![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … نعنذر عن جرأتنا في تناول هذا التحقيق الصحفي والذي لا نرمي من ورائه قصد شخص معين او مؤسسة معينة وإنما سنحاول من خلاله تقديم بعض المواقف الواضحة ولكن من دون تحويله إلى اتهام جماعي للمؤسسات أو للأثرياء. وذلك للجواب عن السؤال التالي : هل تسمح بنية القرار الاقتصادي والسياسي بتركيز النفوذ والثروة إلى درجة تؤثر في تكافؤ الفرص وفي استقلال القرار العمومي؟ دون التساؤل عن “هل الأوليغارشية تحكم المغرب؟”
وهذه نقطة مهمة لأن المغرب يتوفر فعلاً على مؤسسات يفترض أن تؤدي أدواراً رقابية، منها المجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة؛ وبالتالي فإن التحقيق يجب أن يسأل أيضاً عن مدى فعالية هذه المؤسسات ونتائج تدخلاتها، لا أن يفترض غيابها.
المؤسسات المغربية والأوليغارشية: من يضع القواعد؟ ومن يستفيد منها؟ حين تصبح قوة المال سؤالاً في وجه الدولة
هل تعمل المؤسسات المغربية دائماً بمنطق المصلحة العامة، أم أن قوة المال والنفوذ الاقتصادي تستطيع، في بعض الحالات، التأثير في اتجاهات القرار العمومي؟ فالسؤال حساس طبعا ، لكنه مشروع ، والأكثر حساسية منه هو سؤال آخر: هل تكفي القوانين والمؤسسات الموجودة فعلاً لضمان تكافؤ الفرص بين المواطن العادي والمقاولة الصغيرة من جهة، وبين أصحاب الثروة والنفوذ الاقتصادي من جهة أخرى؟
والأمر هنا لا يتعلق بإدانة رجال الأعمال لمجرد امتلاكهم الثروة، ولا بالقول إن الدولة المغربية واقعة تحت سيطرة «أوليغارشية» باعتبار ذلك حقيقة ثابتة. فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة دقيقة، وملفات محددة، ومسارات مالية وسياسية قابلة للتحقق ، لكن الصحافة لا تكتفي بما هو معلن ، فوظيفتها أيضاً أن تسأل: كيف تتوزع القوة؟ ومن يستفيد من القواعد؟ وهل تُطبق القواعد نفسها على الجميع؟
فالأوليغارشية ليست مجرد أغنياء ، الأوليغارشية، في معناها السياسي والاقتصادي، لا تعني ببساطة وجود أثرياء.
فوجود رجال أعمال كبار ومجموعات اقتصادية قوية أمر طبيعي في أي اقتصاد حديث ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثروة الاقتصادية إلى نفوذ سياسي أو مؤسساتي دائم، أو عندما يصبح القرب من مراكز القرار وسيلة للحصول على امتيازات لا يستطيع المنافس العادي الوصول إليها ، وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل يستطيع صاحب المشروع الصغير أن ينافس صاحب المجموعة الاقتصادية الكبرى بالشروط نفسها؟ هل يستطيع المستثمر الجديد دخول سوق تهيمن عليه مجموعات قوية؟ هل يستطيع مقاول صغير الوصول إلى الصفقات العمومية بنفس القدرة التي تملكها الشركات الكبرى؟ وهل يستطيع المواطن العادي مساءلة مؤسسة عمومية أو مسؤول قوي بالسهولة نفسها التي تستطيع بها مجموعة اقتصادية كبيرة الدفاع عن مصالحها بواسطة مستشارين ومحامين وشبكات علاقات واسعة؟ وهذه هي المنطقة التي تستحق التحقيق.
1. المال والسياسة: أين يبدأ تضارب المصالح؟
من أخطر الملفات التي ينبغي للصحافة المغربية أن تفتحها ، الأمر الذي بدأنا نرى بعض التساؤولات والاهتمامات القضائية المغربية ، بحكم استقلالية القضاء التي أصبح يتمتع بها القضاء في المغرب ، والتي والحمد لله أصبحنا نرى بوادرها الجادة التي أسفرت عن نتائج قيمة استحسنها المواطنون ومتتبعو الشأن المحلي والوطني والذي يتعلق بفساد في التسيير وتبديد المال العام و… فتحت حوله مساءلات كثيرة وبفضلها قطعت رؤوس فساد كبيرة أينعت وحان قطافها ، كما يتعلق الأمر بتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية.
ليس كل رجل أعمال يمارس السياسة فاسداً ، وليس كل سياسي له مصالح اقتصادية متورطاً في تضارب مصالح.
لكن الديمقراطية الحديثة تضع قواعد لتجنب الشبهة نفسها، لأن مجرد احتمال استفادة المسؤول من القرار الذي يشارك في صنعه يمكن أن يضرب الثقة في المؤسسات ، ولهذا يجب طرح أسئلة عملية:
هل توجد مصالح اقتصادية للمسؤول أو لعائلته أو للشركات المرتبطة به يمكن أن تتقاطع مع قراراته؟ هل توجد آليات فعالة للتحقق من حالات تضارب المصالح؟ هل التصريح بالممتلكات وحده كافٍ؟ من يراقب تضارب المصالح غير المباشر ؟ماذا يحدث عندما يكون القرار العمومي ذا أثر مباشر على قطاع يملك فيه مسؤول أو محيطه مصالح اقتصادية؟ هذه ليست أسئلة ضد الأشخاص ، إنها أسئلة لصالح المؤسسة.
2. الصفقات العمومية: السوق الأكبر الذي تدفعه الدولة
عندما تنفق الدولة المال العمومي، فإنها لا تنفق أموال مسؤول بعينه، وإنما أموال المجتمع ، ولهذا تصبح الصفقات العمومية واحدة من أهم المناطق التي يجب أن تخضع للتدقيق الصحفي.
والسؤال ليس فقط: هل أُعلن عن الصفقة؟ بل:من فاز بها؟ وكم شركة شاركت؟ ولماذا فازت الشركة نفسها مراراً؟ وهل كانت المنافسة حقيقية أم شكلية؟
وهناك فرق كبير بين شركة تفوز بعقد لأنها الأفضل من حيث السعر والجودة والخبرة، وبين شركة تجد نفسها باستمرار داخل دائرة المستفيدين من الإنفاق العمومي.
ولا يعني تكرار فوز شركة بالضرورة وجود مخالفة ، لكن النمط المتكرر يستحق التحقيق ، ومن هنا يمكن للصحافة أن تبني قاعدة بيانات تشمل: الجهة المتعاقدة ـ قيمة الصفقة ـ الشركات المتنافسة ـ الشركة الفائزة ـ المساهمون ـ أعضاء الإدارة ـ الصفقات السابقة ـ موضوع العقد ـ مدة التنفيذ ـ أي تعديلات لاحقة على العقد ، عندها يتحول التحقيق من رأي إلى قراءة في البيانات.
وتوجد بالفعل أبحاث حديثة درست إصلاحات الصفقات العمومية المغربية، ولفتت إلى مخاطر استراتيجية مرتبطة بطريقة تحديد الأسعار المرجعية، وهو ما يوضح أن نظام الصفقات يحتاج إلى دراسة تقنية دقيقة وليس فقط إلى مراقبة إدارية.
3. مجلس المنافسة: هل السوق مفتوح فعلاً للجميع؟
وجود مجلس للمنافسة لا يعني تلقائياً أن المنافسة مثالية ، لكن وجوده يوفر للصحافة مؤسسة يمكن الرجوع إلى قراراتها وتقاريرها وملفاتها ، فالمجلس مكلف بمراقبة الممارسات المنافية للمنافسة، ومنها الاتفاقات المنافية للمنافسة وإساءة استغلال الوضع المهيمن، كما يراقب عمليات التركيز الاقتصادي التي يمكن أن تؤثر في بنية الأسواق.
ومن هنا يمكن أن يتحول السؤال من:”هل توجد أوليغارشية؟” إلى سؤال أكثر قابلية للإثبات: ما القطاعات التي تعرف تركيزاً مرتفعاً؟ ومن يسيطر عليها؟ وهل يؤدي هذا التركيز إلى إضعاف المنافسة؟ ثم: هل يستفيد المستهلك من هذا الوضع أم يدفع ثمنه؟ … هذه أسئلة يمكن قياسها بالأرقام.
4. التركيز الاقتصادي: متى يصبح النجاح مشكلة؟
إذا نجحت شركة وأصبحت كبيرة، فهذا ليس جريمة ، بل إن الاقتصاد يحتاج إلى شركات قوية قادرة على الاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل.
لكن هناك فرقاً بين: شركة ناجحة وشركة أصبحت قوية إلى درجة تجعل دخول منافسين جدد إلى السوق شديد الصعوبة.
وهنا تظهر أهمية مراقبة التركيز الاقتصادي.
فالخطر الحقيقي ليس في حجم الشركة وحده، وإنما في قدرتها على التأثير في السوق أو في الموردين أو الموزعين أو الأسعار أو شروط الدخول إلى القطاع. ومن هنا يجب أن يسأل التحقيق عن القطاعات التي تتركز فيها الحصة السوقية في أيدي عدد محدود من الفاعلين، وعن أسباب ذلك، وعن أثره على المستهلك والمقاولات الصغيرة.
5. الدعم العمومي: هل يصل إلى من يحتاجه؟
الدولة تقدم دعماً واستثمارات وحوافز لمجموعة واسعة من القطاعات ، والدعم في حد ذاته ليس مشكلة ، المشكلة هي: من يحصل عليه؟ وما الشروط؟ وما النتائج؟ وهل يستفيد الاقتصاد الوطني فعلاً من كل درهم عمومي يُمنح لمقاولة أو قطاع؟ وهل تتم مراقبة النتائج بعد حصول المستفيد على الدعم؟
وهنا ينبغي أن ينتقل النقاش من: “كم من المال خصصت الدولة؟ إلى: “ماذا تحقق مقابل هذا المال؟ كم وظيفة دائمة أُحدثت؟ كم قيمة مضافة تحققت؟ كم من الشركات الصغيرة استفادت؟ كم مشروعاً استمر؟ وكم مشروعاً فشل؟
6. الدولة بين المستثمر الكبير والمقاول الصغير
هناك مفارقة تستحق البحث ، فالدولة تحتاج إلى المستثمرين الكبار ، لكن الاقتصاد يحتاج أيضاً إلى آلاف المقاولات الصغيرة والمتوسطة ، وإذا كانت القواعد والإجراءات والتمويل والصفقات والولوج إلى الأسواق مصممة عملياً بطريقة تجعل الكبير أكثر قدرة على الاستفادة من الفرص، فقد ينشأ اقتصاد ذو مستويين: اقتصاد للشركات القوية، واقتصاد آخر يحاول البقاء. وهنا لا يكون الخلل بالضرورة في قانون مكتوب فقد يكون الخلل في: التعقيد الإداري؛ صعوبة التمويل؛ ضعف الولوج إلى الصفقات؛ كلفة الضمانات؛ صعوبة دخول بعض الأسواق؛ العلاقات التجارية؛ القدرة على تحمل آجال الأداء؛ والقدرة على مواجهة المخاطر القانونية والإدارية ، وهذه عوامل قد تجعل المنافسة “قانونية” على الورق، لكنها غير متكافئة عملياً.
7. ماذا تفعل مؤسسات الرقابة؟
هنا يجب أن نكون منصفين ، فالمغرب لا يخلو من مؤسسات رقابة ، فالمجلس الأعلى للحسابات يضطلع بمراقبة المال العام وتقييم السياسات العمومية، وينشر تقارير تتضمن ملاحظات وتوصيات بشأن تدبير المؤسسات والبرامج العمومية.
لكن سؤالنا لا ينبغي أن يتوقف عند نشر التقرير. ، بل يجب أن نسأل ماذا يحدث بعد التقرير؟ كم توصية نُفذت؟ كم اختلالاً تمت معالجته؟ كم مسؤولاً تمت مساءلته عندما استدعى الأمر ذلك؟ هل تتحول الملاحظات الرقابية إلى إصلاحات فعلية؟
أم أن التقرير ينتهي بعد نشره، ثم تعود الأمور تدريجياً إلى سابق عهدها؟ وهنا تحديداً يمكن قياس قوة المؤسسة.
8. أخطر من الفساد: تطبيع النفوذ
الفساد الواضح يمكن اكتشافه ومتابعته ، لكن هناك ظاهرة أكثر تعقيداً أن يصبح النفوذ أمراً عادياً ، عندما يصبح الحصول على موعد، أو معلومة، أو فرصة استثمارية، أو صفقة، أو ترخيص، أسهل لمن يمتلك شبكة علاقات واسعة، فإن المشكلة لا تعود بالضرورة رشوة مباشرة. إنها تصبح مشكلة اختلال في تكافؤ الوصول إلى الدولة ، وهذا النوع من النفوذ يصعب قياسه ، لكنه يمكن أن يظهر في الشهادات والوثائق والأنماط المتكررة.
ولهذا يحتاج إلى صحافة استقصائية حقيقية تنبني على إمكانيات الحق في التزود بالمعلومة والشفافية …
9. هل المؤسسات خادمة للأوليغارشية؟
هنا يجب التوقف. بحيث لا توجد لحد الآن ، في المعطيات التي يمكن اعتمادها صحفياً، قاعدة تسمح لنا بإطلاق حكم شامل بأن “المؤسسات المغربية في خدمة الأوليغارشية” ، هذا سيكون تبسيطاً خطيراً ، لكن توجد أسئلة مشروعة حول مدى قدرة المال والنفوذ على التأثير في بعض القرارات والأسواق ، والتحقيق الجاد لا يحتاج إلى شعار ، ويحتاج إلى ملف ، شركة ، صفقة ، قانون ، قرار إداري ، مستفيد ، أرقام ، مسار زمني ، ثم مقارنة ، عندها يستطيع القارئ أن يحكم بنفسه.
10. الاختبار الحقيقي: هل القانون واحد للجميع؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في التحقيق كله ، فليس المطلوب أن تمنع الدولة نجاح الأغنياء ، وليس المطلوب أن تعاقب الشركات الناجحة لأنها أصبحت كبيرة ، بل المطلوب هو شيء أبسط وأعمق: أن تكون قواعد اللعبة واحدة ، أن يستطيع المقاول الصغير منافسة الكبير إذا كان منتوجه أفضل ، أن يحصل المستثمر الجديد على المعلومة نفسها التي يحصل عليها المستثمر القديم ، أن تكون الصفقة العمومية مفتوحة فعلاً للمنافسة ، أن يعاقب الاحتكار عندما يثبت ، أن تكون مراقبة المال العام فعالة ، وأن لا يتحول القرب من مراكز القرار إلى رأسمال اقتصادي أقوى من الكفاءة نفسها.
وكخلاصة لكل ما تم نقاشه يمكن إجماله في السؤال التالي : من يحكم السوق عندما تتداخل الثروة والنفوذ؟
فالمشكلة الحقيقية ليست وجود رجال أعمال أثرياء ، وليست في وجود شركات كبيرة ، وليست حتى في مشاركة رجال الأعمال في الحياة السياسية ، بل المشكلة تبدأ عندما يصبح النفوذ الاقتصادي قادراً على إنتاج نفوذ سياسي، ثم يتحول النفوذ السياسي بدوره إلى وسيلة لإنتاج مزيد من القوة الاقتصادية ، وعند هذه النقطة تظهر الحلقة الخطيرة المكونة مما يلي :الثروة ، النفوذ ، القرار ، الامتياز ، مزيد من الثروة. وهنا تصبح وظيفة الصحافة هي كسر الغموض ، ليس بتوجيه الاتهام إلى الجميع، وإنما بتتبع المال والقرارات والصفقات والمصالح والعلاقات والنتائج ، لأن السؤال في النهاية ليس:”من هو الغني؟” بل: هل يستطيع الغني شراء نفوذ لا يستطيع المواطن العادي شراءه ؟ وليس: هل توجد شركات قوية؟ بل: “هل يستطيع منافس جديد دخول السوق بالشروط نفسها؟” وليس:”هل توجد مؤسسات للرقابة؟”
بل:”هل تستطيع هذه المؤسسات أن تجعل الأقوياء يخضعون للقواعد نفسها التي يخضع لها الأضعف؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الدولة تحمي اقتصاد السوق ، أما إذا كانت الإجابة لا، فإن المشكلة لا تعود مشكلة بعض رجال الأعمال فقط ، فإنها تصبح مشكلة بنيوية في العلاقة بين المال والسلطة والمؤسسات…
ولهذا كان لابد مع ما يحدث في البلاد من مواقف تدعو للتساؤل أن يدفع بنا الفضول إلى معرفة حقائق أساسية ومصيرية لنجمل هذه التساؤلات فيما يلي : هل تسمح بنية القرار الاقتصادي والسياسي في بلدنا العزيز المغرب ، بتركيز النفوذ والثروة إلى درجة تؤثر في تكافؤ الفرص وفي استقلال القرار العمومي؟
وهنا تحديداً يبدأ التحقيق الموضوعي ، الواقعي والجاد ، بحيث من أجل إثبات ذلك أو نفيه، لا نحتاج إلى الشعارات… بل إلى الوثائق والأرقام والصفقات والقرارات… فمن أين لنا هذا حتى نعرف من أين لهم هذا ؟ … وللحديث بقية …









