التربية والتعليم رسالة شريفة ومسؤولية حساسة وتحديات كبيرة لتعزيز قدرات المتعلمين

0

جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا

 

 

بقية الحديث … التعددية والتغير والتطور هي سنة الكون ، وحده الله واحد ودائم وقادر على كل شيء ، وغيره متعدد ، والأحادية تساوي التخلف ، أما التعددية فتساوي التطور ، والكون والوجود يساوي التناقض بين الأحادية والتعددية والتخلف والتقدم .

ويعتبر الكائن البشري “الانسان” محورا لهذا الكون وهو خليفة الله في الأرض .

لهذا فإنه يلعب دور الأساس في الحفاظ على وجوده ومحيطه وترتيب عيشه بما يضمن له حسن المقام ويسر الظروف واستمرارية نسله لينعم بالاستمتاع بالحياة.

لكن ليضمن كل ذلك ، لابد من توفر كل الظروف المواتية لتحقيق التطلعات وبلوغ الأهداف كحسن التصرف والتعايش مع المحيط والبيئة وتطوير الذات …

والتغير والتطور هو سنة الكون ، فكل الحروب التي نشأت في التاريخ هي حروب بين الأحادية والتعددية والتخلف والتقدم ، مما جعل هناك اختلافا ولو حتى في جانب واحد منهما ، الامر الذي يوجب تقبل هذا الاختلاف ثقافة وفكرا و… و… و… وممارسته بغير حمية أو عصبية أو خلفية مقصودة أو غير مقصودة ، مع تجاوز كل الخلافات والاصطدامات والمعيقات التي من شانها أن تخلق شرخا بين الاطراف وتوسع هوة الاختلاف في التواصل والتعايش والتعاون بينها ، بل العكس ، فمادام الانسان مخلوقا اجتماعيا بطبعه ، لابد أن يتقبل الآخر كمكون ضروري للتفاعل معه في هذا المجتمع دون تمييز في النوع أو الجنس أو الانتماء … او إقصاء ممنهج أو غير ممنهج ، وذلك بالعمل على تهييء كل الظروف لخلق فرد جماعي قابل للانفتاح والتواصل والحوار والتعايش والتعامل والتكامل ، دون أي إحساس بالنقص او الاستعلاء والانغلاق والتعصب … بل يجب أن يكون منفتحا على الغير في إطار الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية ، متجاوزا كل الصعوبات والعراقيل مستوعبا لموقفه ومسؤوليته ، قادرا على الإقناع والاقتناع والتشارك الفكري والثقافي والعلمي والعملي الإيجابي والفعال ، مؤمنا بضرورة الاختلاف الصحي والطبيعي المفروض بقوة الطبيعة والمكتسب حسب الظروف المختلفة والمتنوعة ، وترويضه وتهذيبه ليصبح قابلا لخلق نقط التلاقي وأجواء التعايش والتساكن وفرص التعاون والتكامل ، في مجتمع تعددي جمعي يصب في دائرة المصلحة العامة والمشتركة التي سخرنا الله جميعا لاتباعها وتكريس مبادئها ومفاهيمها في قوله تعالى :            ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”

وهكذا ينطبق الامر على جميع المجالات والميادين الحياتية ومنها التعليمية والتربوية ، فإن كان العلم نور المرء في كل المطالب ، فهذا يوجب علينا تربية أبنائنا وفتياتنا وتعليمهم وتنشئتهم على الانفتاح والأخلاق السليمة لبناء مجتمع سليم مبني على طبائع الخير والأسس القوية والمثينة ، فالأمم ترفع مقامها وقدرها بالعلم والمعرفة ، لما لهما من آثار عديدة في نهضة الحياة ورقيها وتقدمها وازدهارها ، بحيث جاء قول الله تعالى مؤكدا على دور العلم في حياة الإنسان حين أنزل سبحانه أول سورة على رسوله الكريم ” العلق ” حين قال له جبريل عليه السلام في أول كلمة منها ومن الوحي المبارك يخاطبه بها قائلا ” اقرأ ” مما يؤكد دور العلم والتربية والتعليم في حياة الانسان .
كما انتقيت لكم من بين العديد من الأمثلة التي هي شاهد قوي على دور التربية والتعليم في حياة الإنسان وتقدم الأمم وازدهارها ، ما جاء في قصيدة شعرية للشاعر العربي المصري حافظ إبراهيم حين قال :

 

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها     أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

 

 

وكذلك للشاعر العربي المصري محمد الهراوي حين قال :

ربوا بنيكم علموهم هذبوا              فتياتكم والعلم خير قوام
والعلم مال المعدومين إذا هموا      خرجوا إلى الدنيا بغير حطام
وأخو الجهالة في الحياة كأنه         ساع إلى حرب بغير حسام
والجهل يخفض أمة ويذلها             والعلم يرفعها أجل مقام
انظر إلى الأقوام كيف سمت بهم    تلك العلوم إلى المحل السامي

وهكذا فإن العلم والتربية هما رسالة شريفة ورفيعة المستوى يجب حسن استعمالها والاعتماد عليها في تهذيب سلوك الأطفال وتكوين شخصياتهم وإصلاح المجتمع والرفع من قيمة الإنسان وخدمة الصالح العام وتوعية الأمم .

ولهذا فإن كل جهودنا لإعداد أشخاص قادرين على تحمل المسؤولية وحمل شعلة الاستمرارية في السير نحو مجتمع أفضل ، يجب أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار في تربية الناشئة منذ نعومة أظافرهم ورعايتهم أحسن دون إغفال لأي من الجوانب أو التقصير في حقهم أدنى تقصير ، لأن الأمر شديد الحساسية والأهمية بمكان.

 

وقد توصل علماء الجينات إلى نتيجة مذهلة تدخل في تكوين جينات الإنسان وتجعله حسب رأي علماء النفس ينقسم إلى ثلاثة اصناف من الشخصيات : الشخصية البصرية والشخصية السمعية والشخصية الحسية ، وكل شخصية لها مميزاتها ومواصفاتها الخاصة بها .

فمثلا الشخصية البصرية تتميز بالتعلق بالريادة في كل شيء وتعتمد عادة على الجانب البصري في كل أمورها وتتصف بالدقة في العمل إلى درجة التفصيل الممل والحدة في المواقف والتشبت بها والتسرع في إصدار القراررات دون تقبل آراء غيرها بحيث لا يمكن إقناعها إلا بالجانب البصري أي بما يتضح لها أمام عينيها وتعتمد في دراستها وتخزين معلوماتها ومكتسباتها على ما تراه وتنظر إليه مباشرة ، ولكن على مستوى السلوك تجده يتميز بحدة المواقف وقوة الشخصية .

أما عن الشخصية السمعية فهي تتميز بقلة الكلام وتكتفي بالاعتماد على السماع والاستماع ولديها قدرة فائقة على الاصغاء والاستماع دون مقاطعة تتحدث بكل روية وقراراتها مبنية على التحليل والتدقيق للأوضاع ولهم قدرة كبيرة على تجميع المعلومات كما يتسمون بالحذر والابتعاد عن المجازفة والمخاطرة.

أما الشخصية الحسية فهي ينصب اهتمامها على العواطف لذلك قراراتها مبنية على المشاعر والعواطف المستنبطة من التجربة مما يجعل منها شخصية عملية وحساسة بقوة كبيرة .

وكل هذه الامور يجب اتخاذها بكل اعتبار للتمكن من الوصول إلى كل شخصية دون أخرى والتعامل معها بما لها من مميزات واستغلال هذه المميزات في تكوين شخصية مندمجة ومنفتحة على باقي الحالات مشتركة معها بتوافق وتقاسم للأفكار والأدوار في مجتمع قابل للاختلاف بغرض التكامل والتعاون .

 

وفي إطار ما تم التطرق إليه منذ قليل بخصوص التغير والتطور الذي يطرأ على مجريات الزمن والعصور من أحداث ومعطيات ، فإن على مستوى عصر الاتصال والتكنولوجيا قد ظهرت العديد من التحديات على على جل الاصعدة ، إن لم نقل كلها ، ومنها وما يهمنا في هذه المحاضرة ، على مستوى العملية التعليمية التعلمية.
وقد أصبح المتعلم ينظر إلى العملية التعليمية كعقاب بدون ذنب!.
فهو في المنزل يعيش القرن الواحد والعشرين بكل تفاصيله مع انتشار الوسائل والوسائط التكنولوجيا في كل طبقات المجتمع، بينما يعيش داخل المدرسة كل ما يعود به الى القرن التاسع عشر!.
فلزيادة وتعزيز قدرات المتعلم علينا تطوير العملية التعلمية بما يناسب تلاميذ القرن الواحد والعشرين وهنا أقترح ستة أسس رئيسية:
1. التعلم عملية اكتشاف وليست استهلاكا.
كنا دائما نعيب التدريس التلقيني ونقول عليه استراتيجية ”كب وصب“ فنحن نصبُ المعلومات في رأس الطفل تم نطلب منه كبها يوم الاختبار!.. باتباع نظرية “بضاعتنا ردت إلينا”
لكننا نفعل نفس الشيء اليوم ولكن بوسائل حديثة على مستوى المظهر لكن بنفس الحمولة والعقلية.
فالتعلم الحديث هو تعلم بكامل الجسد حيث الجسد يحتوي ”عقلا كبيرا“ يمكن التلاميذ من التفاعل الايجابي مع المعرفة.
2. التعلم التعاوني: التعلم القديم كان يقوم على عدة أسس من أهمها المنافسة الشرسة بين التلاميذ لكن الواقع علمنا أن مساوئ المنافسة غير المنضبطة أكبر من منافعها سواء على مستوى العملية التعليمية ككل وعلى المستوى النفسي بشكل خاص.
لذلك فالتعلم التعاوني يجعل حجرة القسم تضم مجتمعا تعلميا متفاعلا ومتعاونا. وكما نقول دائما: ” القرين لقرينه ألقن “ مما يؤكد أهمية اعتماد التعلم بالقرين
3. الصورة أبلغ: التعلم الحديث يركز على التعلم البصري بشكل كبير لما له من منافع على مستوى تعلمات التلاميذ وكما يقول الصينيون: ” الصورة بألف كلمة.“
4. التعلم العملي: التطبيق العملي للتعلم هو السبيل الوحيد لتحويل المعلومات إلى معارف شخصية، يسميها البعض باستراتيجية ” اليد في العجين “
فالتعلم ليس رياضة نشاهدها بل هي رياضة نمارسها.
5. المشاعر الإيجابية داعمة لعملية التعلم بينما المشاعر السلبية كابحة لعملية التعلم.
البيئة الإيجابية من أهم أسس زيادة وتعزيز قدرات التلاميذ على التعلم والمشاركة الفعالة.
6. التعلم يحدث في مستويات متعددة في نفس الوقت، ولهذا يجب أن يكون التعلم مندمجا ومرتبطا ودا سياق يمكن التلميذ من التعلم على عدة مستويات ضمن نفس الموقف.
فالبرنامج التعليمي يجب أن يكون مائدة مفتوحة ومتنوعة وليس طبقا موحدا يقدم لجميع المتعلمين على حد سواء.

وفي الأخير ، التعلم الحديث يعتمد فلسفة متكاملة تربط الحياة بعملية التعلم؛ لأنه يعيد الطابع الإنساني لهذه الأخيرة، باعتبار أن المتعلم يستطيع من خلال هذا النوع من التعلم ممارسة تعلماته بشكل مطابق للحياة اليومية العادية. فيزيد من قدرته على التعلم فالإنسان الذي يتعامل مع التعلم كنمط حياة يتحول من وعاء يجب ملؤه إلى نار تنتظر من يوقدها؛ فيتحول التعلم من عملية تلقين وصقل إلى متعة وتغذية للعقل و الروح.

ولإنجاح عمليتي التربية والتعليم ، لابد من الاهتمام بفن التعامل مع كل هذه الشخصيات كل على حدة دون إغفال أي منها سواء الشخصية الحادة او المتكلمة أو الإدارية او القيادية او المغلقة أو المنفعلة أو الحوارية او الحساسة اتباعا لقاعدة اختلاف الشخصيات بحيث يختلف أسلوب التعامل باختلاف الشخصيات وتجنب أي نوع من المعيقات التي قد تساهم أو تكون سببا في اي تعثر للعملية التعليمية والتربوية .ويمكن استغلال صفات الطفل الكامنة فيه وجعلها تصب في مصلحته وتقوية شخصيته إذام أعير اهتماما كبيرا من طرف الأبوين والمدرسين بحكمة ورجاحة عقل وصبر وترو  وأعطيت له الفرصة للتفكير والتعبير والأجراة باستغلال بعض هذه الصفات التي يضيق البعض منها وخاصة الطفل العنيد وكثير الاسئلة وكثير الكلام كثير الحركة وفضولي يريد استكشاف كل شيء وله خيال واسع ، الامر الذي يجب أن نحمد الله تعالى على كل ذلك مما يمكن أن يخلق منه شخصية قوية وموهوبة مشكلا لقيمة إضافية وإيجابية في المجتمع الكبير والصغير … كما يجب حسبما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ، محاربة الأحادية المعتمدة على المجتمع المغلق ، والعمل على اعتماد التعددية والجمعية ، حين قال تعالى في ذلك ”

 “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ”  ..الروم{22} .. صدق الله العظيم ” … وللحديث بقية.

 

المصادر :

القرآن الكريم : سورة العلق وسورة الحجرات وسورة الروم

د. محمد شحرور ” الاسلام برؤية معاصرة ”

ذ. عبد الخالق نتيج ” مقال صحفي تحت عنوان ” تعزيز قدرات المتعلم ”

منتديات ذ. محمد ريان التعليمية ” قصيدة للشاعر المصري محمد الهراوي “

Leave A Reply

Your email address will not be published.