الجزائر بين تعدد الثروات المهدورة والمستنزفة .. وسوء تدبير النظام الحاكم

جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا

 

تعيش الشقيقة الجزائر منذ تعاقب الحكومات الأولى عليها إلى الآن بين مطرقة تعدد الثروات المهدورة  وسندان سوء تدبير النظام الحاكم للبلاد الذي يستنزف خيراتها، بحيث اعتمد الاقتصاد الجزائري بالأساس على الثروات النفطية والطاقية التي تمثل %60 من الميزانية العامة و%97 من حجم الصادرات ، مما يجعل الجزائر تحتل  المرتبة 15 عالميا في احتياطي النفط بما يقارب 45 مليون طن، والمرتبة 18 من حيث الإنتاج، و12 من حيث التصدير، كما تقوم بتكرير نصف موادها البترولية الخام.

وقد بلغت العائدات المالية النفطية  حوالي 60 مليار دولار، وفقا لتصريح مسؤوليها ، ما يجعلها من الدول الأساسية في منظمة أوبك.

بالإضافة إلى ذلك فالشقيقة الجزائر تملك أيضا ثروات مهمة من الغاز، حيث تحتل المرتبة 5 من حيث الإنتاج والمرتبة 3 في التصدير في العالم، بعائدات مالية تقدر بمليارات الدولارات.

ناهيك عما عزمت القيام به مؤخرا فيما يخص استغلال الغاز الصخري، الذي تحتل فيه المرتبة الثالثة عالميا في مخزون الاحتياط. 

وفي نفس السياق فإن أرض الجزائر  تجود أيضا بالثروات المعدنية، حيث تتوفر على كميات مهمة من الحديد والزنك والرصاص والرخام وأيضا معادن ثمينة مثل الذهب والماس واليورانيوم، بحيث تقوم شركة سونطراك الوطنية بإدارة الموارد النفطية والغازية، التي يتواجد معظمها بجنوب البلاد.

بالإضافة إلى أن لدى الجزائر  واجهة بحرية تطل على حوض البحر الأبيض المتوسط  يقدر طولها ب 998 كيلومترا ، كما أن ما نسبة %3 من أراضيها الشاسعة (2,381,741 كلم) هي صالحة للزراعة.

كل تلك الثروات الطاقية الهائلة التي تملكها الجزائر، جعلتها عملاقا بتروليا بمعنى الكلمة، إذا ما نظرنا إلى حجم الاحتياط والإنتاج والتصدير لهذه الموارد، لكن لسوء الحظ وسوء التسيير والتدبير ، فإن هذا الأمر لا يعكس بالضرورة مستوىً مقبولًا من التنمية والرفاه لبلد لديه ثروات بهذا الحجم، حيث لا تزال نسب الفقر والبطالة موغلة في المجتمع الجزائري وتزداد استفحالا ، الأمر الذي يجعل الجزائر دولة تجمع بين المتناقضات بامتياز ،  فهي دولة غنية بالثروات والموارد الاقتصادية والطبيعية التي يمكن أن تقودها إلى قائمة الدول الأكثر ثراء في العالم، إلا أن مؤشرات اقتصادها والأوضاع المعيشية لسكانها تنحدر نحو الأسوأ يومياً، في ظل إجراءات حكومية باهتة للخروج من عنق الزجاجة ، هذه الدولة العضوة في منظمة البلدان المصدرة للنفط “أوبك”، التي تعاني ، أي الجزائر ، منذ انهيار أسعار النفط في العام 2014، من أزمة مالية واقتصادية خانقة، فهي كانت تعتمد على الواردات النفطية والغازية بنسبة 60% من إنفاقها العام ، لتنعكس تلك لأزمة على الأوضاع المعيشية للجزائريين، حيث ارتفعت نسبة البطالة في البلاد العام الماضي إلى 12.3%، مقارنة بـ10.5% بالعام 2016، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة لتصل إلى 13.02% وبسبب هذه النسبة المرتفعة من البطالة وصل معدل الفقر في البلاد إلى 7%، بحسب الإحصاءات الرسمية، أو 20% وفق تقديرات خبراء اقتصاديين نشرتها صحيفة “الجزائر”، في سبتمبر 2012.  يتوقع تقرير للبنك الدولي ، اتساع رقعة الفقر في الجزائر ، ونزول 10% من الجزائريين تحت خط الفقر.

 وطبقاً لتقديرات البنك فإن كل فرد يقل دخله اليومي عن دولار ونصف دولار يعد من هذه الفئة (تحت خط الفقر)، ويبلغ عدد الجزائريين حالياً الذين يقل دخلهم اليومي عن 1.5 دولار خمسة ملايين شخص، من بين أكثر من 40 مليوناً هو عدد سكان البلاد.

وقد تنبأ التقرير بأن ينضم 4 ملايين آخرون إلى العدد الإجمالي، ما يعني أن ربع سكان الجزائر تقريباً سيعيشون تحت عتبة الفقر حتى العام الماضي ، كما أشار تقرير البنك العالمي إلى توقع انكماش نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد بالجزائر إلى مستوى سلبي؛ في حدود   6.0 في المائة يصل إلى

وإضافة إلى ارتفاع مستويات الفقر والبطالة لتلك النسب القياسية، فإن الأسعار ارتفعت في الجزائر لأرقام قياسية أيضاً، فقد تضمنت موازنة البلاد للعام الجاري رفع قيمة ضرائب حالية، وفرض ضرائب جديدة على بعض المنتجات المستوردة والمحلية، في محاولة لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن صادرات المشتقات النفطية.

ومع بدء تطبيق الموازنة ارتفعت أسعار الوقود بنسبة تقترب من 17%، في حين زادت أسعار اللحوم بنسبة 4.2%، وارتفعت أسعار الفاكهة إلى 20%.

كما تظهر معالم الأزمة جلية في جميع المؤشرات الاقتصادية للدولة؛ فالبنك الدولي توقع في تقريره للآفاق الاقتصادية للجزائر (أكتوبر 2017)، أن يتراجع معدل نمو اقتصاد الدولة بشدة.

وقدم صندوق النقد الدولي توقعات سوداء للاقتصاد الجزائري خلال العام الحالي، بتراجع نموه لـ0.8%، مقارنة بـ2% في 2017، و3% في 2016.

وذكر صندوق النقد، في تقريره حول آفاق الاقتصاد العالمي لسنة 2018، أن الاقتصاد الجزائري سيكون الأضعف من بين كل بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ وذلك بسبب الارتفاع في نسب البطالة في البلاد.

وإلى جانب ضعف توقعات نمو الاقتصاد الجزائري للسنة الجارية، فإن احتياطي النقد الأجنبي للبلاد هبط خلال 2017 بما يقارب الـ17 مليار دولار، ليصل إلى 97 مليار دولار؛ وذلك بسبب تراجع عائدات النفط التي تشكل 97% من مصادر العملة الأجنبية.

ولن يتوقف نزيف احتياطي النقد الأجنبي في الأعوام المقبلة؛ فقد توقعت وزارة المالية الجزائرية تراجع هذا الاحتياطي إلى 85.2 مليار دولار بنهاية العام الحالي، ثم 79.7 مليار دولار في 2019، وقرابة 76.2 مليار دولار أواخر 2020.

وسجلت احتياطيات النقد الأجنبي الجزائرية أعلى مستوياتها في 2013 بقيمة 194 مليار دولار، لكنها تراجعت تدريجياً بفعل انخفاض أسعار النفط الخام ، الأمر الذي أدى إلى تأثر الموازنة العامة للدولة الجزائرية  أيضاً بسبب هذه الأزمة الطاحنة، فارتفع توقع عجزها للعام الجاري إلى 2000 مليار دينار، أي ما يقارب 16.6 مليار دولار، مقارنة بـ20 مليار دولار العام الماضي.

وتتوقع الحكومة الجزائرية من خلال موازنة 2020 ارتفاع الإيرادات إلى نحو 6 آلاف و239 مليار دينار جزائري، أي ما يقارب نحو 52 مليار دولار، بالإضافة إلى زيادة الإيرادات النفطية بنسبة 2% مقارنة بـ2019.

كل تلك المؤشرات الاقتصادية السلبية كان يمكن أن تقفز إلى المنطقة الخضراء لو تم استغلال الموارد الطبيعية للدولة مبكراً وبطريقة معقلنة وصائبة ، فالجزائر غنية بالنفط والغاز، وتملك ثروات من الحديد والفوسفات والزنك والزئبق والرصاص والنحاس والذهب واليورانيوم، إضافة إلى إمكانية استغلال الطاقة الشمسية فيها لتوليد الكهرباء بطاقة عالية. كما أن البلاد غنية بالمياه والثروة الحيوانية والغطاء النباتي، وتنتشر الغابات فيها على مساحة 4 ملايين هكتار.

وفي بيانات أكثر دقة حول ثروات الجزائر، فإن احتياطاتها المؤكدة من مادة “الفوسفات” تبلغ نحو 3 مليارات طن، وتحتل البلاد المرتبة الخامسة عالمياً بين الدول المصدرة له، والعاشرة عالمياً من حيث الإنتاج.

ولا يتجاوز إنتاج الجزائر من الفوسفات حالياً 5 ملايين طن سنوياً، في حين تسعى لرفع هذا الرقم لـ10 ملايين0.

ثروات الجزائر 

وتملك الجزائر ثروة ضخمة أخرى من الحديد؛ فاحتياطات “غار جبيلات” (أكبر منجم للحديد بالعالم)، الواقع أقصى جنوب غربي البلاد، وحده من الحديد تصل إلى 1.7 مليار طن.

ورغم هذا الاحتياطي الضخم فإن الجزائر تستورد 5 ملايين طن من الحديد سنوياً، بقيمة 10 مليارات دولار، فاحتياجاتها من هذه المادة تبلغ 10 ملايين طن سنوياً، في حين تنتج 5 ملايين طن فقط.

كما تملك الجزائر احتياطياً واسعاً من اليورانيوم يصل إلى 30 ألف طن، إلا أنه لا يوجد أي استغلال حقيقي له.

الذهب أيضاً له موقع ضمن الكنوز الجزائرية، فاحتياطات البلاد المؤكدة من المعدن الثمين تبلغ 100 طن، ولكنها لا تنتج منه سوى 137 كغ سنوياً، حسب المعطيات الرسمية ، وتأمل أن يرتفع هذا الرقم إلى 286 كغ مع نهاية سنة 2018 وأكثر في السنوات التي تليها ..

أما الطاقة الشمسية، رغم توفرها بكثرة في الجزائر، فإن استغلالها ما زال في بداية الطريق، فقد صادقت حكومة البلاد، في 2016، على مخطط لإنتاج نحو 4000 ميغاواط من الكهرباء عن طريق الطاقة الشمسية، وذلك لتمكين البلاد من إنتاج 27% من طاقتها الكهربائية عبر طاقة الشمس، ما سيقلص من نفقاتها بهذا القطاع.

وتمتلك الجزائر ثروة كبيرة من الطاقة الشمسية، حيث تستفيد من ألفين إلى ثلاثة آلاف ساعة من إطلالة الشمس، مع وجود إمكانية إنتاج 2500 كيلوواط في كل متر مربع، وفقاً لتقديرات الكثير من الخبراء.

أما القدرات الشمسية الحرارية فإنها تمثل خزاناً معتبراً، حيث تعادل نسبة مضاعفة 10 مرات الاستهلاك الطاقوي على المستوى الدولي.

وبحسب أحدث الدراسات العالمية عن الطاقة الشمسية فإن الجزائر من بين أحسن ثلاثة حقول شمسية في العالم، حيث صُنفت الجزائر وإيران ومنطقة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر وأحسن حقول الطاقة الشمسية.

وإضافة إلى المعادن ومصادر الطاقة، فإن الجزائر تملك ثروة زراعية هائلة غير مستغلة، فمساحة أراضيها الصالحة للزراعة من إجمالي المساحة الكلية للبلاد تقدر بنحو 3.5%، أي ما يعادل 8.5 مليون هكتار، إلا أن أكثر من 3 ملايين هكتار من هذه الأراضي الفلاحية غير مستغلة، ما يشكل عائقاً أمام تنمية هذا القطاع.

وبسبب عدم الاستغلال الأمثل للأراضي الزراعية فإن القطاع الفلاحي في الجزائر يعاني عجزاً بنسبة 30% في مجال الإنتاج الزراعي، وتحديداً في جانب الحليب واللحوم الحمراء والحبوب، التي تستورد منها الجزائر سنوياً أكثر من 50% من احتياجاتها.

ومعلقاً على هذه البيانات يقول المحلل الاقتصادي وليد سيف: إن “الحكومات الجزائرية المتعاقبة اكتفت بعائدات البلاد من النفط والغاز التي كانت تشكل أكثر من 60% من إجمالي نفقاتها، وأهملت استغلال بقية الموارد الطبيعية فيها“.

ويضيف سيف لـ”الخليج أونلاين”: “لم تملك الجزائر بُعد نظر؛ فهي لم تتوقع أن تنهار أسعار النفط في العام 2014، ولذلك عندما وقعت الأزمة كانت أكبر المتضررين بين بقية الدول النفطية؛ فقد خسرت 70% من عائدات النفط والغاز التي كانت تشكل 97% من صادراتها ومن مصادر العملة الصعبة“.

ويشير إلى أن الجزائر تملك ثروات ضخمة لو تم استغلالها بشكل مثالي بشكل مبكر لما وقعت البلاد في هذه الأزمة.

ويقول: “على سبيل المثال فإن لدى الجزائر احتياطات مؤكدة من مادة الفوسفات تبلغ نحو 3 مليارات طن، تقدر قيمتها بترليون و80 مليار دولار، لكنها لا تنتج منها سوى 5 ملايين طن سنوياً، أي ما قيمته 1.8 مليار دولار فقط“.

وفي مثال آخر على عدم استغلال موارد البلاد يرى المختص الاقتصادي أن القدرات الشمسية الحرارية في الجزائر تعادل 10 أضعاف استهلاك العالم من الطاقة الكهربائية، في حين أن حكومة البلاد بدأت بمشروع واحد في 2016 لإنتاج نحو 4000 ميغاواط من الكهرباء لتغطية 27% من احتياجاتها فقط.

ووفق سيف، فإن الحكومة الجزائرية بدأت بعد الأزمة الاقتصادية الحالية، في محاولات يائسة، استغلال موارد الدولة عبر رفع إنتاجها من المعادن كالذهب والحديد والفوسفات وغيرها، ووضع خطط لتنمية القطاع الزراعي.

ويُتوقع أن تحقق الجزائر نجاحات، في حال استغلت مواردها بالشكل الأمثل، تمكنها من تجاوز أزمتها، لكن يعتقد أن ذلك النجاح سيكون على المديين المتوسط والطويل.

ومن جانب آخر يرى المحلل الاقتصادي، أحمد مصبح، أن “بيئة الاستثمار في الجزائر تعاني من غياب الإصلاحات الاقتصادية الحقيقية، فالبلاد لا يتوفر فيها تنوع اقتصادي؛ لأن النفط والغاز يسيطران على 97% من عائدات التصدير، والاستثمارات الأجنبية تتركز بشكل أساسي على قطاعات النفط فقط“.

ويقول مصبح لـ”الخليج أونلاين”: “لا تزال البيئة الاستثمارية بالجزائر تواجه بعض القيود في التوسع الاقتصادي والاستثماري، على الرغم من محاولات الحكومة لتعزيزها من خلال منح إعفاء ضريبي للمستثمرين الأجانب“.

وتشمل القيود، بحسب المختص بالشأن الاقتصادي، عقبات تنظيمية وقانونية ولوجستية؛ من أهمها إجبار المستثمر الأجنبي على أن يكون لديه شريك محلي بنسبة 51٪ من استثماراته، إضافة إلى بطء إصدار التصاريح بالاستثمار، والإجراءات البيروقراطية الحكومية، والطلب المفرط للعديد من الوثائق الخاصة بالملف الاستثماري.

وتتضمن عقبات الاستثمار في الجزائر أيضاً ما تعانيه بيئة الأعمال هناك من غموض وتعقيد قانوني وتجاري، إلى جانب ما تفرضه الحكومة من قيود على بدء إجراءات العمل؛ فعلى سبيل المثال لا يسمح للمستثمر الأجنبي بتحويل أرباحه بسهولة بسبب الإجراءات الحكومية التي تتطلب وقتاً طويلاً.

ويعتقد مصبح أن صانعي السياسة في الجزائر بحاجة إلى تركيز جهودهم واهتمامهم بالأنشطة والنهج المبتكرة التي ستحسن قدرة بلادهم على استقطاب الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير.

كل هذا يصب في الوضع المزري الذي تعيشه الجزائر وشعبها الذي يعاني الويلات بسبب سوء تدبير الحكام الذين يزيدون من تازيم الوضع يوما بعد يوم وسنة بعد سنة وولاية بعد ولاية مما جعل الجزائر تعود إلى الوراء ويعيش مواطنوها الفقر والحاجة الماسة لجميع مقومات الحياة في بلد يحتوي على ثروات طبيعية كبيرة وكثيرة بإمكانها أن تجعل هذا البلد في مصاف البلدان الغنية والمتقدمة لينعم شعبها بالخيرات التي انعم الله عليها بها ، الأمر الذي يؤكد فساد الحكام وتورطهم الكبير والكامل في استنزاف ثروات البلاد . 

 

About Abdellatif saifia 4689 Articles
الدكتور عبد اللطيف سيفيا

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن