![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … ليس المهم أن ينص الدستور على حقوق المواطنين وحرياتهم، بقدر ما تكمن الأهمية في مدى انعكاس هذه الحقوق على حياتهم اليومية. فالدستور المغربي لسنة 2011 وضع مجموعة من المبادئ التي تؤطر العلاقة بين الدولة والمواطن، وجعل احترام القانون والمساواة أمامه أساسًا لتنظيم المجتمع. لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: إلى أي حد نجح التطبيق العملي في جعل هذه المبادئ واقعًا ملموسًا؟
بين ما يضمنه الدستور وما يعيشه المواطن
فالدستور المغربي يقر الحق في الصحة والتعليم والشغل والسكن اللائق والحماية الاجتماعية، كما يضمن حرية التعبير والحصول على المعلومات، ويؤكد المساواة أمام القانون. وهي حقوق أساسية يفترض أن تسهم في تحسين ظروف العيش، وتعزيز الكرامة الإنسانية، وتكافؤ الفرص بين المواطنين.
غير أن الواقع يطرح أسئلة مشروعة حول مدى استفادة الجميع من هذه الحقوق بالشكل نفسه. فحين يجد المواطن صعوبة في الحصول على العلاج، أو يواجه أبناء بعض المناطق ظروفًا تعليمية أقل جودة من غيرهم، أو يعاني الشباب من محدودية فرص الشغل، يصبح من الضروري التساؤل عن المسافة الفاصلة بين الالتزامات الدستورية والنتائج المحققة على الأرض.
ولا يعني ذلك أن كل اختلال يمثل بالضرورة خرقًا للدستور، لكنه يستدعي البحث في أسباب التعثر، ومدى كفاية السياسات العمومية، وطريقة توزيع الموارد، ومسؤولية المؤسسات المعنية عن معالجة المشكلات القائمة.
الدولة أيضًا مطالبة باحترام القانون
من المبادئ الأساسية التي يؤكدها الدستور خضوع الجميع للقانون، بمن فيهم السلطات العمومية. ولذلك، فإن احترام القانون لا ينبغي أن يكون واجبًا يُطلب من المواطن وحده، بل التزامًا يشمل المؤسسات والمسؤولين أيضًا.
فالمواطن مطالب بأداء الضرائب المستحقة عليه، واحترام القوانين، والمحافظة على الممتلكات العامة، والمساهمة في تنمية بلاده. وفي المقابل، تتحمل الدولة مسؤولية توفير الخدمات العمومية، وحماية الحقوق والحريات، وتدبير المال العام وفق القانون، والعمل على تصحيح الاختلالات ومساءلة المسؤولين عند ثبوت المخالفات.
ومن هنا، لا يمكن بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات بمجرد مطالبة المواطنين بالصبر وتحمل الأعباء، بل يتطلب الأمر أيضًا توضيح كيفية تدبير الشأن العام، ونشر المعلومات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإظهار النتائج الفعلية للبرامج والمشاريع المعلنة.
الصحة والتعليم والشغل.. امتحان التطبيق
يقدم الفصل 31 من الدستور مثالًا واضحًا على أهمية الانتقال من النص إلى الممارسة، إذ يلزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بالعمل على تعبئة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين من مجموعة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
لكن قياس مدى تنفيذ هذا الالتزام لا يتم بعدد المستشفيات والمدارس والمشاريع المعلنة وحده، بل كذلك بجودة الخدمات، وتوفر الموارد البشرية، وسهولة الولوج، ومدى استفادة سكان المناطق النائية والفئات محدودة الدخل.
كما أن الحق في الشغل لا يعني ضمان وظيفة فورية لكل مواطن، لكنه يطرح مسؤولية السياسات العمومية في توسيع فرص التشغيل وتحسين شروط العمل، خصوصًا بالنسبة إلى الشباب والنساء والفئات التي تواجه صعوبات في الاندماج الاقتصادي.
أما في مجال الحريات، فإن ضمان حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات يقتضي توفير شروط عملية لممارستهما، مع احترام الضوابط القانونية والحقوق المكفولة للآخرين.
المواطن بين الحقوق والواجبات
لا تكتمل العلاقة الدستورية من دون وعي المواطن بمسؤولياته. فالمواطنة ليست مجرد المطالبة بالحقوق، وإنما تشمل أيضًا احترام القانون، وأداء الالتزامات المالية المستحقة، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام حقوق الآخرين والمساهمة في الصالح العام.
لكن أداء هذه الواجبات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل حقوق المواطنين أو تأجيلها إلى أجل غير محدد. فالدولة مطالبة بدورها بالعمل على ضمان الشروط التي تسمح بممارسة هذه الحقوق، كلٌّ بحسب اختصاصاته والإمكانات المتاحة، مع إخضاع القرارات والسياسات للتقييم والمساءلة.
وبعبارة أخرى، لا يجوز إعفاء المواطن من مسؤولياته بحجة وجود اختلالات في الخدمات، كما لا يجوز إعفاء المؤسسات من مسؤولياتها بحجة أن المواطن ملزم باحترام القانون.
كيف نعرف مدى احترام الدستور؟
إن تقييم التطبيق الفعلي للدستور يحتاج إلى معطيات دقيقة، وليس إلى الانطباعات أو الخطابات السياسية. ويقتضي ذلك فحص مؤشرات الصحة والتعليم والتشغيل، والاطلاع على تقارير الرقابة على المال العام، وتتبع تنفيذ الميزانيات والمشاريع، ودراسة الشكايات والأحكام القضائية، والتحقق من مدى احترام الحريات والحق في الحصول على المعلومات.
كما ينبغي التمييز بين خرق قانوني مثبت، وقصور في تدبير مرفق عمومي، وتأخر في تنفيذ سياسة حكومية. فلكل حالة أسبابها وآليات مساءلتها، ولا يصح إصدار حكم عام من دون أدلة كافية.
خاتمة: الدستور التزام متبادل لا مجرد نص
لقد وضع دستور 2011 إطارًا قانونيًا ومؤسساتيًا مهمًا لتنظيم الحقوق والواجبات في المغرب. غير أن القيمة الحقيقية لأي دستور تظهر في حياة الناس، وفي قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية، والدفاع عن حقوقهم، والحصول على المعلومات، ومساءلة المؤسسات وفق القانون.
ويبقى السؤال الذي يستحق نقاشًا عموميًا جادًا هو إذا كان المواطن مطالبًا باحترام القانون وأداء واجباته والمساهمة في تنمية البلاد، فإلى أي حد تُترجم التزامات الدولة والمؤسسات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى شعارات أو أحكام مسبقة، بل إلى أرقام موثوقة، ووثائق رسمية، ومقارنة بين الوعود والنتائج. فالمواطنة الحقيقية تقوم على حقوق مصونة وواجبات محترمة، ودولة تطبق القانون على الجميع، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها وتقبل المساءلة عن أدائها… وللحديث بقية …











