![]()
محمد رضى الزوجال -جريدة النشرة طنجة
في مبادرة تربوية وثقافية تنم عن حس وطني رفيع، وعن وعي عميق بأدوار المؤسسة التعليمية في التكوين والتأطير والإشعاع، نظمت الثانوية التأهيلية أبي بكر الرازي، يوم 02 أبريل 2026، ندوة فكرية تربوية وازنة، بشراكة مع النيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بطنجة، وجمعية الخبر المغربية للإعلام والتواصل، تحت عنوان: “أضواء حول المقاومة المغربية: أدوار المدرسة والإعلام في بناء الوعي الوطني”.
وإذا كانت قيمة هذه المبادرة تتجلى في موضوعها النبيل، فإنها تتأكد أيضا في نوعية ضيوفها ومداخلاتها، التي أغنت النقاش من زوايا تاريخية وتربوية وإعلامية ورقمية متكاملة، بما منح الندوة عمقا معرفيا وبعدا وطنيا واضحا.

في هذا الإطار، قدم الدكتور إدريس الشلوسي، أستاذ باحث في تاريخ المغرب ومتخصص في القانون العام، مداخلة وازنة سلط فيها الضوء على جملة من المحاور المفصلية في تاريخ الكفاح الوطني المغربي، من بينها أهمية طنجة في التقسيم الاستعماري، وجانب من المقاومة العسكرية والسياسية، ثم الزيارة التاريخية للمغفور له جلالة الملك محمد الخامس إلى طنجة، باعتبارها محطة مفصلية في مسار التحرر الوطني. كما توقف عند العبر المستخلصة من هذه المرحلة المضيئة، مبرزا أن استحضار تلك الملاحم لا يندرج فقط في باب الوفاء للذاكرة، بل يمثل ضرورة تربوية وثقافية ملحة. وأكد في هذا السياق على دور المدرسة والإعلام في التعريف والترويج لهذه البطولات الوطنية، بما يسهم في بناء ذاكرة جماعية متجددة، قوامها روح الوطنية والعطاء والاعتزاز بالجنسية المغربية وعظمة هذا البلد العريق.
ومن جهتها، تناولت الأستاذة لطيفة خال، خبيرة في علوم التربية، مؤلفة ومتخصصة في علاج صعوبات التعلم عند الطفل والمراهق، موضوع “دور المدرسة في ترسيخ الوعي الوطني لدى المتعلمين: مقاربة تربوية”، حيث أبرزت المكانة المركزية للمؤسسة التعليمية في غرس قيم المواطنة والانتماء في نفوس الناشئة، مؤكدة أن المدرسة ليست مجرد فضاء لنقل المعارف، بل هي مؤسسة لصناعة الوجدان الوطني، وبناء الحس المدني، وتحصين المتعلمين بالمرجعيات الجامعة للأمة. كما شددت على أن ترسيخ الوعي الوطني يمر عبر ممارسات تربوية يومية تجعل من المتعلم فاعلا في استيعاب تاريخ وطنه والتفاعل مع رموزه وقضاياه.

أما الأستاذ محمد رضا الزوجال، إعلامي ورئيس جمعية الخبر المغربية للإعلام والتواصل، فقد عالج موضوع “الإعلام والوعي الوطني لدى الشباب: قراءة في آليات التأثير والتلقي”، مبرزا ما باتت تضطلع به وسائل الإعلام، بمختلف تلاوينها، من دور حاسم في تشكيل التصورات وبناء المواقف وتوجيه الاهتمامات لدى الفئات الشابة. وأكد أن الإعلام الوطني المسؤول، حين ينهض برسالته التنويرية، يصبح شريكا أساسيا للمدرسة في ترسيخ المعرفة التاريخية، وتعميق الشعور بالانتماء، وتحصين الشباب من السطحية والتيه القيمي، بما يضمن تشكل وعي وطني راسخ ومتوازن.
وفي امتداد لهذا الأفق الفكري، قاربت الأستاذة حميدة الجازي، القيمة على فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بطنجة، وباحثة في سلك الدكتوراه تخصص إعلام وتواصل، موضوع “السيولة الرقمية والوعي الوطني: أثر التواصل الرقمي في بناء الهوية وإعادة تشكيلها”. وقد وقفت عند التحولات العميقة التي أفرزها الفضاء الرقمي في أنماط التلقي والتفاعل وإنتاج المعنى، مبرزة أن الهوية الوطنية أصبحت اليوم تواجه رهانات جديدة داخل العالم الرقمي، وهو ما يقتضي مواكبة تربوية وإعلامية واعية، قادرة على توجيه هذا الفضاء نحو خدمة القيم الوطنية وتعزيز الوعي بالذات الجماعية، بدل تركه مجالا مفتوحا لإعادة تشكيل الهوية بعيدا عن المرجعيات المؤسسة.
لقد كرست هذه المبادرة جملة من القيم النبيلة التي تحتاجها المدرسة المغربية اليوم، في مقدمتها المواطنة الصادقة، والاعتزاز بالهوية الوطنية، والوفاء لذاكرة المقاومة والتحرير، والانفتاح على الكفاءات والخبرات، وثقافة الحوار والتفاعل، والشراكة بين المدرسة ومحيطها. وهي قيم تجعل من المؤسسة التعليمية فضاء لصناعة الإنسان المواطن، الواعي بتاريخه، المعتز بانتمائه، والمنخرط في خدمة وطنه بعزم ومسؤولية.
ومن ثَمّ، فإن ما قامت به الثانوية التأهيلية أبي بكر الرازي يستحق كل التنويه والإشادة، لأنه يعكس صورة مضيئة عن المدرسة المغربية حين تكون وفية لرسالتها الحضارية، وحين تجعل من الفعل التربوي مدخلا لبناء الوعي، ومن الأنشطة الثقافية جسورا للانفتاح والإشعاع، ومن الذاكرة الوطنية رافعة لتأصيل المواطنة وترسيخ الانتماء.
إنها مبادرة تؤكد، مرة أخرى، أن المدرسة ليست فقط مؤسسة للتعليم، بل هي أيضا مؤسسة للتربية والتأطير والتنوير، وفضاء لإحياء الذاكرة الوطنية في وجدان الأجيال الصاعدة، حتى يظل المغرب، بتاريخ مقاومته العريقة وملاحمه الخالدة، حاضرا في العقول والقلوب، ومستمرا كمصدر للفخر والإلهام والوفاء.











