![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … إذا كان كسوف الشمس ظاهرة طبيعيية تستحق كل الاهتمام والتقدير والتعظيم للذات الإلاهية وقدرتها وعظمة الخالق في خلقه وصفاته ، فإنه سبحانه وتعالى أجاز للإنسان التمعن في ما يكتنف الكون من غموض ، وسمح له بالبحث في أسراره بقوله تعالى في سورة الرحمان الآية 33 ” يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا ” في خطاب كله تحدٍّ إلهي يقصد به عجز الخلائق عن الهرب من أمر الله، وقدره، وحسابه يوم القيامة.
لكن العجب كل العجب هو أن يتحدى هذا المخلوق الضعيف لخالقه ويركب جماح عناده وعصيانه بإقدامه على الخروج عن طاعة خالقه باتباع ما قد نهاه عنه من أعمال وتصرفات لا تليق به كمخلوق جعله الله خليفة له في الارض ، ففضل العصيان والتعنت والسير في طريق الضلال ، مما جعلنا نلامس من خلال ممارسته لحياته اليومية خروقات عملية واخلاقية يمكن أن نصفها بظاهرة «الكسوف الأخلاقي»، وأعتقد أن الظاهرة هي مستوردة عن الغرب في إطار الانفتاح على ثقافتهم ، لكن لابد من التمييز بين الانفتاح الثقافي من جهة، وتسليع القيم وتحويل التفاهة والإثارة إلى صناعة مربحة من جهة أخرى ، كما أن دول تلقي يكون لها التواطؤ الكبير في السماح بانتشار هذا النوع من الثقافة الرديئة والمتعفنة بين فئات المجتمع كبارا وصغارا ، ذكورا وإناثا …
فالمشكلة في رأيي ليست في أن تستورد الدول العربية أفلاماً أو موسيقى أو أزياء أو أفكاراً من الخارج؛ فالتبادل الثقافي قد يكون إيجابياً جداً. وإنما المشكلة تبدأ عندما تصبح الأكثر إثارة والأكثر ابتذالاً والأقل قيمة هي الأكثر حضوراً وانتشاراً، بينما يتراجع العلم والثقافة والفكر والإبداع الجاد.
وهناك بالفعل ما يدعم القلق من حجم تأثير الإعلام الرقمي ، بحيث أن دراسة حديثة شملت 536 طالباً جامعياً في الإمارات والسعودية ومصر وجدت أن 68% منهم أفادوا باستخدام وسائل التواصل لأكثر من 60 ساعة أسبوعياً، مع إدراك نسبة كبيرة منهم لمشكلة ضعف المصداقية والمخاطر المرتبطة بها.
كما تشير أبحاث أخرى إلى أن وسائل التواصل أصبحت تؤثر في تشكيل الوعي والقيم والاتجاهات الثقافية لدى الشباب العربي، وإن كان تأثيرها ليس آلياً أو حتمياً.
لكن هناك نقطة أخطر من ّاستيراد الفساد” وهي أن المجتمع نفسه قد يتحول إلى مستهلك ومروّج لهذا المحتوى.
فالخوارزميات لا تسأل هل هذا المحتوى نبيل؟ هل يرفع مستوى الإنسان؟
بل تسأل عملياً هل سيجذب المشاهد؟ هل سيبقيه وقتاً أطول؟ هل سيحصل على مشاهدات وإعلانات؟
وهنا تحدث المفارقة ، التفاهة ، المشاهدة ، الشهرة ، المال ، ثم مزيد من التفاهة.
وقد أظهرت دراسات عن الشباب العربي أن وسائل الإعلام الرقمية أصبحت جزءاً أساسياً من تشكيل الهوية الشخصية؛ ففي مسح للشباب العربي، اعتبر 71% أن الملف الشخصي على وسائل التواصل أصبح من خصائص الهوية الشخصية المعاصرة.
أما «التمويه» فهو أخطر
لأن المشكلة لا تكون دائماً في العري أو الإيحاء الجنسي الصريح، وإنما أحياناً في تغيير تعريف ما هو طبيعي ومقبول اجتماعياً بالتدريج.
فما كان مستهجناً بالأمس يصبح “موضة” ثم يصبح “حرية شخصية” ويعتبر تحضرا وتقدما ، ثم يتحول إلى مادة ترفيهية، ثم يصبح من ينتقده هو “المتخلف” ، وهذه عملية ثقافية طويلة تأتي درجات وليست حدثاً واحداً.
لكن يجب الحذر من الوقوع في تعميم يقول إن كل ما يأتي من الغرب فساد أو إن كل ما هو عربي أصيل صالح. الغرب أنتج أيضاً العلوم والفلسفة والفنون والآداب والقوانين والمؤسسات، مما يستدعي اتباع القولة الشهيرة “كلوا الثمار وارموا العود للنار” كما أن المجتمعات العربية ليست بريئة كل البراءة من عدد من التصرفات النشاز والغريبة التي تخرج عن نطاق المألوف والمتعارف عليه داخل المجتمع المغربي والعربي والإسلامي كالخروج عن الآداب العامة ،مثل التحدث بصوت مرتفع جداً في الأماكن الهادئة (كالمكتبات أو المستشفيات) ، خرق القواعد الاجتماعية كعدم احترام الطوابير، أو مقاطعة الآخرين أثناء حديثهم بشكل مستمر ، اللباس غير المناسب ، كارتداء ملابس لا تليق بطبيعة المكان أو المناسبة ، مثل حضور عزاء بملابس احتفالية فاقعة أو الخروج عن حدود احترام المقام كالثرثرة والقهقهة رفع لدرجة الازعاج ، إهمال الذوق العام تكإلقاء القمامة في الشارع، أو التلفظ بكلمات بذيئة وسط العامة ، ردود الفعل المبالغ فيها مثل الصراخ أو الغضب العارم لأسباب تافهة لا تستدعي ذلك.
بل يمكن اعتبار هذه المجتمعات العربية والإسلامية هي نفسها تعاني من الفساد والنفاق والاستغلال والتفاهة دون الحاجة إلى استيرادها ، كما أن أخطر أنواع الفساد الأخلاقي قد يكون محلي الصنع ، وأرى أن المسؤولية تقع على أربعة أطراف
1. الدولة:
حين تمنح صناعة الترفيه والإعلانات والمنصات الرقمية مساحة واسعة دون وضع معايير واضحة لحماية الأطفال والشباب والقيم العامة، فإنها تتحمل جزءاً من المسؤولية.
2. الإعلام:
الإعلام الذي يجعل الشهرة أهم من القيمة، ويستضيف صاحب المحتوى المثير لأنه يجلب المشاهدات، يساهم في صناعة الظاهرة.
3. الأسرة والمدرسة:
لا يمكن مواجهة تأثير الهاتف والمنصات بمجرد المنع. المطلوب بناء إنسان يستطيع أن يقول: هذا المحتوى موجود، لكنني لا أحتاج إلى تقليده.
4. الجمهور نفسه:
وهذه نقطة غالباً ما نغفلها. عندما يتوقف الناس عن مشاهدة المحتوى الرديء، تتغير السوق تلقائياً.
ولهذا أعتقد أن الحل ليس في إغلاق الأبواب أمام العالم، وإنما في بناء مناعة ثقافية وأخلاقية تجعل المجتمع قادراً على اختيار ما يأخذ وما يرفض.
فالهدف ليس أن يعيش الشاب العربي خلف جدار ثقافي مغلق، وإنما أن يكون قادراً على مشاهدة العالم كله وأن يكون قادرا على اختيار المناسب له من الأفكار والثقافات الأخرى دون أن ينصهر فيها ويفقد هويته وعقله وكرامته.
ويمكن اختصار المسألة في عبارة واحدة هي أن المشكلة ليست أن العالم أصبح أكثر انفتاحاً؛ المشكلة عندما يصبح الانفتاح بلا بوصلة، والحرية بلا مسؤولية، والشهرة بلا قيمة، والربح فوق الإنسان.
وهذا، في نظري، هو المعنى الأعمق لما أسميته “الكسوف الأخلاقي”. والأمثلة في ذلك كثيرة ومتعددة مثل حساب “حمزة مون بيبي” و”موليينيكس” …. وآخرها ما أقدمت عليه المؤثرة “كلامور” التي تعمدت كشف جزء حميم من جسدها أمام جمهور واسع بهدف الإثارة أو جلب المشاهدات، مما جعل ذلك يدخل بوضوح في الظاهرة التي كنا نتحدث عنها، من زاوية تحويل الجسد والإثارة إلى وسيلة لصناعة الشهرة وجذب الانتباه.
والنقاش هنا ينبغي ألا يتحول إلى التشهير بالشخص نفسه، بل إلى مساءلة الظاهرة ، عن طريق طرح عدة أسئلة مثل لماذا أصبح كشف الجسد والإثارة وسيلة فعالة للحصول على المشاهدات؟ لماذا تتحول بعض المنصات إلى مكافأة المحتوى الأكثر إثارة، لا الأكثر قيمة؟ أين تقع مسؤولية المؤثر، والمنصة، والإعلانات، والأسرة، والمجتمع؟ وهل أصبح معيار النجاح هو عدد المشاهدات حتى ولو كان المحتوى يهبط بالذوق العام؟
وفي المقابل، من المهم عدم إطلاق حكم عام بأن كل ظهور جريء أو كل لباس غير مألوف هو بالضرورة “فساد أخلاقي”. السياق والقصد وطبيعة المحتوى عوامل أساسية.
وتوجد بالفعل روايات صحفية أكثر تفصيلاً تقول إن البث المباشر تضمن ظهوراً لجهازها التناسلي، مع ورود رواية مقابلة من مصادر مقربة منها بأنها كانت ترتدي لباساً للبحر وأنها اعتبرت الصورة نتيجة للذكاء الاصطناعي، قبل أن تعتذر لاحقاً. وهذه التفاصيل تحديداً ينبغي التعامل معها باعتبارها معطيات متداولة وليست حكماً قضائياً نهائياً.
وهنا تصبح القضية أكبر من “فضيحة مؤثرة”.
وفي سياق الحديث عن الكسوف الأخلاقي والتفاهة الرقمية، أرى أن صور الوقائع التي اصبحت تكتسي جرأة كبيرة في مجال الاخلاق ، ونفس الشيء بالنسبة لمجالات أخرى متعددة كالتجارة والاقتصاد وغيرهما والتي سنعمل على تخصيص مادة إعلامية في شأنها مستقبلا ، فإن الأحداث والوقائع الأخلاقية قد تعددت وتكاثرت وشملها التفريخ على وسائل الاتصال الاجتماعي وربما على غيرها التي تقيس الواقع ، بل أصبحت جلها ، إن لم نقل كلها ، تساهم في نشرها بحدة منقطعة النظير ، وآخرها واقعة “المؤثرة كلامور” هذه الواقعة تقدم مثالاً صارخاً على سؤال يستحق النقاش وهو
إلى أين يمكن أن تصل الرغبة في جذب الانتباه عندما تصبح المشاهدات والشهرة مصدراً للقيمة الاجتماعية والدخل؟
هناك فرق كبير بين أن يرتدي الإنسان لباساً معيناً أو يعيش حياته الخاصة، وبين أن يتحول كشف الجسد أو الإثارة إلى محتوى مقصود يوجه إلى جمهور واسع عبر الإنترنت.
والأخطر أن وسائل التواصل تستطيع تحويل واقعة فردية خلال ساعات إلى ظاهرة جماهيرية؛ فكلما كان المحتوى أكثر إثارة للجدل، زادت إعادة نشره والتعليق عليه، وبالتالي قد يحصل صاحبه على انتشار أكبر حتى من خلال المنتقدين له.
أما من الناحية القانونية، فلا ينبغي القول إنها «أُدينت» أو إنها «ستُعاقب» قبل انتهاء البحث وصدور قرار قضائي. المصادر التي تحققت منها تتحدث حالياً عن اشتباه وبحث قضائي تحت إشراف النيابة العامة .
وبالتالي، يمكن تناول الواقعة صحفياً باعتبارها قضية تتعلق بحدود المحتوى الرقمي والحياء العام ومسؤولية المؤثرين، لا باعتبارها مجرد مادة للتشهير بالشخص المعني.
وفي رأيي، السؤال الأهم الذي تطرحه هذه القضية هو: *هل أصبح المجتمع المغربي أمام حاجة إلى مراجعة مفهوم «المؤثر» نفسه، بحيث لا تُقاس قيمة الشخص بعدد المتابعين والمشاهدات، وإنما بما يضيفه إلى المجتمع؟… وللحديث بقية …













