العلاقات المغربية – الفرنسية تعيش على وقع توتر غير مسبوق

0

تعيش العلاقات المغربية – الفرنسية على وقع توتر يكاد يكون غير مسبوق منذ نيل الاستقلال، لكن المسؤولين الفرنسيين يحاولون في كل مرة، الإيحاء بأن هذا التوتر ليس بالدرجة التي يصورها الإعلام.

تصريحات هؤلاء المسؤولين قلما تخلو كذلك من التركيز على أن الأمور تسير على ما يرام على المستوى الاقتصادي بين البلدين متناسين أن هذا البعد، رغم أهميته، لايمثل سوى جزء من منظومة كاملة، تنبني عليها الشراكات بين الدول.

كما أن تركيز المسؤولين الفرنسيين على البعد الاقتصادي والتجاري، ليس مستغربا بالنظر إلى الإرث الاستعماري الثقيل لهذا البلد الذي يختزل علاقاته مع الدول التي استعمرها سابقا في الهيمنة على مفاصل اقتصادياتها، ولاغرابة أن تنتفض شعوب هذه الدول حاليا سواء في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

الظفر بمشاريع البنيات التحتية، الهيمنة المالية والبنكية، التدبير المفوض وغيرها من القطاعات الأخرى من قبيل الحليب، هذا كل ما يهم فرنسا الحريصة على مصالحها وشركاتها ومن دون مقابل، سواء على مستوى جودة الإنشاء أو الخدمات أو حتى نقل الخبرة والتكنولوجيا.

في 2015، يتذكر الجميع الاحتجاجات التي شهدتها مدينة طنجة والتي كادت أن تتحول إلى انتفاضة شعبية. السبب في ذلك “أمانديس” الشركة الفرنسية المفوضة بتدبير توزيع الماء والكهرباء، التي أقدمت على رفع أسعار فواتير الماء والكهرباء إلى مستويات لم تعهدها ساكنة مدينة البوغاز،وهو الأمر الذي تكرر قبل ذلك بعدد من المدن.

في هذا الإطار كذلك، تكفي زيارة واحدة لمقر شركة “ليديك” بشارع غاندي بالدار البيضاء، لمعاينة حجم معاناة البيضاويين مع هذه الشركة، كما يبدو ذلك من خلال طوابير المشتكين الطويلة التي تنتظر طويلا للبت في شكاياتها حول ارتفاع الفوترة أو قطع الماء والكهرباء أو تسرب أو قطع خدمات التزويد حتى من دون إشعار، وذلك في ضرب صارخ للقيم التي يرددها هذا البلد.

فرنسا ظلت كذلك عقود مهيمنة عن طريق مؤسساتها العمومية وشركاتها الخاصة على العديد من القطاعات الصناعية والخدماتية مستفيدة من وضعها كشريك اقتصادي أول للمغرب، على مستويات الاستثمار والقطاع المالية والتأمين والصناعات الغذائية، وكذلك على مستوى مشاريع البنية التحتية، من قبيل القطاع فائق السرعة، ترامواي الدار البيضاء والرباط، وغيره من الأوراش الأخرى.

يأتي ذلك في الوقت الذي تشير الإحصائيات إلى أنه توجد بالمغرب حاليا نحو 1000 مقاولة فرنسية تشغل حوالي 130 ألف شخص، وهو ما يجعل من فرنسا تستحوذ على 30 في المائة من الاستثمارات الأجنبية بالمغرب. كما أنه حتى في الجهة المقابلة، يظل المغرب أول مستثمر من القارة الإفريقية بفرنسا، حيث يهمين على نسبة 20 في المائة من هذه الاستثمارات.وحتى التمويلات التي تمنحها الوكالة الفرنسية، ومهما تم تجميلها، تبقى قروضا مقابل فوائد، بل إن فرنسا أرادت الركوب على مأساة الزلزال الذي ضرب المغرب مؤخرا، في محاولة لتلميع صورتها، وبعد ذلك الظفر بعقود إعادة الإعمار.

لكن هذا التغلغل كان حاضرا دائما في وعي المغرب إذ منذ نيل الاستقلال عملت المملكة على التحرر من هذه الهيمنة.

البداية كانت مع حكومة عبد الله إبراهيم في ظل المغفور له الملك محمد الخامس، حيث قامت بعدة خطوات في هذا الاتجاه من قبيل إنشاء بنك المغرب وشركة تكرير البترول. كما أنه على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، أقدم المغرب على مغربة القطاعات الاقتصادية.

الخروج من قبضة الشركات الفرنسية، يتواصل الآن عن طريق الفاعلين الاقتصاديين المغاربة. كما تجلى ذلك مؤخرا في عدة قطاعات.من الأمثلة على ذلك، تخلص مصرف المغرب التابع للقرض الفلاحي الفرنسي من التبعية للمؤسسات الفرنسية، بعدما استحوذت مجموعة “هولماركوم” المملوكة لعائلة بنصالح على ثلاث أربع أسهم هذه المؤسسة.

هذه الخطوات الاستباقية جعلت وضع المغرب أفضل بكثير من العديد من الدول الإفريقية التي مازالت تابعة نقديا وماليا واقتصاديا لفرنسا، لكن الأمر يختلف بالنسبة للمملكة التي تمتلك هامشا مهما يجعلها ترفع الورقة الحمراء عندما تمس علاقاتها مع فرنسا بمصالحها العليا.

الشيء ذاته بالنسبة لشركة “سنترال دانون” التي كانت موضوع مقاطعة شعبية قبل سنوات، حيث أعلنت هذه الشركة المهيمنة على قطاع الحليب ومشتقاته عن بيع أسهمها والانسحاب من السوق المغربية.

وحتى على مستوى التدبير المفوض، الذي تعض عليه الشركات الفرنسية بالنواجذ يسير نحو نهايته، حيث تسير الأمور نحو إحداث شركات جهوية متعددة الخدمات لتوزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، مما يعني أن حزم شركة التدبير المفوض الفرنسية بكل من الدار البيضاء والرباط وطنجة وتطوان يتعين لحقائبها هي مسألة سنوات قليلة.

ويأتي ذلك كله، في الوقت الذي أصبح المغرب تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، قويا بفضل قيام المغرب تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس بتوسيع وسيع الشراكات دول وازنة من قبيل الولايات المتحدة الأمريكية والصين وبريطانيا وروسيا وألمانيا وتركيا، هذا دون الحديث عن الشراكات المتكافئة التي بناها المغرب مع القارة الإفريقية.

هذا الوضع الجديد الذي باتت تتمتع المملكة، جعلها تنتفض ضد فرنسا المنزعجة إلى حد كبير من قدرة المغرب على تنويع شراكاته وقدرته على تكريس نموذج فريد في التعاون تحت شعار “رابح- رابح” مع دول إفريقيا.

بالتزامن مع هذه التطورات، سلكت فرنسا سياسة الابتزاز على المغرب، من خلال اللعب على ورقة الصحراء المغربية وكذلك على ورقة التأشيرات، لكن حكام الإيليزيه يجهلون أو يتجاهلون أن المغرب حسم موقفه بشكل واضح. الصحراء المغربية هي النظارة التي ينظر بها المغرب إلى علاقاته الديبلوماسية كما أكد جلالة الملك محمد السادس.

Leave A Reply

Your email address will not be published.