النقل الحضري بين حسابات الشركة وحقوق المواطنين.. هل تتحول حافلات ألزا إلى وسيلة لتعميق عزلة مديونة وتيط مليل؟

إدارة الموقع31 أكتوبر 2026Last Update :
النقل الحضري بين حسابات الشركة وحقوق المواطنين.. هل تتحول حافلات ألزا إلى وسيلة لتعميق عزلة مديونة وتيط مليل؟

Loading

جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا

 

بقية الحديث … تعرف ساكنة مديونة وتيط مليل والأحياء المجاورة رجة شعبية عارمة تعبر من خلالها عن رفض حذف خطوط حيوية، وتطالب بمراجعة قرارات النقل الحضري بما يضمن حق التلاميذ والعمال والمرضى في التنقل …
لهذا فإن موضوع النقل الحضري بالنسبة لساكنة مديونة وتيط مليل والأحياء المجاورة ، لم مجرد نقاش حول خطوط الحافلات أو توقيت انطلاقها، بل أصبح قضية يومية تمس تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية لآلاف الأسر التي تعتمد على هذه الوسيلة للوصول إلى مقرات العمل، والمؤسسات التعليمية، والمرافق الصحية والإدارات العمومية.
ففي الوقت الذي تتجه فيه شركة ألزا للنقل الحضري، بحسب ما تم الإعلان عنه بشأن برنامجها الجديد، إلى إدخال تغييرات على عدد من الخطوط الرابطة بين الدار البيضاء ومحيطها، بدأت أصوات من الساكنة تعبر عن استيائها ورفضها لبعض هذه التغييرات، التي ترى فيها مساسا بمصالحها اليومية، خصوصا في المناطق التي لا تزال تعاني من ضعف الربط بوسائل النقل العمومي.
ومن بين القرارات التي أثارت هذا الاستياء، الحديث عن حذف الخط رقم 120، الذي يربط مديونة وتيط مليل بعدد من الأحياء والمناطق في اتجاه مركز المدينة. وهو خط لا يمثل بالنسبة إلى مستعمليه مجرد حافلة عادية، بل يشكل شريانا حيويا تعتمد عليه فئات واسعة من المواطنين، وفي مقدمتهم التلاميذ والطلبة والعمال والموظفون والمرضى ومرافقوهم.
عندما يصبح حذف خط للحافلات عبئا على أسرة بأكملها
قد يبدو تغيير مسار حافلة أو حذف خط من شبكة النقل قرارا تقنيا عاديا من وجهة نظر الجهة المشرفة على تدبير القطاع، لكن الأمر يختلف تماما بالنسبة إلى مواطن يبدأ يومه باكرا من أجل الوصول إلى عمله، أو تلميذ يضطر إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مؤسسته التعليمية، أو مريض يحتاج إلى وسيلة نقل ميسرة للوصول إلى المستشفى.
فبالنسبة إلى هذه الفئات، لا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في خريطة النقل، وإنما بتكاليف إضافية ووقت ضائع ومجهود يومي قد ينعكس على ظروف العيش والاستقرار الأسري.
وتزداد حدة هذه الإشكالية في مناطق مثل مديونة وتيط مليل وحي الرياض التابع لجماعة سيدي حجاج واد حصار، وغيرها من التجمعات السكنية التي عرفت توسعا عمرانيا وديمغرافيا مهما خلال السنوات الأخيرة، في سياق عمليات إعادة الإسكان التي باشرتها الدولة، وما رافقها من انتقال آلاف الأسر من مناطق كانت تعرف الهشاشة إلى أحياء وتجمعات سكنية جديدة.
غير أن توفير السكن، على أهميته، لا يكتمل بمجرد تسليم المفاتيح أو تشييد العمارات، بل يحتاج إلى بنية تحتية وخدمات عمومية موازية، وفي مقدمتها النقل الحضري، حتى لا يجد المواطن نفسه أمام واقع جديد يتمثل في امتلاك مسكن دون توفر الوسائل الكافية للوصول إلى العمل والدراسة والعلاج.
تنمية عمرانية لا ينبغي أن تتحول إلى عزلة اجتماعية
لقد قطع المغرب خلال السنوات الأخيرة أشواطا مهمة في مجال التأهيل الحضري ومحاربة السكن غير اللائق، وأصبحت العديد من المدن والأقاليم تعرف أوراشا تنموية واسعة، استعدادا لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز مكانة المملكة في احتضان التظاهرات الدولية والرياضية والسياسية الكبرى.
لكن نجاح هذه الأوراش لا يقاس فقط بجمالية الطرق والمنشآت والمرافق الكبرى، بل كذلك بمدى انعكاسها الإيجابي على الحياة اليومية للمواطنين، بمن فيهم سكان المناطق الواقعة على أطراف المدن.
فليس من المنطقي أن تتوسع التجمعات السكنية، وترتفع أعداد السكان، وتتزايد حاجياتهم إلى التنقل، بينما يجدون أنفسهم أمام شبكة نقل لا تواكب هذا التوسع، أو أمام قرارات قد تؤدي إلى تقليص الخيارات المتاحة أمامهم.
إن التنمية الحقيقية لا تعني بناء الأحياء فقط، وإنما ضمان ارتباطها بمراكز الشغل والتعليم والصحة والخدمات، حتى لا تتحول إلى تجمعات سكنية معزولة عن الدورة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.
من يتحمل مسؤولية حماية المصلحة العامة؟
إن شركة ألزا، باعتبارها فاعلا مكلفا بتدبير جانب من خدمات النقل الحضري، مطالبة بتوضيح الأسس والمعايير التي اعتمدتها في إعداد برنامجها الجديد، والكشف عن الدراسات التي استندت إليها في مراجعة الخطوط والمسارات، ومدى أخذها بعين الاعتبار حاجيات المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة والمناطق التي تعاني أصلا من محدودية وسائل النقل.
كما أن الجهات المنتخبة والمؤسسات المعنية بتدبير القطاع مطالبة بدورها بالإنصات إلى نبض الشارع، وعدم التعامل مع شكاوى المواطنين باعتبارها مجرد ردود فعل عابرة، لأن النقل العمومي خدمة أساسية ترتبط بحقوق المواطنين وبمبدأ تكافؤ الفرص المجالية.
وإذا كانت للشركة اعتبارات تقنية أو اقتصادية تبرر مراجعة بعض الخطوط، فإن ذلك لا ينبغي أن يتم على حساب الفئات التي لا تملك بدائل حقيقية للتنقل، بل يتعين أن تواكبه حلول عملية، من قبيل تعزيز عدد الحافلات، أو إحداث خطوط بديلة، أو توفير رحلات مباشرة تربط المناطق المتضررة بالمراكز الحيوية.
أسئلة تنتظر أجوبة واضحة
أمام هذا الوضع، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق جوابا صريحا من الجهات المعنية:
هل أُنجزت دراسة ميدانية حول عدد مستعملي الخط 120 وحاجياتهم اليومية قبل التفكير في حذفه؟
هل جرى التشاور مع ممثلي الساكنة والهيئات المنتخبة بشأن هذه التغييرات؟
ما البدائل التي ستوفرها الشركة للتلاميذ والطلبة والعمال والمرضى؟
هل تتناسب شبكة النقل الجديدة مع التوسع العمراني والسكاني الذي عرفته مديونة وتيط مليل والمناطق المجاورة؟
ومن يضمن ألا تتحول إعادة تنظيم النقل الحضري إلى عبء إضافي على الأسر محدودة الدخل؟
المواطن لا يطلب امتيازا.. بل خدمة تحفظ كرامته
في نهاية المطاف، لا تطالب ساكنة مديونة وتيط مليل وحي الرياض وشمس المدينة وغيرها من المناطق المحيطة بالدار البيضاء بامتيازات استثنائية، ولا تبحث عن معاملة تفضيلية، وإنما تطالب بحق بسيط وأساسي: أن تجد وسيلة نقل عمومية تمكنها من الوصول إلى عملها ومدرستها ومستشفاها في ظروف معقولة تحفظ كرامتها وتصون مصالح أبنائها.
فالمدن لا تقاس فقط بما تشيده من بنايات وطرق، وإنما أيضا بمدى قدرتها على ضمان تنقل سكانها وربط أحيائها بعضها ببعض، دون تمييز بين من يسكن في مركز المدينة ومن اختار أو اضطر إلى الاستقرار في أطرافها.
وإذا كانت التنمية مشروع دولة ومجتمعا، فإن نجاحها يقتضي انسجام قرارات مختلف المتدخلين مع حاجيات المواطنين وانتظاراتهم، لا أن يجد المواطن نفسه مضطرا إلى دفع ثمن اختلالات التدبير أو غياب التنسيق.
إن حذف خط حافلات قد يبدو قرارا إداريا بسيطا، لكنه بالنسبة إلى آلاف الأسر قد يعني تأخرا عن العمل، أو انقطاعا عن الدراسة، أو صعوبة في الوصول إلى العلاج. ولذلك، فإن ملف النقل الحضري بمديونة وتيط مليل لم يعد مجرد قضية حافلات، بل أصبح قضية كرامة وحق في التنقل وعدالة مجالية… فهل من مسؤول يحفظ للمواطنين كرامتهم وحقهم في توفير ما يطمئن راحة بالهم ويحقق رغباتهم ومتطلباتهم وتطلعاتهم بتوفير شروط العيش الكريم بهذا الإقليم وخاصة وسائل النقل التي تساهم في فك العزلة عن هذه المناطق وساكنتها ؟ … وللحديث بقية …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News