سبتة تتحول إلى سجن مفتوح للقاصرين المغاربة؟ وضع يحمل أكثر من معنى …

إدارة الموقعساعتين agoLast Update :
سبتة تتحول إلى سجن مفتوح للقاصرين المغاربة؟ وضع يحمل أكثر من معنى …

Loading

جريدة النشرة : عبذ اللطيف سيفيا

 

إن وضعية الأطفال القاصرين والفتيات القاصرات في شوارع سبتة المحتلة والتي قصدوها خلال الاسبوع الماضي والتي يعيشون فيها منذ دخولهم إليها ويعيشون بها بين غياب المأوى ومخاطر الاستغلال يدرج مشكلا عويصا وكبيرا أمام الرأي العام الدولي ويجعل أوروبا أمام اختبار حقيقي في حقوق الإنسان فعلا ، بعيدا عن الميتافيزيقا التي ينادون بها في كل وقت وحين دون تفعيل وتمكين . فأينكم يا دعاة حقوق الانسان والسفسطة الباطلة والمعاكسة لحقوق الانسان و التي لا تعرف منطقا بل تعتمد فقط على التضليل وإثبات أشياء أخرى غير الحق؟
فأزمة المهاجرين المغاربة في مدينة سبتة المحتلة لم تعد مجرد قضية مرتبطة بالهجرة غير النظامية أو بأمن الحدود فقط ، بل تحولت إلى أزمة إنسانية تثير أسئلة خطيرة حول مدى قدرة السلطات الإسبانية على حماية الأشخاص الأكثر هشاشة، وفي مقدمتهم الأطفال والقاصرات غير المصحوبين.
فبعد موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة أواخر يوليوز، بقي مئات القاصرين في المدينة، بينما وجدت مراكز الاستقبال نفسها عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة. وأكدت منظمات إغاثة أن أطفالاً اضطروا إلى النوم في الشوارع وفي أماكن غير مهيأة للسكن، وسط مخاطر متزايدة للتعرض للعنف والاستغلال والاتجار بالبشر.
أطفال بلا مأوى… فمن يتحمل المسؤولية؟
المفارقة الصارخة أن هؤلاء الأشخاص، حتى عندما يكون دخولهم إلى الأراضي الإسبانية غير نظامي، لا يفقدون حقهم في الحماية الإنسانية، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بقاصرين.
وقد طالبت منظمة Save the Children السلطات الإسبانية بتوفير أماكن إقامة آمنة وضمان عدم ترك أي طفل دون حماية أو دعم. كما حذرت المنظمة من المخاطر الإضافية التي تواجهها الفتيات، بما فيها العنف والاتجار والاستغلال.
وتزداد خطورة الوضع عندما يصبح الطفل مضطراً للنوم في الشارع أو في أقبية وقنوات تحت أرضية أو في المقابر أو في أماكن مؤقتة، ووسط الأزبال والنفايات المختلفة التي تهدد سلامتهم الصحية ،  بعيداً عن الرقابة والحماية الاجتماعية.
وقد وثقت تقارير صحفية بالفعل حالات لقاصرين مغاربة اضطروا إلى البحث عن أماكن للنوم خارج مراكز الإيواء، فيما فتح بعض سكان سبتة منازلهم لمساعدة الأطفال والمهاجرين الذين لم يجدوا مكاناً يأوون إليه ، في حين التجأ آخرون من استغلال وضعية هؤلاء الاطفال ليكرسوا عليهم عنصريتهم بالعديد من أنواع التعنيف اللفظي والجسدي والاحتقار والدونية على متناسين ما قدمه لهم المغاربة قبل عقود من الزمن  ،بعد أن دافعوا ععنهم باستماتة ضد العنصرية الألمانية التي عاشوها في عهد النازية وزعيمها أدولف هتلر  ، ناهيك عن العنصرية المحلية التي شاهدوها في عهد فرانكو … وليس الأمس ببعيد .
أزمة استيعاب أم إخفاق في حماية الأطفال؟
تقول السلطات المحلية إن حجم التدفق فاق قدرة المدينة الصغيرة على الاستيعاب، وإن مراكز استقبال القاصرين تعرضت لضغط غير مسبوق.
وهذا عنصر لا ينبغي تجاهله في أي تحقيق مهني؛ إذ إن الأزمة لم تنشأ في فراغ. فقد شهدت سبتة في نهاية يوليوز تدفقاً استثنائياً للمهاجرين، وأعلنت سلطاتها أن مرافق الاستقبال أصبحت عاجزة عن مواكبة الأعداد. وكانت السلطات قد حذرت قبل ذلك من اكتظاظ شديد في مرافق القاصرين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ، هل يمكن أن يكون اكتظاظ مراكز الإيواء مبرراً لترك الأطفال في الشوارع؟
وإذا كانت القدرة الاستيعابية المحلية محدودة، فلماذا لا يتم نقل القاصرين بصورة عاجلة إلى مراكز استقبال أخرى داخل إسبانيا؟ في حين أن إسبانيا ، ولامر في نية الذئب ، قامت بنقل أفارقة جنوب الصحراء إلى مراكز داخل إسبانيا ووفرت لهم مستلزمات العيش من مأكل ومشرب وألبسة وغير ذلك ، في حين أنها عاملت المغاربة بكل ازدراء وتركتهم عرضة للتعسف الأمني والشعبي الذي أخذ البادرة محل السلطة في إذاقة الأطفال ذكورا وإناتا مرارة التعذيب وقساوة الجوع بمنعهم حتى من تناول رشفات الماء وتركهم تحت وطأة العطش والجوع . فهل إسبانيا تعمل على تمرير رسالة ما من خلال هذا التمييز بين المواطنين المغاربة وغيرهم ؟ وماذا تحمل هذه الرسالة من دسائس سمية خبيثة ؟
وقد أفادت مصادر أن السلطات الإسبانية قد بدأت تناقش خطورة هذا الوضع الذي يعيشه هؤلاء الاطفال المغاربة ، من خلال البحث عن آليات لنقل جزء من القاصرين من سبتة إلى مناطق أخرى في إسبانيا.
القاصرات… الحلقة الأكثر هشاشة
إذا كان وضع القاصرين الذكور يثير القلق، فإن وضع الفتيات يستوجب اهتماماً مضاعفاً.
فمنظمات حماية الطفولة حذرت من أن الفتيات غير المصحوبات معرضات بدرجة أكبر للعنف والاستغلال والاتجار، خصوصاً عندما يجدن أنفسهن في الشوارع دون حماية أو مأوى مناسب.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً ، من يحمي القاصرات المغربيات في سبتة؟ ومن المسؤول عن ضمان سلامتهن الجسدية والنفسية؟ وهل يتم تسجيل جميع القاصرين فور وصولهم وتحديد أعمارهم وهوياتهم ومتابعة أوضاعهم؟ وهل توجد آلية فعالة لمنع استغلالهم أو الاتجار بهم؟
هذه ليست أسئلة سياسية فقط، بل أسئلة إنسانية تتعلق مباشرة بحماية الطفل.
بين القانون والواقع
المفارقة أن الاتحاد الأوروبي نفسه يعلن أن حماية الأطفال المهاجرين غير المصحوبين وتحسين ظروف الاستقبال يمثلان جزءاً من سياسة إدارة الهجرة في إسبانيا.
كما تشير تقارير أوروبية حديثة إلى أن الاكتظاظ في مراكز الاستقبال بسبتة ومليلية ظل يمثل مشكلة مستمرة، وأن ظروف الاستقبال يمكن أن تصبح دون المستوى المطلوب عندما تتجاوز الأعداد القدرة الاستيعابية.
وهنا تظهر فجوة مؤلمة بين النصوص والمبادئ المعلنة وبين الواقع الميداني.
فإذا كانت أوروبا تضع حماية حقوق الطفل في صلب منظومتها الحقوقية، فإن وجود هؤلاء الأطفال في الشوارع دون حماية كافية يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى تطبيق هذه المبادئ عندما يتعلق الأمر بأطفال مهاجرين غير نظاميين.
فهل نحن أمام “سجن مفتوح”؟
إن وصف سبتة بأنها “سجن مفتوح” يحمل دلالة سياسية وحقوقية قوية، ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره وصفاً أو توصيفاً غير إنساني ولا قانوني ، إذا ما غابت القرائن الدالة على ذلك ، لكن الوضع القائم بسبتة مباشرة بعد هجرة هؤلاء  الصبية ، وحسب ما تم توثيقه وإثارة الكلام عنه من جهات متعددة ، سواء الصحفية أو الهيآت الحقوقية وغيرها  جعل منها حقيقة قانونية ثابتة ، من الواجب اتخاذها بعين الاعتبار من طرف السلطات الإسبانية العليا وكذلك الدولية ، قبل أن يستفحل الأمر ويتحول إلى بؤرة خطيرة وقنبلة موقوتة يمكنها أن تنفجر بتبعات لا يحمد عقباها إقليميا ودوليا .
فالمهاجرون الموجودون في سبتة لا يعيشون بالضرورة داخل مؤسسة سجنية، لكن واقع عدم قدرتهم على الانتقال بحرية إلى البر الإسباني، مع وجود قيود على مغادرة المدينة، ووجود أعداد كبيرة منهم في ظروف معيشية صعبة، يجعل التعبير عن سبتة باعتبارها “فضاءً مغلقاً” أو “سجناً مفتوحاً في نظر بعض المهاجرين والمنظمات” أكثر دقة من الجزم بأنها سجن بالمعنى القانوني.
كما أن الاتحاد الأوروبي أعلن بالفعل أن المهاجرين الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية لا يمكنهم الانتقال ببساطة إلى باقي الدول الأوروبية.
فأوروبا أمام امتحانها الحقيقي والقضية لا تتعلق فقط بالمغرب وإسبانيا.  ، إنها قضية أوروبية أيضاً ، فإذا كانت الحدود الأوروبية محمية بقوة عندما يتعلق الأمر بمنع الدخول، فإن السؤال المقابل هو ، ماذا يحدث بعد دخول المهاجر، وخصوصاً عندما يكون طفلاً؟ هل تتحول حماية الحدود إلى أولوية تتقدم على حماية الطفل؟ وهل يمكن أن تصبح أزمة القدرة الاستيعابية ذريعة لتأخير توفير المأوى والغذاء والحماية؟
ثم ماذا عن مسؤولية الاتحاد الأوروبي نفسه في دعم إسبانيا عندما تواجه إحدى مناطقها الحدودية أزمة بهذا الحجم؟
فهذه الأسئلة تستحق إجابات رسمية وشفافة.
والمغرب أيضاً أمام مسؤولية غير أن التحقيق الموضوعي لا ينبغي أن يحمل إسبانيا وحدها كل المسؤولية.
فالأطفال الذين يخاطرون بحياتهم لعبور البحر أو السباحة نحو سبتة لا يفعلون ذلك من فراغ ، إنها ظاهرة ترتبط أيضاً بالبطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية وتراجع الأمل لدى جزء من الشباب المغربي، فضلاً عن الصورة التي تصنعها شبكات التواصل الاجتماعي عن الحياة في أوروبا.
ومن ثم فإن مأساة سبتة ينبغي أن تدفع المغرب أيضاً إلى طرح سؤال أعمق ، لماذا أصبح بعض أطفالنا وشبابنا مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى أوروبا؟
فالمعالجة الأمنية وحدها لا تستطيع القضاء على ظاهرة متعددة الجذور ، اقتصادية واجتماعية ونفسية…

لهذا فإن ما يحدث في سبتة حسب متخصصين ، يستحق تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، بعيداً عن التوظيف السياسي من أي طرف. حيث يشترطون في ذلك ويطالبون بالقيام بإحصائيات لمعرفة كم عدد القاصرين المغاربة الموجودين فعلياً في سبتة؟ كم عدد الفتيات بينهم؟ كم منهم يعيش خارج مراكز الإيواء؟ أين ينام هؤلاء الأطفال؟ من يوفر لهم الطعام والماء والرعاية الصحية؟ هل تم تسجيل جميع القاصرين وتحديد هوياتهم وأعمارهم؟ كم عدد حالات العنف أو الاستغلال التي تم الإبلاغ عنها والتحقيق فيها؟ ما الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإسبانية لحماية القاصرات؟ ولماذا لم يتم نقل القاصرين إلى مراكز أخرى داخل إسبانيا إذا كانت مراكز سبتة ممتلئة؟ وما الدور الذي يؤديه الاتحاد الأوروبي في معالجة هذه الأزمة؟ وما الذي تفعله السلطات المغربية لمعالجة الأسباب التي تدفع الأطفال والشباب إلى المخاطرة بحياتهم؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت سبتة تعيش مجرد أزمة استقبال مؤقتة أم أن ما يحدث فيها يمثل إخفاقاً حقوقياً وإنسانياً أعمق.
وفي جميع الأحوال، فإن الطفل الذي يعبر الحدود بطريقة غير نظامية يبقى طفلاً ، وحقه في الحماية لا ينبغي أن يتوقف عند الحدود… وللحديث بقية …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News