إسبانيا والإسبان بعيون مغربية

0

جريدة النشرة :  د. الشريف الرطيطبي / طنجة

 

 

كانت أول زيارة لي قمت بها لإسبانيا في صيف سنة 2000 ، دون احتساب زيارتي الأولى لسبتة سنة 1983 يوم كنا نؤدي “واجب مغادرة التراب الوطني” وقدره 100 درهم!. وقد اكتشفت آنذاك أن الفرق شاسع بين التراب المغربي ونظيره الاسباني، سواء في سبتة المحتلة أو في بقية المدن التي زرتها، من حيث تنظيم المجال والنظام العام، والنظافة، وتعامل الناس فيما بينهم. وقارنت كيف أن هؤلاء الذين كنا ننعتهم فيما سبق بلقب “بورقعة” ، كناية عن فقرهم وتخلفهم، أصبحوا لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية نموذجا يحتذى به في الديموقراطية وحقوق الإنسان والحرية والرفاهية..
ورغم أن إسبانيا أصبحت ملتقى عالميا لمختلف السياح، بفضل بنية الاستقبال وسلاسة التنقل عبر مختلف وسائل النقل ووفرة المتاجر والمعارض التجارية والمهرجانات السياحية والثقافية خلال فصل الصيف، وتهيئة المعالم والآثار التي يأتي إليها السياح من مختلف بقاع العالم، ومن بينها معالم الحضارة العربية الإسلامية في مختلف جهات إسبانيا، فإن الإسبان تعلموا كيف يخفون مشاعرهم تجاه العرب عامة والمغاربة خاصة، رغم أن ما كان يفضحهم هو تعصبهم للغة الإسبانية من جهة والتعامل مع العرب بنوع من الاستعلاء واستصغارهم وإطلاق لقب “المورو” عليهم واضطهاد المهاجرين منهم. وفي الوقت الذي كانوا يرفعون شعار الحرية وحقوق الإنسان ويحاربون الانفصال في بلدهم ضد حركات “بلاد الباسك” و”إقليم كطالونيا” ، فإنهم في المقابل كانوا يعملون بكل ما أوتوا من قوة لدعم “الانفصاليين الصحراويين” الذين كانوا يفتحون في وجوههم مآوي الشباب حيث ينظمون أسابيع ثقافية وتضامنية مع “الشعب الصحراوي”. وهم بذلك كانوا يجسدون أعلى درجات النفاق تجاه المغرب الذي لم يعاملهم قط بالمثل!
وفي حديث مع مجموعة من المعلمات والمعلمين الصحراويين بمأوى الشباب بقرطبة، والذين جاؤوا لتعلم اللغة الاسبانية، خضت صحبة صديق لي نقاشا حول موضوع “الصحراء بين المغرب وبين جبهة الانفصال”، وكان التاريخ بالنسبة لي مصدرا مهما للحجج الدامغة على أحقية المغرب في استرجاع صحراءه.. وقد اقتنع العديد منهم بطرح الفعل الوحدوي ولو على مضض. وفي المقابل حصلت لدينا قناعة أنهم شباب مغرر بهم حين أسر لنا أحدهم أنه يتمنى الالتحاق بالمغرب لولا أنه مراقب وزملاؤه من طرف المخابرات الجزائرية والاسبانية، وقد رفض أخذ صورة تذكارية معنا بقوله: هل تريدون أن يتم تعليقي بعد العودة إلى تندوف!

هذه نماذج من لعبة الوجه والقناع التي كانت مملكة اسبانيا تلعبها مع المملكة المغربية. وهذه الأخيرة تمسكت بالصبر والأناة، وانتظرت الظرف المناسب لتميط القناع وتظهر الوجه الحقيقي لجيراننا الشماليين الذين يجمعنا معهم في نفس الآن تاريخ حافل من التفاهم وتلاقح الحضارات ومن التقاتل وسفك الدماء. وقد أصبحنا اليوم- مغاربة وإسبان-أمام تحديات دولية جديدة لا مناص من التعاون لتجاوزها والتغلب عليها، وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بعد طي آخر صفحات الاستعمار والاستغلال.

واذا كان حكام الجزائر الشقيقة يغردون خارج السرب، فإنهم يحفرون قبرهم بأيديهم وأيدي المغاربة، بعد مسلسل سحب البساط من تحت أرجلهم بدءا من اعتراف أمريكا، مرورا بألمانيا ووصولا إلى إسبانيا؛ والدور آت على باقي الدول الأوربية بعد الاجماع شبه التام من طرف الدول العربية ووقوفها إلى جانب المغرب في حقه في استكمال وحدته الترابية.
ويبقى التاريخ من صنع الأقوياء، ولا عزاء للضعفاء والجبناء!

Leave A Reply

Your email address will not be published.