“إسلامية” و”ليبرالية” الدولة

إدارة الموقع2 نوفمبر 2021Last Update :
“إسلامية” و”ليبرالية” الدولة

Loading

جريدة النشرة : عبدالجليل أبوالمجد

ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع  وبهذا العنوان: (“إسلامية” و”ليبرالية” الدولة)، هو ما صرح به أحد السياسيين المغاربة في ندوة صحفية خلال لقائه مع رئيس الحكومة غداة مشاوراته السياسية  بأن المغرب انتقل من ” مشروع دولة إسلامية إلى مشروع دولة مجتمعية ليبرالية”.

 قبل الخوض في صلب الموضوع ، لابد من التذكير باختصار وبساطة، أن الليبرالية مصطلح لا يمت لا للثقافة العربية ولا للإسلام بصلة. فالليبرالية فكرة غربية كبقية الأفكار والنظريات الوضعية التي تعد حصيلة ما وصلت إليه العبقرية البشرية في العصر الحديث.

وهذه النظرية الغربية انتقلت إلى العالم العربي عن طريق مصر، أثناء الحملة الفرنسية التي قام بها نابليون في الفترة (1789-1801)، ومن مصر انتقلت إلى باقي الدول العربية، نظرا  لما  كانت تمثله  مصر من ثقل ثقافي وسياسي في العالمين العربي والإسلامي.

ومن المعروف أن الليبرالية حركة فكرية متجددة اختلفت من عصر إلى عصر، ومن مفكر إلى آخر، ومن بلد إلى بلد، حتى قيل أن “الليبرالية أيديولوجية قابلة للتأويل ولها مائة وجه”، إلا أن ثمة منظورا عالميا سائدا يربط الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية بالمنظومة الليبرالية، وأبرز هذه الأبعاد:

-في المجال السياسي تعزيز سيادة القانون وسلطته واحترام العملية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة وحقوق الأقليات وحقوق المرأة…الخ.

-في المجال الاقتصادي تعزيز القطاع الخاص والملكية الفردية والخوصصة، وإن كان هنالك خلاف كبير حول حدود مدى تدخل الدولة في السوق وآلياتها وحول السياسات الاجتماعية.

-في المجال الثقافي تقوم الليبرالية على احترام التعددية الثقافية والدينية والتأكيد على مفهوم حرية المعتقد الذي يعد من صميم الحريات الفردية.

وبغض النظر عن مراحل تشكل الليبرالية في معقلها الغربي وما ابتغته في كل مرحلة، وبغض النظر أيضا عن التجاوزات الأخلاقية التي رافقت بعض مراحلها، فإن الليبرالية  لا تعني “الحرية المطلقة التي تبيح كل شيء”  فهي ليست التفسخ ونشر الرذائل والانحلال ومعاداة الدين ومظاهره، وإنما الليبرالية الحقة (ألمانيا، بريطانيا، النرويج، السويد….) تدعو إلى عدم الإساءة للدين أو توظيفه في السياسة ومصادرة حقوق الناس باسم الدين.

مما سبق يتبين أن الليبرالية هي في جوهرها دعوة للحرية الفردية ولتكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع، كما تقوم في الممارسة على سيادة القانون والمواطنة وسن دساتير تقيد من سلطة الحكام.

في السياق المغربي، غالبا ما تستخدم كلمة “ليبرالي” للدلالة على الأشخاص الذين لا يرتاحون لليســار  ولا يحبون الإسلام السياسي. وعلى غرار تيار الإسلام السياسي الذي يقوم باستغلال الدين الإسلامي الحنيف وركوب صهوته من أجل الوصول لأهدافه  فقط،  فالتيار الليبرالي يستقوي هو الآخر بالتقرب من السلطة ودوائر صنع القرار.

والملاحظ في هذا السياق أن ما يسمى بالليبراليين المغاربة اختاروا الطريق السهل للوصول إلى دائرة صنع القرار، باعتمادهم خطاب الاقتصاد والأعمال وتجنبهم الخوض في القضايا السياسية  الكبرى كحرية التعبير والرأي وحقوق المواطنة الكاملة.

وهكذا يستشف أن “النخبة الاقتصادية الليبرالية المغربية” تحصر الليبرالية في الجزء الاقتصادي دون الجانب السياسي،  بهدف خدمة أجندات ومصالح خاصة دون متاعب مع الدولة.

كما أن  التيار الليبرالي  في المغرب لم يستطع تكوين وتنفيذ خطاب تنموي للبورجوازية الوطنية يمكن أن يشكل رافعة اجتماعية ونموذجا تنمويا، بل بقيت مقتصرة في أهدافها على المضاربات وتحقيق المكاسب والمنافع. ومآل ذلك في النهاية هو تعميق الأزمة  بالمغرب على مختلف الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي ضوء ما سبق نخلص إلى أن التيار الليبرالي الوطني التقدمي المتضامن لم يتبلور بعد في المغرب، ومازال يعانى من التشتت والتناقض وغياب الرؤية التي تتوافق مع معطيات الواقع. وكل ماهناك  في الوقت الراهن مجموعة من مدعي الليبرالية  المشوهة.

وفي ظل هذه الأجواء العصيبة التي يعيشها المجتمع  المغربي والتي يتعرض فيها للطعن في مقدساته وثوابته من قبل بعض أشباه السياسيين والمثقفين، يتوجب على كل مغربي غيور على دينه ووطنه أن يتمسك بثوابت الأمة، وعلى رأسها الإسلام ،كما عليه أن يتمسك  أيضا بالأمل في غد أفضل.

وخلاصة الأمر إن فشل ما يطلق عليه بالإسلام السياسي في المغرب لا يعني ذلك بتاتا نهاية الدين في المجتمع . فالإسلام أكبر وأشمل وأسمى من كل أنواع الإيديولوجيات السياسية، بما فيها إيديولوجيات الحركات الإسلامية المسيسة للدين والمسيئة له. فالإسلام سيبقى عمق هوية الشعب المغربي وأساس الدولة المغربية، أحب من أحب وكره من كره.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News