![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … أطلق البنك الدولي والمغرب في يوليوز 2026 إطار شراكة يمتد لعشر سنوات (2026–2035)، وتبلغ القدرة التمويلية المستهدفة في إطار هذه الشراكة نحو 15 مليار دولار، وهي ليست قرضاً واحداً بقيمة 1500 مليار سنتيم يُسلَّم للمغرب دفعة واحدة.
ماذا تعني 1500 مليار سنتيم؟
1500 مليار سنتيم تساوي 15 مليار درهم، أي ما يقارب 1.5 مليار دولار ، حسب سعر الصرف التقريبي.
والخلط المنتشر في بعض المنشورات هو أن 15 مليار دولار على عشر سنوات تعني 1.5 مليار دولار سنوياً، أي حوالي 1500 مليار سنتيم سنوياً. لكن هذا لا يعني أن البنك الدولي التزم بإقراض المغرب 1500 مليار سنتيم كل سنة بصورة آلية.
بل إن التمويلات تُقرَّر مشروعاً بمشروع وبرنامجاً ببرنامج.
وهذه أمثلة فعلية خلال 2026 على ذلك: 500 مليون دولار في أبريل لدعم التشغيل والنمو الأخضر ، 650 مليون دولار في يونيو لبرنامجين يتعلقان بالتحول الرقمي والصمود المالي والمناخي ، ثم 265 مليون دولار لمشروع التخزين الكهرومائي «إفحصة» لدعم الطاقات المتجددة.
لكن الأهم هو طرح السؤال التالي هل هذا يعني أن المغرب غارق في الديون؟
ليس بالضرورة ، فالقرض الدولي هو دين يجب تسديده، ولذلك من المشروع جداً مساءلة الحكومة حول حجم الاقتراض وكلفة الفوائد ومردودية المشاريع . لكن وصف مبلغ الشراكة كله بأنه «قرض جديد قدره 15 مليار دولار» سيكون تبسيطاً مضللاً.
والبنك الدولي نفسه ما زال يعتبر الاقتصاد المغربي ذا أسس اقتصادية كلية متينة، رغم تحذيره من مخاطر الجفاف وارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ بعض الشركاء الأوروبيين.
فالخبر المتداول عن 1500 مليار سنتيم ليس مختلقاً تماماً، لكنه غالباً يخلط بين رقم التمويل المحتمل في إطار شراكة عشرية وبين قرض سنوي مضمون. الرقم الرسمي الأبرز هو 15 مليار دولار كقدرة تمويلية مستهدفة على مدى عشر سنوات، وليس شيكاً سنوياً بقيمة 1500 مليار سنتيم.
لكن ما هي شروط هذه القروض؟ ومن سيدفعها فعلياً؟ وهل يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع الضرائب والأسعار أو المساس بالقدرة الشرائية للمغاربة؟
فبصفة عامة وجود تمويلات بمليارات الدولارات لا يعني تلقائياً أن المواطن سيشعر بها في حياته اليومية. وبعد مراجعة وثائق البنك الدولي نفسها، الصورة أكثر دقة من عبارة «المغرب حصل على 1500 مليار سنتيم».
أولاً: أين يكمن الالتباس؟
الوثيقة الجديدة للبنك الدولي الخاصة بالمغرب للفترة 2026–2035 هي إطار شراكة لعشر سنوات، وليست شيكاً بقيمة 15 مليار دولار يُسلَّم للمغرب دفعة واحدة. وهي تحدد مجالات تدخل البنك وتمويلاته المحتملة، على أساس برامج ومشاريع ونتائج محددة.
وهذا فرق جوهري بحيث أن 15 مليار دولار لا تعني 15 مليار دولار دخلت خزينة الدولة الآن ، أما التمويلات الفعلية فتأتي في صورة عمليات منفصلة، كل واحدة لها أهداف وشروط وآليات تنفيذ ومراقبة.
ثانياً: أين يفترض أن تذهب هذه الأموال؟
المثير للاهتمام أن المجالات التي يركز عليها البنك الدولي تتطابق إلى حد كبير مع المشاكل التالية ، خلق فرص الشغل، خصوصاً في القطاع الخاص ، تحسين التعليم ورأس المال البشري ة، إصلاح وتحسين الخدمات الصحية ، الحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية ، التحول الرقمي ، مواجهة آثار الجفاف والتغير المناخي ، ورفع إنتاجية الشركات والاستثمار الخاص.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق فعلاً التوضيح ، فإذا كانت هذه هي الأهداف المعلنة، فلماذا لا يشعر المواطن بالقدر الكافي من التحسن في الشغل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية؟ وهذا سؤال مشروع جداً.
ثالثاً: المشكلة ليست بالضرورة في «حجم الأموال» وإنما في مردوديتها
تقرير حديث للبنك الدولي حول النمو والوظائف في المغرب يقدم ملاحظة مهمة جداً ، المشكلة الأساسية في خلق وظائف أفضل ليست فقط في توفر اليد العاملة، وإنما في ضعف الطلب على العمالة، بسبب محدودية دينامية الشركات وبطء نمو الإنتاجية وضعف الاستثمار الخاص.
بمعنى آخر، يمكن للدولة أن تنفق مليارات على البنية التحتية، ولكن إذا لم يتحول ذلك إلى استثمارات منتجة ، شركات جديدة ، مصانع ، قيمة مضافة ، وظائف مستقرة و أجور أفضل ، فإن المواطن قد لا يشعر إلا بجزء محدود من أثر تلك الاستثمارات.
وهنا يظهر أن المشكلة الحقيقية التي ينبغي طرحها ليست: «كم اقترض المغرب؟» فقط، بل: «ماذا أنتج كل درهم مقترض؟»
رابعاً: ماذا عن الصحة والتعليم؟ هذه نقطة حساسة جداً ، فالبنك الدولي نفسه يضع تحسين جودة وفعالية التعليم والصحة ضمن أهداف التعاون مع المغرب. بل إن وثائق البنك الخاصة بإصلاح الصحة المغربية تُظهر أن ميزانية الصحة الحكومية بلغت 28.1 مليار درهم في 2023، وأنها ارتفعت بنسبة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة.
لكن ارتفاع الميزانية لا يعني بالضرورة ارتفاع جودة الخدمة بنفس النسبة ، فقد تكون المشكلة في توزيع الموارد بين الجهات؛ نقص الأطر الطبية والتمريضية في مناطق معينة؛ ضعف الحكامة؛ طول المساطر؛ صعوبة الولوج إلى العلاج؛
ارتفاع تكلفة بعض العلاجات والأدوية على الأسر؛ وضعف الربط بين الإنفاق والنتائج القابلة للقياس.
والأمر نفسه ينطبق على التعليم ، فزيادة الإنفاق لا تكفي إذا لم تتحول إلى تحسن ملموس في مستوى التعلم، والبنية المدرسية، وظروف المدرسين، ومحاربة الهدر المدرسي وربط التكوين بسوق الشغل.
خامساً: وهل القروض ستُحمّل المواطن في النهاية؟
نعم، من حيث المبدأ القروض العمومية ليست أموالاً مجانية ، الدولة هي التي تقترض، وفي النهاية يتم سداد أصل الدين وتكاليف التمويل من الموارد العمومية. لكن ليس صحيحاً أن كل قرض من البنك الدولي يؤدي مباشرة إلى زيادة ضريبة معينة على المواطن.
السؤال الاقتصادي الأهم هو هل القرض يمول استثماراً يولد نمواً وإيرادات وفرص عمل تفوق تكلفة الدين؟
إذا كان الجواب نعم، يمكن أن يكون الاقتراض أداة تنموية مفيدة ، أما إذا ذهب جزء كبير من الأموال إلى مشاريع ضعيفة المردودية أو إلى نفقات لا تنتج قيمة اقتصادية واجتماعية كافية، فإن الأجيال المقبلة هي التي ستتحمل جزءاً من التكلفة.
والبنك الدولي نفسه يشير في تحليلاته إلى أن الدين المغربي يمكن أن يبقى مستداماً، لكن مع وجود مواطن ضعف ومخاطر ينبغي مراقبتها.
لكن للتوضيح أكثر ، لابد من معرفة أمور أكثر عمقا في موضوع القرض هذا بحيث هناك ثلاثة مستويات يجب التفريق بينها:
1. الأموال التي وافق البنك الدولي على تمويلها ، ليست كلها أموالاً وصلت إلى المغرب.
2. الأموال التي حصل عليها المغرب فعلاً ، هذه تكون مرتبطة ببرامج ومشاريع محددة.
3. الأثر الحقيقي على المواطن ، وهذا هو المقياس الأهم: هل انخفضت البطالة؟ هل ارتفعت الأجور الحقيقية؟ هل تحسنت المستشفيات؟ هل تحسن التعليم؟ هل انخفضت الفوارق بين المدن والقرى؟ هل تحسنت القدرة الشرائية؟
وهنا يمكن أن يكون هناك تباعد كبير بين حجم التمويل وحجم أثره الاجتماعي.
بل إن البنك الدولي نفسه يقول في وثيقته الجديدة إن أحد محاور الشراكة هو الانتقال نحو تدخلات أكثر تركيزاً على النتائج وليس مجرد ضخ الأموال.
ولذلك، لو أردنا تقييم هذه القروض بموضوعية، ينبغي أن نطرح على الحكومة والبنك الدولي أسئلة دقيقة:
كم مليار دولار حصل عليها المغرب فعلياً منذ 2020؟ ما المشاريع التي صرفت فيها؟ كم كلف كل مشروع؟ كم وظيفة مباشرة وغير مباشرة خلق؟ كم مستفيداً وصلته الأموال فعلياً؟ ما نسبة الأموال التي ذهبت للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية مقارنة بالبنية التحتية والاستثمارات الكبرى؟ ما تكلفة خدمة الدين؟ ومن يتحمل مخاطر فشل المشاريع؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من الرقم المتداول “1500 مليار سنتيم”.
وهكذا ، فالمؤشر الحقيقي لنجاح هذه التمويلات ليس أن يقال بأن المغرب حصل على مليارات، وإنما أن يستطيع المواطن المغربي أن يقول: لقد تحسنت حياتي فعلاً … وللحديث بقية …












