![]()
جريدة النشرة : د. أبوالمجد عبد الجليل
إن الحديث عن المواطنة حديث ذو شجون، وبحر لا ساحل له. في اللغة العربية جاءت المواطنة في صيغة مفاعلة، وأصلها كلمة مشتقة من وطن، وهو حسب معجم (لسان العرب) لابن منظور “الوطن هو المنزل الذي تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله (…..) ووطن بالمكان وأوطن أقام، وأوطنه اتخذه وطنا، والموطن، تفعيل فيه، ويسمى به المشهد من مشاهد الحرب وجمعه مواطن، وفي التنزيل العزيز: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة (…) وأوطنت الأرض ووطنتها واستوطنتها أي اتخذتها وطنا، وتوطين النفس على الشيء كالتمهيد…..”.
أما أصل كلمة الفضيلة في معاجم اللغة مشتق من مادة فَضَلَ ـ فَضْلاً: أي زاد على الحاجة، ويقال “فاضله” مفاضلة وفضالا ـ أي غالبه في الفضل، ويقال في “الفاضلة” إنها النعمة العظيمة، ويوصف الرجل المتصف بالفضيلة بأنه فاضل والمرأة الفاضلة، ويقال عن “الفضل” ـ إنه “الإحسان ابتداء بلا غرض ولا علة“. والفضيلة بشكل العام هو الخلق الطيب.
ومنذ القدم اختلفت آراء الفلاسفة والمفكرين في معنى الفضيلة، فبينما رأى “سقراط” أن الفضيلة هي المعرفة، فالإنسان جبل فطريا على الخير، ولا يقدم على الشر إلا عن جهل بنتائجه. أما “أفلاطون” فيرى أن أصول الفضيلة هما الحكمة والشجاعة والعفة والعدل، بينما يرى ” أرسطو” أن أساس الفضيلة هي خضوع الشهوات لحكم العقل، ويرى أنها تكمن في الاعتدال، فهي وسط ما بين رذيلتين: فالشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين التبذير والبخل, غير أن ذلك لا ينطبق على كل الحالات كالصدق والعدل مثلا. أما “ابن رشد” فقد قسم الفضيلة إلى أقسام أربعه: العفة والشجاعة والعدل والسخاء. وهو بذلك يتفق مع ” افلاطون” في كثير من المعاني.
وفي عصر الأنوار، بزغت الفلسفة الحديثة في أوروبا، وكان التنوير الأوروبي بمثابة حجر الزاوية في بنيانها وسيرورتها الممتدة حتى اللحظة. وقد ربط معظم فلاسفة التنوير (روسو ومونتسكيو و وكانط وهيجل) المواطنة بالفضيلة، إذ لا يمكن أن تكون المواطنة مع الدناءة والخوف والخيانة. فالفرد/ الموطن، يفترض فيه الاستقامة والصدق والأمانة.
ولعل مونتسكيو أهم فيلسوف سياسي تتطرق لقضية المواطنة وعلاقتها بالفضيلة في الجزء الأول من كتابه المشهور “روح الشرائع“، حيث يرى أن الفضيلة السياسية في الأنظمة الجمهورية، كمرادف لمفهوم الشرف في الأنظمة الملكية، تعني حب الوطن والمساواة. ويذهب إلى أبعد من ذلك بتعريف “رجل الخير السياسي” بأنه الذي يعمل لتحقيق الفضيلة السياسية بمعناها الواسع ما يشمل حب الوطن والمساواة، والالتزام بالقوانين داخل بلده.
وتأسيسا على ما سبق، فالفضيلة السياسية بمعناها الواسع تقتضي التفكير بالمصلحة العامة ابتداء ونهاية، والابتعاد عن التفكير بالمصالح الخاصة والفئوية والحزبية الضيقة، كون أن الوطن ثمين. ويوجب ذلك ابتعاد الفرقاء السياسيين عن مبتسرات كل فريق والالتفاف حول هدف جامع يرمي إلى تحقيق المصالح العليا والفضلى لعموم المجتمع.
نخلص، في ضوء ما سبق، إلى القول إن على مدى تاريخ المجتمعات تظل الفضيلة حلما تتطلع إليه الشعوب في واقعها ومستقبلها، بل هي مسألة يومية في متناول الجميع، تؤثر في أخلاق المجتمع وفي الحياة المعاشة في كل يوم وفي كل عمل منجز، وكل مشروع وطني أو برنامج إصلاحي.









