التطبيع مع الفساد أكثر خطورة من كل أنواع التطبيع الأخرى ، بما فيها التطبيع مع إسرائيل .. الجزء الثالث

0

جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا

بقية الحديث … لكن الجشع يبقى سيد الموقف ، بحيث ترى بعض الجهات ، أنظمة أو شعوبا أو أمما أو غيرها من مؤسسات وهيآت  مختلفة ، تبعا للمتحكمين فيها ، أنها لا تستطيع الخوض في السلم الإقليمي والدولي إلا تبعا لأجندات خلقت من أجلها وإديولوجيات متشبعة بأفكارها ، إلا حسبما يرويه عليها أصحاب الفضل عليها من أصحاب القرار الحقيقيين الذين يرسمون لها خارطة الطريق التي يجب أن تسير على نهجها بكل حذافر جزئياتها الميكروسكوبية ، بحيث ينطبق على هذه المؤسسات المسيرة المثل القائل “من أين ذاك الجرو ، من ذاك الكلب الغادر الذي لا يؤتمن فيه بالفطرة “ الامر الذي يقطع على طول الازمنة والحقب حبل التواصل البناء والثقة والصدق في المعاملات ، والذي رمزنا سابقا إلى بعض ما سجله تاريخ الدول والعلاقات الدولية في عجالة ، لاننا لو قمنا بعد المزيد من الأحداث والمواقف المماثلة والخسيسة في هذا المجال ، لما استطعنا حصرها وحصر مناولاتها اللئيمة ومدى الخبث الذي تنطوي عليه .

فالدول العربية عامة أصبحت تؤمن ، حسبما استقته من تجارب السلف والخلف ، بأن السياسة لعبة يقتضي الاعتماد فيها على استراتيجية عمل ودبلوماسية تكرس واقعها وتضمن حقها وتحفظ كرامتها وتؤكد أحقيتها بثرواتها واحترام سيادتها الجغرافية وأنظمتها والاعتراف باستقلاليتها المجالية والتفاعلبة  والتعامل معها بالند ودون عنصرية ، بحيث تريد أن تحظى بمكانة محترمة كدولة فاعلة  بين الدول دون مركب نقص ، وتعطى لها الفرصة السانحة للتعبير عن رأيها والقيام بدورها في المجتمع الدولي والإقليمي .

كما أن هذه المواقف قد نراها أحيانا مكبوتة وتروج في الكواليس منتظرة الفرصة لتطفو على السطح ، في حين نجد بعض الدول قد أخذت البادرة في الإفصاح عن رأيها وموقفها الواضح والصارم أمام العلن كالمملكة المغربية الشريفة على لسان ملكها الشاب محمد السادس حين فاجأ الدول التي تستخدم مع المغرب ما يسمى بالدارجة المحلية ب “ الطنز العكري “ وبالعربية الفصحى “ الضحك على الدقون “ حين قال في خطابه حول موقف بعض الدول من قضية الصحراء المغربية ، القضية المغربية المصيرية والفاصلة ، بقوله أنه لا داعي للمساومة في صحرائنا  …المغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها … وقال أيضا أن المغرب ينظر إلى العالم من خلال نظارة ملف الصحراء … وأن الصداقة مع المغرب تمر عبر الصحراء …وأن المغرب لا يتفاوض على صحرائه … مما جنب المغرب فعلا عمليات الكولسة والنفاق السياسي الذي لم نعد نتيقه ، بحيث كانت مواقف المغرب التي جاءت على لسان ملكه الصادق جريئة وواضحة وضوح الشمس خلال يوم صافية سماؤه ولا غبار على مضمونه الذي أخرج الفئران المنافقة من جحورها وتم فضحها أما العلن ، كفرنسا الاستعمارية متعددة الأوجه الملطخة بغائط أجدادها الذي كان يملأ شوارع عاصمتها باريس التي كانت تزكم الأنوف ، والمواقف المخزية التي سقطت ولا زالت تسقط في مجاري الصرف الصحي بسبب مواقفها الغامضة وتصريحاتها الكاذبة وتصرفاتها التمويهية ، فما كان على المغرب إلا التعبير عن عدم رضاه بموقفها الخالي من المروءة والحنكة السياسية المطلوبة في بلد يدعي الديمقراطية المزعومة كفرنسا هذه ، فتم طرد سفيرتها من المغرب وعبر عن عدم رغبته في استمرارية العلاقات الديبلوماسية مع بلد ليست له مبادئ أو قيم تجعله يحترم المملكة المغربية الشريفة ويحترم خصوصياتها وثوابتها واستقلالها والدفاع عن ترابها وحقها في استرجاع صحرائها المغتصبة ، لأنها ، أي فرنسا ،  تنظر إلى الأمور  بعين استعمارية حاقدة .

ثم جاء دور  المملكة العربية السعودية أيضا و التي خرج ولي عهدها محمد بن سلمان بصريح العبارة وواضح الموقف والقرار في اتخاذ بلاده بزمام الامور في عدة مواقف ، لان المملكة لم تعد قاصرا ، ومنها عدم الخضوع لإملاءات وقرارات البيت الأبيض فيما يخص كمية إنتاج البترول وتسعيرته التي تروم منه واشنطن تخفيف العبء عليها وخلق متنفس لاقتصادها الذي أصبح يعاني منذ انطلاق الحرب الروسية الأوكرانية ، هذه الحرب التي أتت على الأخضر واليابس فشملت تبعاتها كل الدول الغربية وخاصة الأوروبية التي أصبحت تستجدي العديد من المواد الحيوية جراء ما فرضته روسيا عليها من حصار اقتصادي يتمثل في قطع كل قنوات مدها بالغاز والبترول والحبوب ، في الوقت الذي كانت هذه الدول هي السباقة إلى نهج حصار قاس على روسيا لتجعلها ترضخ لأوامرها ، لكن يبدو أن السحر قد انقلب على الساحر ، كما أن هذا الموقف قد يخرج عفريت الشرق الاوسط من القمقم وتعلن عصيانها على الغرب عامة وتتخذ مكان المؤيد لعدو البيت الابيض والعواصم الاوروبية فتلقنها درسا لن تنساه أبدا ، خاصة وأن بعض الدول المتشدقة بتقدمها وحضارتها وصناعاتها واقتصادها وفضلها على العالم وزعامتها له كفرنسا مثلا ، قد دخلت نهاية الأسبوع الأخير في أزمة خانقة فيما يخص نقص حاد في مادة البنزين ، وبعد انطلاقها في استهلاك مخزونها من هذه المادة التي تعتبر عصب العديد من اساسيات الصناعة والاقتصاد والتقل ، بحيث شوهدت طوابير من السيارات والعربات بشتى أصنافها ، وهي ترغب في التزود بهذه المادة الحيوية من محطات الوقود وهي تنتظر دورها لمسافات طويلة لم يشهدها تاريخ فرنسا على الإطلاق ، ناهيك عما يتوعد به بوتين بجعل أوروبا تعيش أتعس فصل شتاء ، نظرا لنقص مخزونها من الغاز المستعمل في عدة مجالات حيوية ومصيرية كالطبخ والتدفئة والصناعة ومما سيحيل حياة الفرنسيين إلى جحيم لا يطاق ويتسبب في إشعال ثورة عارمة على الحكام والمسؤولين وبث الفتنة بين المواطنين ، كما أن هذا لن يتوقف عند دولة فرنسا فقط ، بل سيعم جل بلاد أوروبا ، إن لم نقل كلها ، بدت بوادر ذلك في احتجاجات عارمة عرفتها نهاية الأسبوع الفارط شوارع عدة عواصم أوروبية ، مما ينبئ بسنة جديدة مليئة بالمفاجآت غير السارة لبلدان القارة العجوزوحتى نعود إلى أمورنا ومشاكلنا الخاصة نحن معشر العرب فأن العلاقات بين معظم الدول الخليجية وإسرائيل ليست جديدة تماما أو متجانسة، لكنّ التغيّرات في الديناميات الإقليمية منحَ بعض دول مجلس التعاون الخليجي ضرورة استراتيجية جديدة تقضي بالتقرّب من خصمتها السابقة. بالتالي، ابتعد المحور السعودي الإماراتي عن سياسة العالم العربي القائمة منذ زمن والقاضية بوضع فلسطين في الأولوية بحثاً عن تحالف مع إسرائيل، مدفوعاً بعدد من التهديدات الإقليمية والحاجة إلى إبقاء الولايات المتّحدة منخرطة في أمنه. وفيما اعتبرت هذه الدول التطبيع قيمة أكثر منها عبئاً في هذه المرحلة من الزمن، لا تخلو العلاقة المفتوحة من مخاطر وتكاليف قد تصبح ظاهرة أكثر مع مرور الوقت… وللحديث بقية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.