الاتحاد الاشتراكي ومسألة الديمقراطية والحكامة: قراءة في أشغال المجلس الوطني. الجزء الأول

جريدة النشرة : د. محمد إنفي

لقد شكلت الدورة العادية للمجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (29 شتنبر 2018) محطة هامة في مسار هذا الحزب، نظرا، من جهة، لعمق التحليل ووضوح الرؤية وقوة الخطاب السياسي الذي ميز عرض الأخ الكاتب الأول، الأستاذ إدريس لشكر؛ ونظرا، من جهة أخرى، لقوة بيان المجلس الوطني الذي عكس عمق وشمولية عرض المكتب السياسي وكذا جدية وعمق النقاش الذي دار بين أعضاء المجلس في هذه الدورة(أنظر”الدلالات السياسية للبيان الصادر عن المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، ذ.عبد الحق عندليب، جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، 8 أكتوبر 2018).
ومما يدل على أهمية هذه الدورة (“دورة لافتة في ظرف استثنائي”، كما قال السفير محمد الاخصاصي، جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، يوم 10 أكتوبر 2018، أو “دورة الثقة والأمل”، كما وصفها فتح الله رمضاني، بنفس الجريدة يوم 9 أكتوبر 2018) ويبرز قيمتها السياسية والتنظيمية، كما يضفي عليها طابع الاستثناء رغم أنها عادية، هو كونها أضحت موضوعا لعدة قراءات تقييمية، قام بها بعض مثقفي المجلس الوطني، في مقالات تحليلية رصينة. وقد تناولوا فيها- اعتمادا على ما جاء في العرض الهام للكاتب الأول وبيان المجلس الوطني وكذا الظرفية السياسية والاجتماعية التي التأم فيها هذا الجهاز التقريري للحزب- جوانب مختلفة ومتنوعة، فرضت نفسها لأهميتها وراهنيتها، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا…
وحتى لا تكون قراءتي تكرارا باهتا لما سبق للإخوة أن أفاضوا فيه بعمق وأجادوا فيه شكلا ومضمونا، كل حسب الزاوية التي انطلق منها، سوف أقصر مساهمتي المتواضعة في نقطة، أرى أنها ذات أهمية بالغة وذات بعد آني وإستراتيجي، ليس بالنسبة للاتحاد الاشتراكي فقط؛ بل بالنسبة للدولة أيضا(وللبلاد برمتها)، خاصة فيما يتصل بالمشروع التنموي الجديد المنتظر؛ ويتعلق الأمر بالديمقراطية والحكامة.
لقد دعا بيان المجلس الوطني، في النقطة التاسعة منه، إلى “التفعيل الديمقراطي والجدي للمبادئ الواردة في الدستور، بخصوص الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطوير آليات وخدمات المرفق العام، ويؤكد على ضرورة المراجعة الجذرية للمنظومة الانتخابية، ونهج إصلاحات سياسية عميقة من أجل ضمان تمثيلية حقيقية في كل الهيئات المنتخبة، للقطع مع الأنظمة الزبونية والريعية، التي شوهت العملية الديمقراطية، تارة بطرق الرشوة المباشرة وتارة بالرشوة المغلفة بالإحسان، وهي نماذج لم تنتج سوى ضعف أو غياب الكفاءة والتسيب واللامسؤولية، مما انعكس سلبا على أداء العديد من الهيئات المنتخبة.”
وتعكس هذه الفقرة، ذات المضمون البرنامجي المُكثَّف، انشغال برلمان الاتحاد الاشتراكي بتفعيل الدستور، “بخصوص الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة”، نظرا لأهمية هذه المبادئ في مجال جودة التدبير والتسيير؛ كما تعكس انشغاله العميق بالتمثيل الحقيقي في كل الهيئات والمؤسسات المنتخبة؛ مما جعله يجدد الدعوة لمراجعة المنظومة الانتخابية مراجعة جذرية من أجل القطع مع كل ما يشوه العملية الديمقراطية، من قبيل الرشوة الانتخابية (سواء منها المباشرة أو المغلفة بالإحسان)؛ خاصة وأن الواقع الحالي يبين، وبالملموس، مدى ضعف أداء العديد من الهيئات المنتخبة، إما لغياب الكفاءة وإما لانعدام المسؤولية؛ ناهيك عن “اللهطة” المُعبِّرة والدالة التي يكشف عنها بعض المنتخبين بهذه المناسبة أو تلك (ما يحدث، مثلا، في الحفل الذي يقام على هامش افتتاح دورة البرلمان في أكتوبر).
ويعتمد الاتحاد الاشتراكي، في تحليلاته ومقترحاته ومطالبه الإصلاحية، على شعار “التحليل الملموس للواقع الملموس” الذي ليس “في الحقيقة سوى مقدمة لمعادلة، يقوم طرفها الثاني على صياغة ما يقتضيه ‘الواقع الملموس’ من حلول إجرائية لمأزومية الوضع، موضوع التحليل”(محمد الاخصاصي، المرجع السابق). وبمعنى آخر، فالاتحاد الاشتراكي، كقوة اقتراحية، لا يقف عند التشخيص، بل يساهم في اقتراح الحلول للخروج من الوضع المأزوم الذي ترزح تحت وطأته بلادنا، خاصة على المستوى الاجتماعي.
ولا يهدف الاتحاد الاشتراكي، من وراء مطالبه السياسية الإصلاحية ومقترحاته الإجرائية، إلى تحقيق مصالح حزبية آنية ضيقة؛ بل هدفه الأساسي والأسمى، كما كان دائما، منذ اختياره لإستراتيجية النضال الديمقراطي في مؤتمره الاستثنائي سنة 1975، هو الوصول إلى ديمقراطية تمثيلية حقيقية قائمة على قواعد سليمة وأسس متينة، وقادرة على خدمة الصالح العام، وليس المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة.
ورغم ما تعرض له المسلسل الديمقراطي ببلادنا من تشويه (أنظر “في شأن الوضع السياسي بالمغرب، ألسنا في حاجة إلى نوع آخر من الإنصاف والمصالحة ؟”، “الحوار المتمدن”، 22 شتنبر 2018) على يد الدولة في شخص وزارة الداخلية وأحزابها المصطنعة، فإن الاتحاد الاشتراكي، الواقف على أرضية نظرية صلبة والواثق في هويته الوطنية وهويته الإيديولوجية (الاشتراكية الديمقراطية)، لم يسقط في ردود الفعل ولم يقلب الطاولة ويرفع شعار “مالعبينش”، لإيمانه بأن الكرسي الفارغ لا يخدم إلا مصلحة أعداء الديمقراطية (أنصار الاستبداد وعُباد المصلحة الشخصية).

About Abdellatif saifia 4743 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن