إعادة تقييم التطبيع في ضوء حرب غزة

0

جريدة النشرة : ذ. نور الدين زاوش

 

 

لم يعد من عاقل فوق الأرض يشكك في الوحشية المفرطة للدولة الإسرائيلية وفي جرائمها البشعة المتخطية كل حدود والمتجاوزة كل معقول، والتي لا تفرق بين مدني ومسلح، أو بين رجل وامرأة، أو بين طفل وشيخ؛  بل قصفت حتى الإعلاميين العُزّل وسيارات الإسعاف والمستشفيات التي تعج بالجرحى والمعطوبين، ولم يسلم من بطشها وحقدها الدفين حتى الأطفال الخُدَّج.

إلا أن هذه الوحشية غير المسبوقة لا تتحمل وزرها إسرائيل وحدها؛ بل تتحملها أغلب دول العالم التي تدعمها بالمال والعتاد والسلاح، وتساندها بالدعم السياسي والإعلامي واللوجستيكي والعسكري المكشوف، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها؛ مما يظهر الوجه الحقيقي والمفزع للغرب، والذي لا يكل من إعطاء دروس الديمقراطية وحقوق الإنسان للدول العربية والإسلامية.

إننا للأسف الشديد، لا نعيش في المدينة الفاضلة التي رسمها الفارابي؛ بل نعيش في عالم لا وجود لمصطلح “الإنسانية” في قاموسه؛ عالمٌ موبوء بالشر والخبث والكراهية والإرهاب؛ في هذا الوضع الدولي الممسوخ، أخلاقيا وسياسيا وفكريا وإنسانيا، من الطبيعي أن تقيم الدول علاقاتها وفق ميزان القوى الدولي والعالمي؛ وليس وفق معاني الفضيلة التي تزخر بها قواميس الشعر الجاهلي ومنتديات الأدب.

لقد بينت حرب غزة، بما لا يدع مجالا للشك أو الجدال، بأن الغرب وأمريكا وإسرائيل إنما هم وجه واحد قبيح لعملة واحدة نتنة؛ بل إن العالم قد يختلف في كل شيء إلا في حماية إسرائيل وفي أحقيتها في “الوجود” وفي “الدفاع عن نفسها”؛ حتى أصبحت من يوحد العالم الغربي بأسره على قلب رجل واحد، وصارت لها اليد الطولى في العلاقات الدولية، إلى درجة أن بعض رؤساء أمريكا صرحوا أكثر من مرة على أنه حتى لو لم تكن إسرائيل موجودة لاخترعناها؛ مما يدل على أن قرار الدول في إدراج علاقات طبيعية معها لا يشكل أدنى غبش أو حرج لهذه الدول؛ عدا أولئك المزايدين المتنطعين الذي يلعبون على حبال العاطفة الجارفة التي تتميز بها الشعوب العربية والإسلامية.

إن معركة “طوفان الأقصى” أكبر شاهد على أن إسرائيل طرف محوري وأساسي في العلاقات الدولية وفي ميزان القوى العالمي، من خلال ما تأكد من حجم المساندة العالمية العمياء والرعناء وغير المشروطة التي تلقَّتها وما تزال، كما بينت المعركة بأن القطيعة معها قطيعة مع العالم الغربي الذي يتحكم في مسار كوكب الأرض، كما أنه سيؤدي لا محالة إلى التواري للخلف بعيدا عن مصاف الدول الطامحة في التقدم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي؛ هذا ما يفسر موقف “أردوغان” من عدم قطعه للعلاقات مع إسرائيل؛ رغم كل الإجرام الذي ترتكبه في حق الشعب الفلسطيني الأعزل لأكثر من شهرين.

في ظل ما سبق، يتضح جليا، أكثر من أي وقت مضى، أن موقف المملكة المغربية الشريفة من التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب والمحتل، والذي يتقاطر وحشية وحقدا وجبنا ودناءة؛ لم يكن أبدا موقفا متسرعا أو غير محسوب العواقب؛ بل كان موقفا في غاية الحكمة والرزانة والتعقل، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

Leave A Reply

Your email address will not be published.