فرنسا تحت ضغط الديون والفقر وغلاء المعيشة.. هل خيّبت السياسات الحكومية انتظارات الفرنسيين؟

إدارة الموقع22 أكتوبر 2026Last Update :
فرنسا تحت ضغط الديون والفقر وغلاء المعيشة.. هل خيّبت السياسات الحكومية انتظارات الفرنسيين؟

Loading

جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا

بقية الحديث …  تمرّ فرنسا حالياً بـأزمة اجتماعية وسياسية واقتصادية خانقة تعد الأشد منذ سنوات، حيث تشهد البلاد موجة عارمة من الاحتجاجات العنيفة وأعمال الشغب التي بلغت ذروتها في عطلة نهاية الأسبوع يوم 17 أكتوبر 2026 ، مما دفع السلطات إلى فرض حظر تجول ليلي جزئي في العاصمة باريس ومدن كبرى أخرى . ويمكن إرجاع ذلك إلى العديد من الاسباب ومنها أن بين طموحات فرنسا الدولية ومعاناة مواطنيها اليومية، تتجدد الأسئلة حول الأولويات الاقتصادية والاجتماعية لحكومة إيمانويل ماكرون، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين مكانة البلاد في العالم وحق الفرنسيين في العيش الكريم.
ففرنسا، وهي إحدى أكبر القوى الاقتصادية في أوروبا، تعيش على وقع تحديات مالية واجتماعية متزايدة، في مقدمتها ارتفاع الدين العام، واستمرار معاناة فئات من المواطنين مع الفقر وغلاء المعيشة، إلى جانب الانتقادات الموجهة إلى بعض الخدمات العمومية، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
ووسط هذه الأوضاع، يجد المواطن الفرنسي نفسه أمام مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن لدولة تمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة، وتلعب أدواراً مؤثرة على المستوى الدولي، أن تواجه في الوقت نفسه صعوبات مالية واجتماعية تثقل كاهل جزء من سكانها؟
الدين العام والفقر.. أرقام تطرح أسئلة صعبة
لا يتعلق الأمر بمجرد أرقام ترد في التقارير الاقتصادية، بل بواقع ينعكس على حياة الأسر، وعلى قدرتها على مواجهة تكاليف السكن والطاقة والنقل والغذاء، خصوصاً عندما لا تواكب الأجور ارتفاع الأسعار بالوتيرة نفسها.
وتشير بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية إلى أن عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر النقدي بلغ نحو 9.8 ملايين شخص سنة 2024، أي ما يعادل 15.4 في المائة من سكان فرنسا القارية المشمولين بالإحصاء.
أما الدين العام، فقد تجاوز 3.5 تريليونات يورو خلال سنة 2026، وهو مستوى يعيد إلى الواجهة النقاش بشأن قدرة الدولة على تمويل خدماتها العمومية، والتحكم في عجز ميزانيتها، وتخفيف الأعباء التي قد تتحملها الأجيال المقبلة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التذكير بأن الدين لم يتراكم في عهد حكومة واحدة، بل هو حصيلة مسار طويل ساهمت فيه حكومات متعاقبة، فضلاً عن أزمات اقتصادية وصحية ودولية. لكن ذلك لا يعفي القيادة السياسية الحالية من مسؤولية توضيح اختياراتها والدفاع عن نتائجها.
الصحة والتعليم والقدرة الشرائية.. ماذا عن المواطن؟
بالنسبة إلى المواطن البسيط، لا تُقاس قوة الدولة فقط بحجم اقتصادها أو بمكانتها الدبلوماسية والعسكرية، بل أيضاً بقدرته على الحصول على العلاج في الوقت المناسب، وضمان تعليم جيد لأبنائه، والاستفادة من خدمات اجتماعية تحفظ كرامته، والعيش بدخل يتناسب مع تكاليف الحياة.
وعندما تتكرر الشكاوى من صعوبة الولوج إلى بعض الخدمات الصحية، أو من نقص الأطر في مؤسسات عمومية، أو من الضغوط التي تواجهها الأسر بسبب الأسعار، يصبح من الطبيعي أن ترتفع المطالب بمراجعة الأولويات وتقييم السياسات المعتمدة.
غير أن تحديد حجم هذه الاختلالات وأسبابها يتطلب الاستناد إلى مؤشرات دقيقة، لأن الأوضاع تختلف بين المناطق والفئات الاجتماعية، ولأن بعض الخدمات قد تعرف تحسناً في جوانب معينة مقابل استمرار الصعوبات في جوانب أخرى.
دعم أوكرانيا.. التزام دولي أم أولوية قابلة للنقاش؟
ومن بين الملفات التي تثير الجدل داخل فرنسا، حجم المساعدات المقدمة لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب مع روسيا.
فبينما تعتبر السلطات الفرنسية وحلفاؤها أن دعم أوكرانيا يرتبط بأمن أوروبا والدفاع عن سيادة الدول، يتساءل منتقدون عن مدى ملاءمة حجم هذه الالتزامات مع الوضع المالي والاجتماعي الداخلي، وعن الإمكانات التي كان يمكن توجيهها إلى قطاعات الصحة والتعليم والطاقة ومساندة الأسر ذات الدخل المحدود.
أما مبلغ 25 مليار يورو المتداول في هذا السياق، فيحتاج إلى تحديد مصدره والفترة التي يغطيها وطبيعة المساعدات التي يشملها، قبل تقديمه باعتباره إنفاقاً نقدياً مباشراً من الخزينة الفرنسية. فالدعم العسكري والمالي والإنساني قد يتخذ أشكالاً مختلفة، ولا يجوز جمعها دون توضيح منهجية الحساب.
ومع ذلك، يبقى النقاش مشروعاً: من حق المواطنين معرفة كلفة الالتزامات الخارجية، وأهدافها، والنتائج المنتظرة منها، وكيفية التوفيق بينها وبين الاحتياجات الداخلية.
ماكرون والمساءلة السياسية
منذ وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة، ظلت سياساته الاقتصادية والاجتماعية موضوع خلاف بين مؤيديه ومعارضيه. وبينما يدافع أنصاره عن اختيارات يرون فيها ضرورة لتحديث الاقتصاد وتعزيز موقع فرنسا دولياً، يعتبر منتقدوه أن بعض القرارات لم تستجب بما يكفي لانتظارات الفئات المتضررة من غلاء المعيشة والتفاوتات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، ينبغي توخي الدقة بشأن ما يُتداول حول صدور أحكام قضائية مرتين بإزاحة ماكرون عن الحكم؛ فلا تتوافر أدلة موثوقة تثبت صدور حكمين نافذين بعزله من الرئاسة. فالدعوات السياسية إلى إقالة الرئيس أو المبادرات الرامية إلى عزله لا تعني أن القضاء أصدر قراراً فعلياً بإنهاء ولايته.
وتظل المساءلة السياسية في الديمقراطيات مرتبطة بآليات دستورية وانتخابية ومؤسساتية محددة، لا بمجرد الاتهامات أو الخلافات السياسية.
الخلاصة.. فرنسا التي يريدها الفرنسيون
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت فرنسا تستحق رئيساً بعينه، بل ما إذا كانت السياسات المتبعة قادرة على تحسين حياة مواطنيها، والحد من الفقر، وضمان خدمات عمومية ذات جودة، والحفاظ على التوازنات المالية دون تحميل الفئات الهشة كلفة الاختلالات الاقتصادية.
فالدولة القوية ليست تلك التي تحافظ على نفوذها الدولي فقط، بل التي تستطيع أيضاً حماية كرامة مواطنيها وتوفير شروط العيش الكريم لهم.
ومن حق الفرنسيين أن يطالبوا حكومتهم بتفسير خياراتها، وأن يقارنوا بين الوعود والنتائج، وأن يحاسبوا المسؤولين عبر المؤسسات الديمقراطية.
ففي نهاية المطاف، لا تُقاس حصيلة أي قيادة سياسية بما تعلنه من طموحات، وإنما بما يلمسه المواطن في حياته اليومية: دخله، وعلاجه، وتعليم أبنائه، وأمنه الاجتماعي، وثقته في المستقبل. وذلك شأن جميع الشعوب والدول دون استثناء ، بحيث مؤسسات الدولة عبارة عن آليات موكول لها خدمة الشعب الذي يقلدها المناصب ويمنح لها الثقة في تدبير شؤونه وشؤون الدولة التي تفوض لهم ذلك بصفة رسمية ، والعمل على خلق التواصل الشفاف والإيجابي بين الأطراف المعنية ليتحقق التشاور والتفاهم والرضا وحسن النية دون الدخول في عدم التوافق والاستنكار والغضب الأعمى الذي قد ياتي على الأخضر واليابس فيضيع الطالب والمطلوب.
ويبقى الرهان أمام فرنسا والعديد من الدول هو إعادة حساباتها وإيجاد توازن واقعي بين مسؤولياتها الدولية وإمكاناتها المالية، وبين واجبها الأساسي تجاه مواطنيها. وهو تحدٍّ لا تحسمه الشعارات، بل القرارات المدروسة والنتائج القابلة للقياس والمحاسبة الديمقراطية…. وللحديث بقية …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News