الشعبوية من السياسة إلى الفن والثقافة

جريدة النشرة :  أبو المجد عبدالجليل

إن الفن والثقافة جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان وخبرته وتجربته. والفن والثقافة على تنوعها، هي وسيلة التعبير عن مشاعر الآمال والالم  الإنساني، وعبرهما تتبلور رسالة سامية غايتها إعلاء القيم الإنسانية النبيلة من حب وصدق وجمال.

والفن والثقافة مهما اختلفنا على مستواهما فهما قبل أن ْيكونا إبداعا وإنتاجا وإنجازا هما التزامالتزام بالمواصفات الفنية والمهنية للتعبير الجمالي وتوليد المشاعر، و أيضا التزام بالقيم والمواقف، والتي تتبعها الكثير من المسؤولية المجتمعية.

سأحاول أن أطرح بعض الأسئلة التي تساعد في فهم حقيقة من هو الفنان ومن هو المثقف؟ وكيف تسللتالشعبويةمن السياسة إلى الثقافة والفن في وقتنا الراهن؟  

في اللغة العربية الفنان هو صاحب الموهبة الفنية، كالشاعر والكاتب والمسرحي، والموسيقى والرسام والممثل، وهو مبالغة من فنَّ.

والفن هو تعبير عن الحياة بكل أبعادها ، وملكة التعبير في الإنسان هي الحياة ، ويتخذ هذا التعبير شتى الأنواع وشتى المستويات ابتداء من العمل اليدوي إلى أعلى المهارات الإبداعية. 

ومن أجمل أوصاف الفن الوصف البليغ الذي قدمه الرسام والنحات العالمي بابلو بيكاسو(1881-1973)، عندما قالالفن ليس الحقيقة. إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة“. وهكذا يتحول الفن من مجرد أداة للمتعة والتسلية وإسعاد المتلقي سواء كان عملا سينمائيا أو لوحة فنية، إلى أداة لتغيير الوجه القبيح للإنسانية.

أما المثقف فتعريفه كان ومازال وسيبقى ، من أكثر المفاهيم  تعقيدا والتباسا وجدلا، رغم تعاقب الثقافات والحضارات والتحولات العالمية المتسارعة.

ومن أشهر التعاريف التعريف المسمىبتعريف تايلور، نسبة  إلى  إدوارد تايلور (1832-1917 )، الأنثروبولوجي البريطاني،  الذي يلخص في  أن: “الثقافة هي ذلك الكل، المركب الذى يشتمل على المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعادات، وغيرها من القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع“.

وفي ما مضى من العقود ، كان كل من المثقف والفنان يقف على أرضية صلبة أو تكاد تكون. وكان المثقف والفنان مبدعا صادقا ومنسجما مع نفسه. فالثقافة ليست فقط تراكم معرفي، ولكنها كذلك قيم وسلوك يترجم روح هذه المعرفة، ويعبر عنها بسلوكيات وممارسات.

لكن في  السنوات الأخيرة، لاسيما بعد ما يسمى الربيع العربي والخريف السياسي ، تنامت روحشعبوية“(مبالغة في الشعبية) وتسلل الخطابالشعبوي  من السياسة إلى مختلف المجالات، و انتقلتالشعبويةإلى الثقافي والفني من خلال شبكة  التواصل الاجتماعي التي أسهمت في خلق فضاء تواصلي اجتماعي افتراضي، يتيح للممارسات الفنية  والثقافية أن تطفو على الساحة وأن تكون مادة للحوار والنقاش ولا سيما الشبابي، فكانت بحق بمثابة منابر ثقافية حرة، يطلق من خلالها الشباب إبداعاتهم الأدبية والفنية والثقافية.

والحقيقة أن تكنولوجيا التواصل هي سلاح ذو حدين ، فهو تخدم الثقافة والمعرفة من جهة. وتضر بها من جهة أخرى، حيث فتحت في السنوات الاخيرة ، الباب على مصراعيه أمام جميع الأفراد، وأصبح كل من هب ودب، يطلق على نفسه ألقابا مجانية مثال شاعر وأديب وفنان وغيره، ويتبجح أنه نخطى المليون متابع أو مشاهد، وأنه لمس سقف سماء الأدب والفن بيديه الاثنتين.  والهدف واحد حصد الاعجاب وتحقيق الأرباح المالية.

وفي ظل انعزال المثقفين والفنانين الحقيقيين، إما بسبب الخوف أو كره السياسة أو غيرها من الأسباب، أصبح الجميع كاتبا أو شاعرا أو فنانا فجأة، بل أصبحوا أمناء هذه الأمة،  يعبثون بدون ضمير أو وازع.

وأصبح تداول كلمة الفن والفنان مبتذلا في الإعلام المغربي، وتم تجريدها من سموها الإبداعي وبريقها السحري والقيم الجمالية التي يستمد منها الفنان الحقيقي رؤيته. وصارت صفة الفنان تطلق على كل من يمتهن بلا إبداع حرفة لها علاقه بالموسيقى والغناء والتمثيل والرقص والتهريج.

فشبكات التواصل الاجتماعي المنتشرة جمعت بين  الفنانين والمثقفين وأشباه الفنانين المثقفين،  بين من يبحث عن الشهرة بدون إبداع ولا أخلاقيات المهنة، وبين أصحاب الأقلام والقيم ، وهذه كارثة بكل المقاييس. 

وجدير بالذكر، أنالشعبويةالفنية والثقافية هي ظاهرة ذات طابع عالمي واسع الانتشار، خاصة مع انتشار التكنولوجيا التي سهلت صناعة الموسيقى والتصوير وفنون أخرى ، مما أدى إلى انتقال أعداد كبيرة من الهواة إلى عالم الشهرة عبر التطبيقات المتعددة، بل وحصدوا أموالا هائلة من عوائد المشاهدات الكبيرة، وهو ما أصبح الهدف الأول لتحقيق الربح والشهرة معا.

وهكذا، لم تعدالشعبويةحكرا على السياسية فقط ،بل تسربت هذه الآفة بشكل مدمر للجسد الفني والثقافي والإعلامي.

وعلى الرغم من استفحال الداء، يبقى الأمل في أفق المستقبل الآتي، والمطلوب استغلال  الفن والثقافة بشكل إيجابي للعمل على بناء مجتمع بشكل سليم، وذلك من خلال ترشيد استخدام التكنولوجيا المعاصرة كأداة تثقيف وبناء وتوعية لا كأدوات لعب وانزلاق في مهاوي الرذيلة والعبث.

About Abdellatif saifia 4211 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن