![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … استكمل المجلس الوطني للصحافة، يوم أول أمس الجمعة 2 أكتوبر 2026، بنيته التنظيمية بانتخاب رؤساء اللجان الدائمة وتعيين أعضائها، وذلك استناداً إلى القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس، وإلى المادتين 14 و15 من نظامه الداخلي. وقد تمت المصادقة بالإجماع على رؤساء اللجان الخمس.
وتوزعت رئاسة اللجان على الشكل التالي:
لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية: بهية العمراني، منتدبة عن فئة الناشرين.
لجنة بطاقة الصحافة المهنية: عبد الحق العضيمي، منتخب عن فئة الصحافيين المهنيين.
لجنة الوساطة والتحكيم: عبد اللطيف طهار، قاضٍ معين من المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
لجنة المؤسسة الصحافية وتأهيل القطاع: خالد الحريري، منتدب عن فئة الناشرين.
لجنة التكوين والدراسات والتعاون: مونيا عرشي، منتخبة عن فئة الصحافيين المهنيين.
لماذا هذه اللجان مهمة؟
ليست اللجان مجرد هياكل إدارية؛ فهي مرتبطة مباشرة بمجموعة من أهم اختصاصات المجلس.
لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية توجد في قلب النظام التأديبي للمهنة. والقانون يجعل قراراتها التأديبية قابلة للاستئناف أمام لجنة استئناف تأديبية، مع ضمان حقوق الدفاع والمساطر المحددة قانوناً.
لجنة بطاقة الصحافة المهنية ترتبط بإحدى أهم وظائف المجلس، وهي تدبير ومنح بطاقة الصحافة المهنية، وبالتالي فإن عملها يمس مباشرة الوضع المهني للصحافيين.
لجنة الوساطة والتحكيم تتصل بتسوية النزاعات داخل القطاع، وهو ما يفسر إسناد رئاستها إلى قاضٍ معين من المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
لجنة المؤسسة الصحافية وتأهيل القطاع ترتبط بالمقاولة الصحافية وبشروط تأهيلها، وبالتالي فهي ذات صلة مباشرة بالناشرين والمؤسسات الإعلامية.
أما لجنة التكوين والدراسات والتعاون فتتصل بالجانب المهني والمعرفي والتكويني للقطاع.
وهناك معطى يستحق التوقف عنده دون تحويله مسبقاً إلى اتهام:
من بين رؤساء اللجان الخمس، هناك رئيسان منتدبان عن فئة الناشرين، ورئيسان عن فئة الصحافيين المهنيين، ورئيس قاضٍ. لكن هذه الأمر وحده لا يكفي للقول إن الناشرين أصبحوا أصحاب اليد العليا داخل المجلس؛ لأن معرفة موازين القوى الحقيقية تتطلب الاطلاع على التشكيلة الكاملة لكل لجنة وعدد أعضائها، وطريقة التصويت، ونصاب اتخاذ القرارات، والاختصاصات الدقيقة المخولة لكل لجنة. وهذه بالضبط هي النقطة التي ينبغي أن ننتقل إليها في التحقيق.
والأهم: ماذا يقول القانون؟
القانون 09.26 لا يكتفي بتحديد وجود المجلس، بل يضع إطاراً لتركيبته وآليات اشتغاله. كما أن الوثائق التنظيمية المنشورة من المجلس تحدد شروط انتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين وانتداب ممثلي الناشرين. ومن بين الشروط المفروضة على الناشرين، مثلاً، التوفر على أقدمية معينة، ووضعية جبائية قانونية، والتصريح بالأجور والضمان الاجتماعي، واستيفاء حد أدنى من الصحافيين المهنيين العاملين بصفة دائمة بحسب نوع المؤسسة الإعلامية.
وهذا يعطينا مدخلاً مهماً للتحقيق: هل التوازن داخل المجلس يُقاس بعدد المقاعد فقط، أم بمدى تأثير كل فئة في اللجان التي تتخذ أو تحضر لاتخاذ القرارات الأكثر حساسية؟
نعم، التوازن لا يُقاس بعدد المقاعد وحده. وفي حالة المجلس الوطني للصحافة تحديداً، هناك فرق مهم بين التوازن العددي والتوازن في ممارسة النفوذ والاختصاصات.
1. التوازن العددي
التركيبة الحالية تضم تمثيلاً للصحافيين المهنيين والناشرين، إضافة إلى القاضي المعين من المجلس الأعلى للسلطة القضائية. وقد أُعلن رسمياً عن سبعة ممثلين للناشرين، بينما انتُخب سبعة ممثلين عن الصحافيين المهنيين.
إذن، من حيث التمثيل العددي للفئتين المهنيتين، هناك توازن واضح: 7 صحافيين مقابل 7 ناشرين. لكن هنا تبدأ المسألة الأكثر أهمية.
2. التوازن في مراكز القرار
في 2 أكتوبر، استكمل المجلس تشكيل لجانه الدائمة، بحيث وجاء توزيع رئاستها كما سبق ذكره . إذن، من حيث رئاسة اللجان الخمس، نجد ناشرين اثنين + صحافيين اثنين + قاض ، وهذا في حد ذاته لا يدل على اختلال التوازن.
3. لكن ليست كل اللجان متساوية من حيث الحساسية
وهذه هي النقطة التي أرى أنها تستحق أن تكون جوهر اللهتمام والنتباه ، فمثلاً، لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية تتعامل مع مجال شديد الحساسية بالنسبة للصحافي: أخلاقيات المهنة والمسؤولية التأديبية.
وفي المقابل، لجنة المؤسسة الصحافية وتأهيل القطاع ترتبط مباشرة بالمقاولة الإعلامية وأوضاعها وتأهيلها ة، أي أن السؤال الصحفي الأدق ليس: كم رئيس لجنة للصحافيين وكم رئيس لجنة للناشرين؟ بل ما حجم الصلاحيات التي تتمتع بها كل لجنة؟ ومن هم أعضاؤها؟ وكيف تتخذ قراراتها؟ وهل يستطيع رئيس اللجنة فرض توجهه أم أن القرار جماعي؟
وهذا فرق جوهري.
4. هناك أيضاً عنصر ثالث: من يملك القدرة على التأثير؟
لنأخذ مثالاً بسيطاً : لو كانت لجنة ما تضم خمسة أعضاء، وكان رئيسها من فئة الناشرين، لكن ثلاثة من أعضائها من الصحافيين، فإن القول إن “الناشرين يسيطرون على اللجنة” سيكون غير دقيق.
وبالعكس، إذا كان رئيس اللجنة من الصحافيين، لكن أغلبية أعضائها من الناشرين، فقد يكون الوضع مختلفاً تماماً.
لذلك فإن أسماء رؤساء اللجان وحدها لا تكفي.
نحتاج إلى معرفة عدد أعضاء كل لجنة + هوية كل عضو + صفته + طريقة التصويت + النصاب + طبيعة القرارات التي تتخذها + هل قراراتها ملزمة أم توصيات ترفع إلى المجلس.
5. وهناك نقطة شديدة الأهمية في سياق الموضوع
فالنتائج الرسمية لانتخابات الصحافيين تكشف أن حنان رحاب حصلت على 703 أصوات، وعبد الله البقالي على 481، وعبد الحق العضيمي على 455، والكبير خشيشن على 437، قبل أن تُعلن الأسماء السبعة الفائزة.
ثم، بعد أيام، انتُخبت حنان رحاب نائبة للرئيس بـ11 صوتاً مقابل ثلاثة ممتنعين وثلاثة أعضاء غادروا القاعة، وفق البلاغ الرسمي للجنة المؤقتة. كما انتُخب المختار لغزيوي رئيساً بـ11 صوتاً مقابل ثلاثة أصوات لعبد الله البقالي وثلاثة ممتنعين.
وهنا تظهر زاوية بحث حقيقية وليست اتهاماً ، فكيف انتقلت موازين الأصوات من صناديق انتخاب ممثلي الصحافيين إلى التصويت الداخلي على رئاسة المجلس واللجان؟
هذه مقارنة مشروعة، لكن لا يجوز منها استنتاج أن شخصاً نقل أصواتاً أو عقد صفقة ما لم تتوفر أدلة على ذلك.
وهكذا فإن التوازن داخل المجلس الوطني للصحافة لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها الصحافيون والناشرون، بل أيضاً بمواقع تموقع كل فئة داخل اللجان، وبحجم الاختصاصات التي تمارسها هذه اللجان، وبقواعد التصويت واتخاذ القرار داخلها.
والأهم أن ما يروج خاليا من معطيات ، يسمح لنا برصد توزيع رئاسة اللجان، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على ميزان النفوذ داخل المجلس. وهذا يجعل الحصول على اللائحة الكاملة لأعضاء كل لجنة ومحاضر انتخاب رؤسائها خطوة حاسمة في إصدار الحكم المنصف .
وإذا أردنا أن نكون دقيقين في ذلك ، فالسؤال الأقوى ليس: “هل سيطر الناشرون؟”، وإنما: “هل تمنح هندسة اللجان وآليات التصويت إحدى الفئتين قدرة أكبر على التأثير في القرارات التي تمس مستقبل المهنة؟” وهذا سؤال يمكن إثباته أو نفيه بالوثائق والأرقام الخاصة بذلك ، لا بالتقدير والاعتماد على الأمور السطحية … وللحديث بقية …









