سانشيز يحل البرلمان ويعيد خلط أوراق مدريد والجزائر وملف الجنسية الصحراوية

إدارة الموقع3 ساعات agoLast Update :
سانشيز يحل البرلمان ويعيد خلط أوراق مدريد والجزائر وملف الجنسية الصحراوية

Loading

حريدة النشرة : بوشعيب حمراوي

 

انتخابات مبكرة في 29 نونبر توقف مسارات تشريعية معلقة وتفتح مرحلة جديدة في إسبانيا.. والارتدادات تمتد إلى الجزائر وملف الصحراء والعلاقات مع المغرب

 

فاجأ بيدرو سانشيز المشهد السياسي الإسباني، صباح الاثنين 5 أكتوبر 2026، بإعلانه حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة يوم 29 نونبر، منهياً بذلك مرحلة سياسية امتدت، منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة في 2 يونيو 2018، لأكثر من ثماني سنوات، ودافعاً بإسبانيا إلى مرحلة جديدة لن تبقى آثارها محصورة داخل حدودها، لأن عدداً من الملفات المغاربية الحساسة كان يتحرك بالتوازي مع الأزمة السياسية في مدريد.

فالقرار الإسباني لا يعني فقط إعادة الناخبين إلى صناديق الاقتراع، بل يوقف في اللحظة نفسها مسارات تشريعية لم تستكمل، ويؤجل حسابات دبلوماسية كانت تُبنى بين مدريد والجزائر، ويطرح أسئلة جديدة حول ملفات الصحراء والعلاقات مع المغرب ومستقبل التوازنات الإسبانية في الضفة الجنوبية للمتوسط.

سانشيز يختار العودة إلى صناديق الاقتراع

لم يكن حل البرلمان قراراً تقنياً ولا مجرد تعديل في الرزنامة الانتخابية، بل جاء بعد أشهر من الصعوبات التي واجهتها الحكومة داخل مجلس النواب، وبعد تراجع قدرتها على ضمان أغلبية مستقرة لتمرير عدد من النصوص والمراسيم.
وقد ازدادت الضغوط بعد الهزائم البرلمانية التي تعرضت لها الحكومة مطلع أكتوبر، الأمر الذي جعل استمرار الولاية بنفس التوازنات أكثر تعقيداً.

اختار سانشيز، في النهاية، إعادة الكلمة إلى الناخب الإسباني. لكن الانتخابات المبكرة لا تعني فقط تغيير الحكومة أو تجديد الثقة فيها، بل تعني كذلك توقف عدد من المبادرات التشريعية التي لم تبلغ مرحلة المصادقة النهائية. وهنا يبدأ أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى منطقتنا.

مشروع الجنسية.. توقف قبل محطة حاسمة

كان مشروع قانون الجنسية المرتبط بالمولودين في الصحراء المغربية خلال مرحلة الإدارة الإسبانية يسير نحو مرحلة متقدمة جداً من المسطرة التشريعية.
فقد صادق مجلس النواب الإسباني يوم 10 شتنبر 2026 على النص، قبل أن ينتقل إلى مجلس الشيوخ ويحال على لجنة العدل ضمن مسطرة استعجالية.
والأكثر دلالة أن المشروع كان مدرجاً بالفعل على جدول أعمال جلسة مجلس الشيوخ المقررة يوم 7 أكتوبر 2026.
أي أن حل البرلمان جاء قبل أيام قليلة فقط من محطة كان يمكن أن تقرب النص أكثر من التحول إلى قانون نافذ.

وهنا يجب التمييز بدقة بين أمرين: لم تكن هناك جنسية إسبانية مُنحت ثم سُحبت، ولم يكن النص قد دخل حيز التنفيذ، وإنما كان هناك مسار تشريعي متقدم توقف بسبب حل البرلمان.
وبالتالي، فإن أي عودة إلى هذا الملف مستقبلاً ستحتاج إلى إعادة إدراجه ضمن المسار البرلماني الجديد، وفق التوازنات التي ستفرزها انتخابات 29 نونبر.

ليست جنسية مفتوحة لكل الصحراويين

ومن الضروري أيضاً تصحيح الصورة القانونية للملف.
فالنص لم يكن يعني منح الجنسية الإسبانية تلقائياً لكل من يقدم نفسه باعتباره صحراوياً، بل كان يستهدف فئات محددة مرتبطة بالولادة في الصحراء المغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية، كما أن النقاش داخل مجلس الشيوخ أدخل تعديلات وصياغات أكثر تحديداً، منها الحديث عن تعديل القانون المدني ومسارات الحصول على الجنسية عن طريق الإقامة.

وهذا التفصيل مهم، لأن الملف حمل منذ البداية أبعاداً تتجاوز مجرد التجنيس، ولامس قضايا التاريخ الاستعماري الإسباني، والوثائق المدنية القديمة، والهوية القانونية، والموقف الإسباني من نزاع الصحراء المغربية . ولذلك فإن توقفه اليوم ليس حدثاً تقنياً عادياً.

قمة الجزائر كانت قد بدأت تتعثر

بالتوازي مع ذلك، كانت مدريد والجزائر تستعدان لمحاولة جديدة لإعادة بناء العلاقات الثنائية.
فبعد زيارة سانشيز إلى الجزائر في يوليوز 2026 ولقائه الرئيس عبد المجيد تبون، تم الإعلان عن التحضير للاجتماع الثامن رفيع المستوى بين الحكومتين خلال الخريف، بعد سنوات من التوتر الذي أعقب تحول الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية سنة 2022.
لكن المسار لم يكن يسير بالسرعة التي أُعلن عنها. فقد ظهرت، بداية أكتوبر، معطيات تشير إلى تأجيل الاجتماع الذي كان يجري الإعداد له في مدريد، أي أن التعثر بدأ قبل إعلان حل البرلمان.

وجاء قرار الانتخابات المبكرة ليضيف عاملاً جديداً من عدم اليقين.
فإسبانيا ستدخل الآن حملة انتخابية، ثم اقتراعاً عاماً، ثم مرحلة تشكيل برلمان وحكومة جديدين، وهو ما يجعل استئناف الاجتماعات الكبرى مع الجزائر مرتبطاً بما ستفرزه الخريطة السياسية المقبلة.

تبون أمام حكومة إسبانية قد تكون مختلفة

لا يتعلق الأمر إذن بمجرد زيارة مؤجلة للرئيس الجزائري، بل بالسؤال عن طبيعة السلطة التنفيذية التي ستخرج من انتخابات 29 نونبر.
هل يعود سانشيز؟ هل تتشكل أغلبية جديدة؟ هل تتغير بعض التحالفات الداخلية؟
وهل تحافظ الحكومة المقبلة على نفس طريقة إدارة العلاقات مع الجزائر والمغرب؟
كلها أسئلة مفتوحة. وقد حاولت الجزائر خلال الأشهر الأخيرة إعادة ترميم علاقتها بمدريد بعد الأزمة التي تفجرت سنة 2022، خصوصاً في ظل الروابط المرتبطة بالطاقة والغاز والتجارة والهجرة والتعاون الأمني.

لكن الانتخابات الإسبانية تعيد ترتيب المواعيد والأولويات، وتجعل الجزائر مضطرة إلى انتظار ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع قبل معرفة الشريك الحكومي الذي ستتعامل معه.

والمغرب يراقب …

بالنسبة إلى المغرب، فإن القراءة الهادئة تقتضي عدم التعامل مع حل البرلمان الإسباني وكأنه انتصار دبلوماسي مباشر.
فالعلاقات المغربية الإسبانية أعمق من حكومة بعينها، وتقوم على ملفات استراتيجية مترابطة: الاقتصاد، الأمن، مكافحة الإرهاب، الهجرة، التجارة، الطاقة، المياه الإقليمية، سبتة ومليلية، والتعاون الأوروبي المتوسطي.
ومع ذلك، فإن قرار سانشيز خلف نتيجتين لا يمكن تجاهلهما.
الأولى، توقف مشروع الجنسية في لحظة كان قد وصل فيها إلى مرحلة متقدمة جداً، وهي قضية كانت تثير حساسية واضحة بالنظر إلى ارتباطها بالصحراء المغربية وتاريخ الوجود الإسباني فيها.
والثانية، دخول التقارب الإسباني الجزائري بدوره منطقة انتظار وعدم يقين.
أما الموقف الإسباني من مبادرة الحكم الذاتي المغربية، فلا يسقط تلقائياً بحل البرلمان، لأنه موقف حكومي ودبلوماسي سبق أن أُعلن رسمياً، وتغييره مستقبلاً يحتاج إلى قرار سياسي واضح من أي حكومة جديدة، وليس إلى مجرد انتهاء ولاية البرلمان.

الصحراء المغربية ستبقى حاضرة في الانتخابات وما بعدها

من الصعب تصور أن يغيب ملف الصحراء المغربية تماماً عن النقاش السياسي الإسباني خلال الأسابيع المقبلة.
فالملف يرتبط بالعلاقة مع المغرب، كما يرتبط بالعلاقة مع الجزائر، ويمس السياسة الخارجية والهجرة والطاقة والأمن والتجارة وموقع إسبانيا في غرب المتوسط.
ولذلك فإن الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 29 نونبر ستجد أمامها إرثاً ثقيلاً لا يمكن تجاوزه بسهولة.
فمنذ 2022، أعادت مدريد تعريف جزء مهم من مقاربتها للملف عندما اعتبرت المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع.
وأي حكومة جديدة ستجد نفسها أمام هذا الموقف، وأمام شبكة مصالح واسعة مع الرباط، وأمام الحاجة في الوقت نفسه إلى إدارة علاقاتها مع الجزائر.

ما توقف اليوم يمكن أن يعود غداً

سيكون من الخطأ الاعتقاد أن حل البرلمان دفن نهائياً مشروع الجنسية أو أنه أنهى إلى الأبد التقارب الإسباني الجزائري.
في السياسة لا توجد نهايات بهذه السهولة. يمكن أن يعود مشروع الجنسية في ولاية تشريعية جديدة إذا أعادت قوى سياسية تقديمه ووجد أغلبية تؤيده، كما يمكن أن تستأنف مدريد والجزائر اجتماعاتهما بعد تشكيل الحكومة المقبلة.
لكن الفرق أن كل شيء أصبح الآن مرتبطاً بخريطة سياسية جديدة لم تتشكل بعد.
والانتخابات ستحدد من يملك القدرة على إعادة الملفات إلى الواجهة، ومن سيغير الأولويات، ومن سيبحث عن مقاربات جديدة.

إسبانيا حلت برلمانها.. لكنها حركت ملفات المنطقة

حل سانشيز البرلمان الإسباني، لكنه في الوقت نفسه جمّد ملفات كانت تقترب من لحظات حاسمة.
توقف مشروع قانون يتعلق بالجنسية قبل أيام من مناقشته في جلسة عامة بمجلس الشيوخ.
وتأجل مسار القمة الإسبانية الجزائرية، ثم دخل اليوم في غموض أكبر بسبب الانتخابات.
وانفتح من جديد السؤال حول مستقبل السياسة الإسبانية تجاه المغرب والجزائر والصحراء المغربية
لهذا، فإن انتخابات 29 نونبر لن تكون مجرد مواجهة بين أحزاب إسبانية تتنافس على رئاسة الحكومة.
ستراقب الرباط نتائجها. وستراقبها الجزائر. وسيتابعها المتشبثون بمشروع الجنسية.
وسيراقبها كل من يدرك أن السياسة الإسبانية في الضفة الشمالية للمتوسط لا تبقى آثارها هناك.
حل سانشيز البرلمان في مدريد، لكنه في الواقع أعاد خلط أوراق كثيرة تمتد من العاصمة الإسبانية إلى الرباط والجزائر وملف الصحراء، وأصبح يوم 29 نونبر موعداً انتخابياً إسبانياً بارتدادات مغاربية لا تقل أهمية عن نتائجه الداخلية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News