اعتبارها حصرية بالنسبة للمغاربة والشعوب العربية…، ألا وهي ظاهرة المقاطعة التي شملت ثلاثة من المنتوجات الوطنية المتمثلة في محروقات إفريقيا ، ومشروبات سيدي علي والحليب ومشتقاته من إنتاج سنطرال دانون،ومثيلاتها كثر ، باعتبارها نماذج من المنتوجات والسلع التي ضربت أسعارها أرقاما قياسية في الغلاء والربح الطائل ،مما يعتبر فسادا اقتصاديا يرخي خيوط شباكه العنكبوثية على القدرة الشرائية للمواطنين وينهك قدرتهم الشرائية ويعمق هوة المشاكل الاجتماعية التي يتخبط فيها المواطن الفقير على الخصوص .ألا يعتبر هذا فسادا من ذوي القربى والذي هو أشد مضادة؟؟؟ بل إنه الفساد الأكبر الذي لا فساد بعده إلا الهدم والانهيار ، والذي قد يأتي على الحب والتبن واليابس والأخضر على السواء… فمهما فدست فرنسا في البلاد واضطهد العباد وفعلت ما فعلت فينا ، فإنها تبقى دائما عاملا أجنبيا كمن يخرج إلى الصيد وكل همه الرجوع إلى أهله وعشيرته سالما غانما …لكن من يقومون بنهب أموال البلاد وابتزاز إخوانهن المغاربة بشتى الطرق وبلا رحمة أو رأفة ، ألا يعتبرون ممن يمارسون الفساد الأكبر ؟؟؟…وللحديث بقية.

About Abdellatif saifia 4743 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن