أوروبا تُعلّق أزماتها على شماعة المهاجرين.. هل أصبح الأجنبي كبش فداء؟

إدارة الموقع19 أكتوبر 2026Last Update :
أوروبا تُعلّق أزماتها على شماعة المهاجرين.. هل أصبح الأجنبي كبش فداء؟

Loading

جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا

 

بقية الموضوع … تمر القارة الأوروبية بمنعطف اقتصادي واجتماعي حرج يتسم بتصاعد غير مسبوق في الاحتقان الشعبي. وتواجه الحكومات معادلة معقدة بين الاستجابة للمطالب المعيشية الملحة والالتزام بالانضباط المالي في ظل تضخم أعباء الدين العام. تتجلى هذه الأزمة في شوارع عدد من المدن الأوروبية، لم يعد الحديث عن غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف السكن وصعوبة الحصول على الخدمات العمومية منفصلًا عن النقاش المتصاعد حول الهجرة.

فكلما اشتدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، عاد ملف المهاجرين إلى الواجهة، وأصبح موضوعًا حاضرًا بقوة في خطابات سياسية تسعى إلى إقناع المواطنين بأن جزءًا من معاناتهم مرتبط بتوافد الأجانب.
لكن، هل المهاجرون فعلًا هم المسؤولون عن الأزمات التي تعيشها أوروبا، أم أن بعض الأطراف السياسية وجدت فيهم شماعة سهلة لتعليق إخفاقات السياسات العمومية عليها؟
لا شك أن الهجرة تطرح تحديات حقيقية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بضبط الحدود، وتنظيم الإقامة، وتوفير السكن وفرص الشغل، وضمان قدرة المدارس والمستشفيات والخدمات الاجتماعية على الاستجابة لحاجيات السكان. كما أن سوء تدبير ملف الهجرة قد يفاقم التوترات داخل بعض المجتمعات، وهو ما يستدعي حلولًا واقعية لا مجرد شعارات سياسية.
غير أن اختزال أزمات أوروبا في وجود المهاجرين يبدو تبسيطًا لمشكلات أكثر تعقيدًا. فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمة السكن، والتفاوت في الأجور، والضغوط التي تواجهها الميزانيات العمومية، كلها قضايا ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية واختيارات سياسية لا يمكن تحميل مسؤوليتها لفئة واحدة من السكان.
ثم إن المهاجر ليس مجرد رقم في إحصائيات الحدود، ولا شخصًا يبحث بالضرورة عن الاستفادة من المساعدات الاجتماعية. فكثير من المهاجرين يشتغلون في قطاعات تحتاج إلى اليد العاملة، ويساهمون في الإنتاج ودفع الضرائب وتمويل أنظمة الحماية الاجتماعية. وفي المقابل، قد تواجه فئات أخرى صعوبات في الاندماج أو الحصول على عمل مستقر، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى سياسات واضحة توازن بين متطلبات الاقتصاد وحقوق الإنسان واحترام القانون.
وتبرز هنا مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لبعض الاقتصادات الأوروبية أن تحتاج إلى العمال في قطاعات الصحة والبناء والفلاحة والرعاية، بينما تتصاعد في الوقت نفسه خطابات تطالب بتشديد القيود على الهجرة؟ أليس من الضروري أن يكون النقاش أكثر واقعية، وأن يميز بين الهجرة النظامية وغير النظامية، وبين حاجات سوق العمل وإمكانات استقبال الوافدين؟
إن المواطن الأوروبي الذي يكافح لتأمين سكن لأسرته، أو يجد صعوبة في تحمل نفقات المعيشة، من حقه أن يطالب حكومته بتقديم أجوبة واضحة. لكن من حق المهاجر أيضًا ألا يتحول إلى متهم جماعي، وألا يُحمّل مسؤولية قرارات لم يشارك في صنعها.
المشكلة ليست في مناقشة الهجرة، بل في استخدامها أحيانًا لصرف الأنظار عن الأسئلة الأصعب: من المسؤول عن ارتفاع تكاليف المعيشة؟ ولماذا يعاني مواطنون من صعوبة الحصول على السكن؟ وكيف تُدبّر الثروات والميزانيات العمومية؟ وما مدى نجاعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية؟
إن معالجة الهجرة لا تكون بالشعارات ولا بتغذية الخوف من الآخر، كما أن الدفاع عن حقوق المهاجرين لا يعني تجاهل مخاوف المواطنين أو التقليل من التحديات التي تواجه المجتمعات المستقبلة. المطلوب هو سياسة عادلة، تضبط الهجرة وتحترم القانون، وتضمن الإدماج لمن تتوفر فيهم شروطه، وتعالج في الوقت نفسه جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
فأوروبا، التي راكمت تجارب طويلة في بناء المؤسسات وتدبير الاقتصاد، مطالبة اليوم بأن تواجه مشكلاتها بقدر أكبر من الصراحة والمسؤولية. لأن تحميل المهاجرين وحدهم فاتورة الأزمات لن يحل مشكلة السكن، ولن يخفض الأسعار، ولن يحسن الخدمات العمومية ما لم تُعالج الأسباب الحقيقية لهذه الاختلالات.
في النهاية، قد يكون المهاجر جزءًا من النقاش حول مستقبل أوروبا، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى كبش فداء لكل ما تعجز السياسات العمومية عن إصلاحه. فالمجتمعات لا تتقدم بالبحث عن متهم جاهز، وإنما بمواجهة الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وإيجاد حلول تحفظ كرامة الإنسان وحقوق المواطنين معًا.
كما أن الدول الأوروبية التي عاشت لحظات طويلة من تكريس المفهوم الاستعماري على العديد من بقاع الأرض وخاصة لإفريقيا والشرق الأوسط ودول الخليج والهند وغيرها من الدول التي عانت من استبداد هذه الدول الاستعمارية واستغلال ثرواتها بشكل أناني وجشع ، نجدها تتخذ سياسة عود الثقاب الذي تظهر شغفها ورغبتها في استعماله ثم بعد قضاء حاجتها منه ترمي به في القمامة ليكون مصيره مطرح النفايات ، وكذلك الامر بالنسبة للسيجارة التي يتحمسون للانتشاء بشرب دخانها ثم بعد ذلك ترمي ببقاياها تحت الأقدام لتسحقها وتمسح آثارها دون الاعتراف بما قدمته لها من لحظات سعادة وانتشاء بطعم الحياة الرغيدة … وللحديث بقية …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News