المغرب في مفترق الطرق.. والخيارات الصعبة!!

إدارة الموقع31 يناير 2022Last Update :
المغرب في مفترق الطرق.. والخيارات الصعبة!!

Loading

جريدة النشرة د. عبد الجليل أبوالمجد

 

إن المتأمل في تاريخ المغرب، سواء في عصوره القديمة، أم في المراحل الحديثة والمعاصرة، يكتشف أن المغرب كان يقف في “مفترق الطرق” في أكثر من لحظة تاريخية، وكانت الخيارات في الغالب واضحة، وليست بالتعقيدات والمخاطر التي يعرفها في الحاضر. فالمغرب حاليا يواجه تحديات الخيارات الصعبة المعقدة سواء في الداخل أو الخارج. سأكتفي هنا بالتطرق بإيجاز للتحدي المتعلق بالشق الاقتصادي والاجتماعي.

في البداية نشير إلى أن كثيرا ما يوصف الاقتصاد المغربي بأنه اقتصاد ريعي بامتياز، والمقصود بذلك أنه قائم على أساس منح الامتيازات والمناصب والرخص والاستمتاع بالخيرات والمكاسب والممتلكات، خارج أي اعتبارات قانونية أو شرعية ترتبط بالحقوق والمنافسة الاقتصادية. وهذا ما أكد عليه أحد أبرز الأكاديميين المعاصرين الذين تناولوا الموضوع وهو جورج قرم في كتابه القيم (في نقد الاقتصاد الريعي) حيث رد استفحال الريع إلى “علاقة زبونية” بين الدولة والمواطنين، أو شريحة من المواطنين، تعودوا على سياسات تقوم على الهبات والتعامل مع الدولة بوصفها الموظف الأكبر.

وهذا يشكل اختلالا في المعادلة الاقتصادية، في جوانب جوهرية، لاسيما فيما يتعلق بالتنمية الشاملة، إذ يترتب على ذلك بشكل مباشر اختلال سياسي تنشأ عنه “علاقة الزبونية” بين الدولة وشريحة اجتماعية ضيقة، وثقافة عامة فيها خلل كبير، خاصة في تصور علاقة الدولة بالمواطن.

في ظل هذا الوضع الاقتصادي/ الاجتماعي تتسع الفوارق بين فئة استولت على المناصب والمكاسب والخيرات، وفئة أخرى واسعة تعيش كل أشكال التهميش والإقصاء والعنف والكراهية.

وهذه الأعراض الخاصة بالحالة المغربية، هي حصيلة السياسات العمومية للحكومات المتعاقبة على تدبير شؤون البلاد، لاسيما حكومة ما يسمى خطأ ب “الإسلاميين” التي ساهمت بجلاء في تكريس هذا الواقع وتعميم الفقر، وذلك بعدم القيام بالإصلاحات المطلوبة في وقتها، مما زاد من تعقيد الوضع أكثر. وأبرز مثال على ذلك قضية قطاع المحروقات، حيث قامت “حكومة الإسلاميين” بتحرير سوق المحروقات دون تقنين، ودون استشراف عواقبه السلبية، وفي ظل غياب مجلس المنافسة.

جميع الآثار السلبية التي يشهدها المغرب حاليا، وعلى رأسها سيطرة الهم الاقتصادي على المواطنين الذين تراجع مستواهم المعيشي سببها تخلي الحكومات السابقة عن القطاع العام وعن دورها في الرقابة والتنظيم، وتخليها عن الرعاية الاجتماعية. وكانت النتيجة في النهاية مؤلمة بالنسبة للمغاربة تتجسد في انزلاق آلاف الأسر المغربية تحت خط الفقر ووقوف آخرين في صفوف العاطلين عن العمل.

عمليا، لا يمكن في الوقت الراهن الاستمرار بهذه الصيغة وبهذه السياسة الليبرالية المتوحشة، إذ الخيارات أمام الدولة باتت محدودة، فيما ورثت الحكومة الحالية الملف الاقتصادي الأثقل في العقود الثلاثة الأخيرة. والأصعب من الأبعاد الاقتصادية والآثار المالية، ما يرتبط بالبعد الاجتماعي لأي قرارات اقتصادية جديدة، وفي المقدمة السياسات الضريبية وسياسات إلغاء الدعم الحكومي عن بعض السلع والخدمات، وما سيتبعها من مصفوفة طويلة من الآثار السلبية التي ستنعكس أكثر على المواطنين من الطبقات الفقيرة والوسطى.

من خلال ما سبق، يتبين أن المجتمع المغربي لايزال أمام عقبة كبيرة لا تسمح له بتحقيق التنمية، نظرا لارتفاع نسبة الأمية وضعف نسبة الحريات والحقوق، بالإضافة إلى معضلة الفقر والفوارق الاجتماعية التي اتسعت أكثر في العقود الأخيرة بين أغنياء يزدادون غنى وفقراء يزدادون فقرا.

المغرب الآن أمام مفترق طرق، لا ينفع معه التردد أو التقاعس، ولا ردود الفعل الآنية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فالمسؤولية التاريخية على من بيدهم الأمر بالغة، وحق المواطنين في الحريات وفرص الشغل والعيش الكريم مطلب إنساني مستحق وملحّ.

ولرفع هذا التحدي يتعين أولا تغيير العقليات السائدة ، وثانيا اعتماد استراتيجية لإضعاف اقتصاد الريع ، ومن ثمة القضاء عليه من خلال هيكلة ديموقراطية لكل الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين، واعتماد سياسة الوسطية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. خلاف ذلك، فإن المغرب سيصل لا محالة إلى طريق مسدود.

صفوة القول إن ما يحتاجه المغرب في الوقت الراهن هو سياسة عقلانية وسطية، تراعي احتياجات الناس وتسعى للتخفيف عنهم، لا سيما أن الناس يشعرون بالاستياء العام لإدراكهم أن الدولة تتخلى عن دورها وعن مسؤولياتها وتركز دائما على خروجها من النشاط الاقتصادي.

ختاما أريد أن نستذكر معا بما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه صلاح المال في ثلاث ” أن يؤخذ من حق ويعطى في حق ويمنع من باطل”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News