![]()
حريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … بعد نهاية معركة الانتخابات التشريعية المغربية بإعلان النتائج، لاح في الأفق مشكل آخر بدأت معه معركة سياسية أخرى أكثر تعقيداً تتجلى في من سيشكل الحكومة؟ ومن سيدخلها؟ ومن سيجلس في المعارضة؟ وما الثمن السياسي لكل تحالف؟
ففي انتخابات 23 شتنبر 2026، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم الاستقلال بـ65 مقعداً، والعدالة والتنمية بـ54 مقعداً. وتوزعت المقاعد المتبقية على عدد من الأحزاب الأخرى.
وبناء على هذه النتائج، عين الملك محمد السادس، في 29 شتنبر، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، استناداً إلى الفصل 47 من الدستور.
لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل ستترجم الحكومة المقبلة الإرادة التي أفرزتها صناديق الاقتراع، أم ستعيد مفاوضات الأحزاب رسم الخريطة السياسية وفق حسابات التحالف والحقائب والمواقع الحكومية؟
أولاً: ماذا يقول الدستور؟
الفصل 47 من الدستور واضح في نقطة أساسية: الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. لكن الدستور لا يقول إن الحزب المتصدر يشكل الحكومة منفرداً، ولا يمنحه تلقائياً أغلبية برلمانية ، وهذا فرق جوهري ، فالحكومة، بعد تعيين أعضائها، مطالبة بتقديم برنامجها أمام البرلمان، ولا تعتبر منصبة نهائياً إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه، وفق الفصل 88. إذن، هناك ثلاث مراحل مختلفة ، نتائج الانتخابات ، تعيين رئيس الحكومة ، بناء أغلبية ثم الحصول على ثقة البرلمان.
ومن هنا تبدأ أهمية المفاوضات.
ثانياً: الأرقام تكشف طبيعة المعادلة ، فمجلس النواب يضم 395 مقعداً، وبالتالي فإن الأغلبية المطلقة تتطلب 198 صوتاً.
الحزب المتصدر، الأصالة والمعاصرة، حصل على 97 مقعداً فقط. أي أنه يحتاج إلى 101 مقعد إضافي على الأقل لتأمين الأغلبية المطلقة. وهذا يعني أن رئيسة الحكومة المكلفة لا تستطيع تشكيل حكومة اعتماداً على حزبها وحده.
أما الحسابات الأولية فتوضح أهمية الأحزاب الثلاثة الأولى:الأصالة والمعاصرة: 97 ، التجمع الوطني للأحرار: 66 ، الاستقلال: 65 ، ومجموعها 228 مقعداً. أي أغلبية مريحة عددياً. لكن الحسابات لا تنتهي هنا ، فـالبام والأحرار يملكان معاً 163 مقعداً فقط، ويحتاجان إلى 35 مقعداً إضافياً. أما البام والاستقلال فيملكان 162 مقعداً، ويحتاجان إلى 36 مقعداً. وهنا تظهر قيمة الأحزاب الأخرى في المفاوضات.
ثالثاً: لماذا تتحول الأحزاب الصغيرة والمتوسطة إلى أوراق تفاوض؟
نتائج الانتخابات أعطت أحزاباً مثل الحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري، وغيرها، وزناً قد يبدو محدوداً مقارنة بالأحزاب الثلاثة الأولى. لكن في مفاوضات تشكيل الحكومة، قد يتحول هذا الوزن إلى قوة تفاوضية ، وهذا أمر لا يعني بالضرورة وجود مناورة ، إنه منطق التحالفات البرلمانية. فالحزب الذي يحتاج إلى 30 أو 35 مقعداً إضافياً لتأمين الأغلبية قد يصبح مضطراً إلى التفاوض مع حزب يملك 26 أو 29 أو 19 مقعداً.
ومن هنا يصبح السؤال الصحفي مشروعاً: هل سيكون معيار اختيار الأحزاب هو التقارب البرنامجي، أم القدرة على تأمين الأغلبية فقط؟
رابعاً: الجولة الأولى من المشاورات.. ماذا حدث فعلاً؟
بدأت فاطمة الزهراء المنصوري مشاوراتها مع الأحزاب الممثلة في البرلمان. وشملت الجولة الأولى أحزاباً من مختلف المواقع السياسية. وأعلن التجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، مع إحالة القرار النهائي على مؤسساته. كما ناقش حزب الاستقلال إمكانية المشاركة، فيما أبقت أحزاب أخرى موقفها مفتوحاً أو ربطته بتطور المشاورات. أما الاتحاد الاشتراكي، فقد فوض إدريس لشكر ومصطفى عجاب متابعة المفاوضات، وربط الحزب مشاركته بفكرة وجود برنامج حكومي وتحالف ذي مرجعيات مشتركة. وهذه المعطيات تقود إلى استنتاج مهم هو أن الحكومة لم تتشكل بعد، لكن عملية التفاوض بدأت فعلاً في إعادة ترتيب مواقع الأحزاب.
خامساً: أول مؤشر على التنافر
المثير للاهتمام أن النقاش لم يكن موحداً حتى داخل الحزب المتصدر نفسه ، فخلال المجلس الوطني الاستثنائي للأصالة والمعاصرة في 3 أكتوبر، ظهرت أصوات داخل الحزب تعارض مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة، في مقابل أصوات دعت إلى منح لجنة المشاورات هامشاً أوسع للتفاوض. وهنا يجب التوقف ، هل يمكن اعتبار ذلك تنافراً؟
نعم، بمعنى وجود اختلاف سياسي داخل الحزب حول طبيعة التحالفات ، لكن هل يمكن اعتباره مناورة؟
لا يمكن الجزم بذلك من هذه الواقعة وحدها ، فالخلاف الداخلي حول التحالفات أمر طبيعي في الأحزاب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحديد هوية الحكومة المقبلة.
والفصل هنا ضروري بين الخلاف السياسي الذي هو عبارة عن واقعة ، المناورة السياسية التي هي تفسير يحتاج إلى قرائن ، ولكن ما يحدث في هذه الأثناء من أفعلا وردود أفعال ، من مد وجزر ، من تعنت تليه مرونة و… كل هذا يجعل المواقف السياتسية للأحزار غير مستقرة وذلك لأمر في نفسها … كالحقائب والمناصب ولما لا المصالح … وما خفي كان أعظم .
سادساً: تفويض المنصوري.. ماذا يعني سياسياً؟
في 3 أكتوبر، فوض المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري مواصلة المشاورات بشأن تشكيل الحكومة والتحالفات السياسية، إلى جانب لجنة تضم عبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع وأحمد اخشيشن.
وهذا يعني أن مركز القرار التفاوضي أصبح أكثر وضوحاً.
لكن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية، لأن المشاورات ستنتقل من سؤال:من يريد المشاركة؟ إلى أسئلة أكثر صعوبة مثل بأي شروط؟ وبأي عدد من الحقائب؟ وأي حقائب؟ وبأي برنامج؟ وهنا بالضبط يمكن أن تبدأ المناورة السياسية، إن وجدت، وتصبح قابلة للرصد من خلال الوقائع.
سابعاً: الحكومة ليست مجرد جمع للأحزاب
هناك خطر سياسي معروف في الحكومات الائتلافية: أن تتحول الأغلبية إلى جمع حسابي للأحزاب بدل أن تكون تحالفاً على أساس برنامج.
فوجود 228 نائباً مثلاً لا يعني بالضرورة وجود 228 صوتاً متفقاً على كل شيء. والانسجام الحكومي لا يقاس بعدد المقاعد فقط ، بل يقاس أيضاً بمدى الاتفاق حول الاقتصاد والاستثمار؛ التشغيل؛ التعليم؛ الصحة؛ الضرائب؛ الحماية الاجتماعية؛ إصلاح الإدارة؛ العدالة المجالية؛ الشباب؛ الحريات؛ السياسة الخارجية؛ تدبير المال العام. وهنا يصبح البرنامج الحكومي هو الاختبار الحقيقي للتحالف.
ثامناً: تجربة 2021.. هل يعاد السيناريو نفسه؟
في انتخابات 2021، تصدر التجمع الوطني للأحرار، ثم تشكلت حكومة عزيز أخنوش بتحالف مع الأصالة والمعاصرة والاستقلال. وأعلن قادة الأحزاب الثلاثة رسمياً تشكيل الأغلبية الحكومية في 22 شتنبر 2021. وحصلت حكومة أخنوش لاحقاً على ثقة مجلس النواب بـ213 صوتاً مقابل 64 صوتاً معارضاً وامتناع نائب واحد. أما في 2026، فقد تغير ترتيب الأحزاب بشكل كبير. الحزب الذي كان في المرتبة الثالثة في الحكومة السابقة أصبح الآن متصدراً للانتخابات، بينما أصبح الحزب الذي ترأس الحكومة السابقة في المرتبة الثانية.
وهذا التحول وحده كافٍ لطرح سؤال: هل تستطيع الأحزاب أن تنتقل من حكومة كان فيها أحدها رئيساً والآخر شريكاً إلى حكومة يصبح فيها الشريك السابق هو رئيس الحكومة؟ والجواب السياسي يتوقف على المفاوضات المقبلة، وليس على الانطباعات.
تاسعاً: أين يمكن أن تظهر المناورات؟
من الطبيعي أننا لا نعتمد في تحديد ما وصفناه بالمناورات في الكلام العام فقط ، بل في الوقائع ، وذلك باعتماد خمس نقاط تستحق المراقبة:
1. توزيع الحقائب ، هل ستتوزع الوزارات حسب الوزن البرلماني؟ أم حسب قوة التفاوض؟ أم حسب الكفاءة والخبرة؟ أم وفق توازنات أخرى؟
2. الوزارات ذات الثقل ، فليست كل الحقائب الحكومية متساوية من حيث التأثير السياسي والاقتصادي ، لذلك فإن التفاوض حول قطاعات معينة قد يكشف طبيعة التحالف أكثر من عدد الوزراء.
3. البرنامج الحكومي ، هل سيأتي البرنامج نتيجة اتفاق سياسي سابق؟ أم سيجري تجميع أولويات الأحزاب المشاركة بعد الاتفاق على الحكومة؟
4. دخول أحزاب إلى الأغلبية وخروج أخرى ، إذا وجدنا حزباً يغير موقفه بشكل جذري دون تفسير سياسي أو برامجي واضح، فسيكون من المشروع طرح السؤال ، لكن لا يجوز وصف ذلك تلقائياً بأنه مناورة ، إلا أن ما يحدث يثير الشكوك حول الأهداف الحقيقية من تلك التصرفات التي تصدر بين الحين والآخر من طرف بعض الأحزاب والتي تتجلى في عزمها و ترددها …
5. العلاقة بين الخطاب الانتخابي والممارسة ، وهذه أهم نقطة ، ينبغي مقارنة ما قاله كل حزب للناخبين أثناء الحملة الانتخابية بما سيقبله أثناء مفاوضات تشكيل الحكومة. إذا ظهرت تناقضات، تصبح مادة التحقيق أكثر قوة.
عاشراً: أين يوجد حزب العدالة والتنمية؟ العدالة والتنمية حصل على 54 مقعداً، وجاء رابعاً في الانتخابات.
وخلال الجولة الأولى من المشاورات، لم يشارك الحزب في اللقاءات، وقالت المنصوري إن لكل حزب حرية الحضور أو عدمه، مع تأكيدها أن الحوار والتشاور عنصران أساسيان في المسار السياسي.
وهنا تبرز إحدى أهم علامات المرحلة المقبلة: هل سيكون العدالة والتنمية في المعارضة؟ أم أن خريطة التحالفات قد تعرف مفاجآت؟ فحتى الآن، لا يجوز تقديم أي جواب نهائي باعتباره حقيقة، ما دامت الحكومة لم تُشكّل رسمياً.
حادي عشر: ماذا عن اليسار؟
تحالف اليسار بدوره دخل المشاورات من زاوية مختلفة، إذ طلب أن يتم اللقاء في فضاء مستقل عن مقرات الأحزاب السياسية. وهذه واقعة صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف أن بعض الأحزاب لا تنظر إلى المشاورات باعتبارها مجرد تفاوض على حقائب، بل باعتبارها أيضاً نقاشاً حول شروط وطريقة إدارة العملية السياسية.
وهنا سؤال آخر: هل ستتفاوض الأحزاب على البرنامج أولاً أم على المواقع أولاً؟ هذه واحدة من أهم الأسئلة التي ينبغي أن يجيب عنها المعنيون من الأحزاب.
ثاني عشر: المواطن أين يوجد في كل هذا؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية. المواطن لم يصوت من أجل أن يرى فقط من حصل على هذه الوزارة؟ ومن حصل على تلك؟ ومن دخل الأغلبية؟ ومن خرج منها؟ بل يفترض أن تكون الحكومة وسيلة لتنفيذ برنامج سياسي واضح.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة لن يكون فقط في كيفية تشكيلها، وإنما في ما ستتعهد به وما ستنجزه.
وسيكون من المشروع مساءلتها حول البطالة، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، والاستثمار، والفوارق المجالية، وفرص الشباب، وجودة الخدمات العمومية.
الخلاصة: بين الحقيقة والاتهام
حتى 5 أكتوبر 2026، يمكن إثبات الوقائع التالية:
أولاً: حزب الأصالة والمعاصرة تصدر الانتخابات بـ97 مقعداً.
ثانياً: فاطمة الزهراء المنصوري عينت رئيسة للحكومة وكلفت بتشكيلها.
ثالثاً: الحكومة لم تتشكل بعد، والمشاورات لا تزال جارية.
رابعاً: التجمع الوطني للأحرار والاستقلال أبديا استعداداً للمشاركة، وفق ما أعلنته مؤسساتهما ومواقف قياداتهما.
خامساً: ظهرت داخل الأصالة والمعاصرة أصوات متباينة حول طبيعة التحالفات، بما في ذلك مواقف رافضة لمشاركة التجمع الوطني للأحرار.
سادساً: انتقلت المشاورات إلى مرحلة أكثر حساسية، تتعلق بشروط المشاركة والتمثيل الوزاري وطبيعة الحقائب.
ونتمنى من كل من موقعنا هذا ألا تتأكد صفة مناورات أو صفقات أو طبخاً سياسياً وما شابه ذلك من الشبهات التي لا يجب أن يتصف بها المسؤولون الحزبيون والسياسيون الذين نعقد عليهم الأمل في إنقاد ما يمكن إنقاده ، وألا نحاكم النيات، بل نحاول أن نفحص الوقائع، ولا نخلط بين الخلاف والمناورة ولا نحول الشائعات إلى حقائق ، ولا نحول التصريحات إلى أدلة مجانية .
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً إلى حين اكتمال تشكيل الحكومة هو: هل ستولد الحكومة المقبلة من رحم برنامج سياسي مشترك يستجيب لنتائج 23 شتنبر وانتظارات المغاربة، أم أن مفاوضات توزيع النفوذ والحقائب ستفرض نفسها على البرنامج؟
هذا السؤال لن تجيب عنه البيانات الحزبية وحدها؛ ستجيب عنه تركيبة الحكومة النهائية، وتوزيع الحقائب، والبرنامج الحكومي، ثم طريقة تصويت البرلمان عليه… فعسى أن تكره شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا … وللحديث بقية …











