![]()
جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … يبدو أن أوراق الرئيس الفرنسي قد تبعثرت تماما بخصوص الهجومات الإرهابية التي حدثت بمدينة نيس مؤخرا والتي نسبها للإسلاميين في تصريحات قام بها في لقاء له مع الصحافة الفرنسية والدولية يوم أمس الخميس ، ناسبا هذه الأحداث كلها لمن أسماهم بالإسلاميين صابا جام غضبه على المسلمين الذين يبدو أنهم أدخلوا في قلبه الرعب وجعلوه لا يركز في هذه الأيام الأخيرة فيما يصرح به من مواقف واعترافات خطيرة بدأت تطفو من خلالها عنصريته وحقده على المسلمين ليتبين من مواقفه الصبيانية هذه والتي لا ترتكز على أي أساس من الصحة والعقلانية ، مما دفع بالعديد من الشخصيات السياسية الكبيرة وعلى رأسها طيب أردوغان رئيس الدولة التركية إلى التشكيك في رجاحة عقله وطالبه بعرض نفسه على أخصائيين للتأكد من وضعية صحته العقلية ، ناهيك عما تحولت إليه الساحة السياسية الفرنسية من انقسام واضح في تضارب المواقف بين مناصر للرئيس الفرنسي ومعارضيه الذين وصفوه بالعنصرية ، مما جعله يخرج في مدينة نيس البارحة بتصريحات تؤكد تشبثه برأيه في اتهام المسلمين بالقيام بعمليات إرهابية لتصفية الكاتوليك الفرنسيين وتعهده بحماية هؤلاء والدفاع عنهم وضمان أمنهم واستمرارية قيامهم بطقوسهم الدينية بطريقة اعتيادية بتسخير عناصر الشرطة والجيش للقيام بعملية تأمين الأجواء وضمان الحماية لهم ، واعتبر الهجوم عليهم هجوما على الدولة الفرنسية . وقد تسببت سلاطة لسان الرئيس الفرنسي وتسرعه في اتخاد القرارات إلى انشطار الرأي العام الفرنسي والمؤسسات الحزبية وغيرها إلى توسيع الهوة بين أتباعه ومعارضيه مما جعله يخاف من حدوث انشقاقات تحت سقف حلفائه الداخليين والأوروبيين ، بحيث عبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن عدم قبولها لفحوى تصريحات ماكرون المتضمنه لخطاب عنصري مستهدف ، بقولها أنه لا يحق له الضرب في حرية المعتقدات ومعاداة أصحابها ، خاصة وأن القيم التي تنبني عليها الجمهورية الفرنسية تنادي بالحرية والوحدة والأخوة مما يوجب عليه احترام هذه الأسس والعمل بها وتحقيقها على أرض الواقع وليس اتخاذها كشعار ترفعه فرنسا متى شاءت ورأته متماشيا مع إيديولوجياتها ومصالحها الشخصية ، وتقوم باجتناب مضامينه كلما رأت ذلك يهدد مصالحها ولا يسير وفق مخططاتها الاستعمارية الجشعة .
لكن ما زاد من منسوب مياه الحوض الصرف الصحي الذي وجد ماكرون نفسه يغرق في أعماقه هو تصريحات النائب العام الفرنسي الذي أكد أن الشخص الذي قام بالعملية الإرهابية قرب كنيسة بمدينة نيس ، والتي ذهب ضحيتها ثلاثة مواطنين فرنسيين ، والتي أثار حولها الرئيس الفرنسي وأتباعه الملوثون ضجة إعلامية كبيرة بنسبها لشاب إرهابي مسلم ، وأراد الركوب عليها ومحاولة مسح أخطائه الفادحة التي ارتكبها من أصحاب الصدريات الصفراء ” جلي جون ” وخاصة أن الوكيل العام المذكور صرح بكل ثقة وصدق أن مرتكب العملية الإجرامية بأفينيون لم يكن يردد عبارة ” لا إله إلا الله محمد رسول الله ” وإنما كان مواطنا فرنسيا أقدم على هذه الجريمة إقدام مختل عقليا ، ولا علاقة له بعمل إرهابي إسلامي كما تم الترويج له بل ينتمي إلى اليمين المتطرف ويرتدي قميصا يدل على ذلك ، كما ذكر السيد الوكيل العام أن الجاني ليس منتميا لجهة إرهابية ، مما يوضح النوايا الخبيثة للرئيس ماكرون في محاولة طمس معالم الجرائم الإرهابية هذه وإلباسها للأبرياء وتلفيقها لهم ، وخاصة المسلمين الذين يكن لهم الحقد الدفين نظرا لأن معتقداتها لا ترقى إلى ما ينادي به دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين الحق ودين الإنسانية ، ليحاول الرئيس الفرنسي وزبانيته تعليق فشلهم على كل ما يمت للإسلام بصلة وكذلك ليجد مبررا للأوضاع المزرية التي تمر بها سياسته غير المجدية وخاصة مع المشاكل الخطيرة التي جعلته وبلاده في مأزق بسبب انفلات الوباء وخروجه عن السيطرة والذي أدى إلى تفاقم اقتصادي كبير وواضح وكساد تجاري وصناعي شبه عام وعجز في الميزان الاقتصادي والمبادلات وتراجع قوي في بورصة القيم ، وتدني المستوى المعيشي عند المواطنين الذين أصبحوا يعانون من البطالة المتزايدة في ظل الجائحة بالإضافة إلى مشاكل اجتماعية أخرى متنوعة وعديدة ، الأمر الذي جعل الرئيس الفرنسي الغارق يحاول التمسك بقشة ليس باستطاعتها حمل نملة حتى ‘ في هذه الأجواء العاصفية التي تعصف به ولا تترك له فرصة للنجاة من الغرق . لهذا فهناك العديد من الأسئلة المصيرية التي تتسارع إلى الذهن بخصوص مصير الحياة السياسية لماكرون والتي بدأت تظهر معالمها المبشرة بنهايته البئيسة التعيسة والتي يحاول اللعب بالورقة الانتخابية الأخيرة في حملة انتخابية قبل الاوان باستغلال هكذا مواقف ، ومن يدري إن كانت حقيقية او مصطنعة لتضليل الراي العام الفرنسي وإيهامه وكسب ثقته، هذه النهاية الخاصة به إن لم نربطها بنهاية قوة ومكانة الجمهورية الفرنسية التي كان سكينها لا يقطع إلا الحلوى وشوكتها لا تنغرس إلا في قطع اللحم والكفتة ، وفمها لا يتلقف إلا ما لذ وطاب في كل يسر بعيدا عن العناء والعذاب … فكما تجني يجنى عليك ، واليوم طغيان وجبروت وغدا أمر قد يعود بك إلى الحضيض … وللحديث بقية .









