طنجة احتفت ببلاغة القانون في ندوة دولية جعلت من المرافعة فضاء للعدالة وقضايا الانسان

إدارة الموقع2 أبريل 2026Last Update :
طنجة احتفت ببلاغة القانون في ندوة دولية جعلت من المرافعة فضاء للعدالة وقضايا الانسان

Loading

كمال الديان-جريدة النشرة طنجة

عاشت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، امس الاربعاء 01 ابريل 2026، على ايقاع موعد علمي وحقوقي متميز، تمثل في تنظيم الندوة الدولية لفن المرافعات، التي التامت تحت شعار: “النهوض بالعدالة بالكلمة، والدفاع عن الحقوق بالعقل”، في لحظة اكاديمية ومهنية جمعت باحثين واساتذة ومحامين من المغرب والخارج، وجعلت من الكلمة القانونية محورا للتفكير، ومن المرافعة أفقا لمساءلة القضايا الكبرى للعدالة والحق والانسان.

ولم تكن هذه الندوة مجرد لقاء جامعي عابر، بل جاءت، وفق تقديمها الرسمي، في سياق يروم تعزيز ثقافة الحقوق، وترسيخ قيم العدالة والانصاف، وفتح فضاء للحوار بين الجامعة والممارسة المهنية، بما يسمح بتطوير مهارات الترافع القانوني، وتقوية القدرة على بناء مرافعة رصينة تقوم على التحليل المنهجي للنصوص، والاستدلال القانوني، واستحضار قيم العدالة وحقوق الانسان. ومن هذا المنطلق، بدت الندوة كأنها ترد الاعتبار لفن المرافعة، لا باعتباره مجرد مهارة خطابية، بل بوصفه ممارسة فكرية وأخلاقية ومهنية، تتأسس على الحجة وتنتصر للمعنى النبيل للقانون.

 

وقد انطلقت أشغال هذا الموعد العلمي بجلسة افتتاحية رسمية، اتخذت طابعا مؤسساتيا ورمزيا، تخللتها فقرات الافتتاح، والاستماع إلى النشيد الوطني، ثم كلمات الجهات المنظمة والمتدخلة في هذا الحدث العلمي. وفي هذا السياق، حضر الاستاذ أنوار بلوقي، نقيب هيئة المحامين بطنجة، ضمن هذه التظاهرة التي عكست تلاقي الفضاء الأكاديمي بالمجال المهني، وتجاور الخبرة العلمية مع التجربة العملية في خدمة قضايا العدالة والمرافعة.

وخصص البرنامج العلمي للندوة خمسة محاور كبرى، هي: الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، الحق في الحياة، البيئة والمناخ، عقوبة الاعدام، والضحية في المحاكمة العادلة. وهي محاور عكست، في مجموعها، اتساع الرؤية التي وجهت هذا اللقاء، اذ جمعت بين القضايا الوطنية، والاسئلة الحقوقية الكبرى، والانشغالات البيئية والانسانية، بما جعل من الندوة فضاء رحبا لتلاقي مدارس مختلفة في التفكير القانوني والترافع الحقوقي.

وفي ما جرى فعليا خلال الندوة، استهلت الجلسة العلمية بمحور الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، وهو المحور الذي استاثر باهتمام كبير لما يختزنه من ابعاد وطنية وقانونية وسياسية. وفي هذا الاطار، تناول الكلمة Francis Delperee بمداخلة عنوانها “Le Sahara sous la souverainete marocaine”، اي “الصحراء تحت السيادة المغربية”، مقدما مقاربة قانونية داعمة لاطروحة السيادة المغربية. ثم اعقبه Dominique Joly بمداخلة حملت العنوان نفسه، قبل ان تقدم الاستاذة منية الشتوكي مداخلة تناولت قضية الصحراء المغربية في ظل التطورات الجديدة التي عرفها الملف، مع الاحالة في البرنامج الى القرار الاممي رقم 2797. وقد منح هذا المحور للندوة منذ بدايتها نبرة قوية، جمعت بين الترافع القانوني والبعد الوطني، وابرزت كيف يمكن للكلمة القانونية ان تتحول الى اداة دفاع عن القضايا المصيرية.

ثم انتقلت الندوة الى محور الحق في الحياة، حيث قدم Jean Claude MARTINEZ مداخلة بعنوان “La vie contre l euthanasie”، اي “الحياة في مواجهة القتل الرحيم”. وقد فتح هذا المحور باب النقاش على واحد من اكثر الموضوعات حساسية في الفكر القانوني والاخلاقي المعاصر، من خلال مساءلة الحق في الحياة وحدود المساس به، في ضوء ما تطرحه قضايا القتل الرحيم من اسئلة معقدة تتقاطع فيها الاعتبارات القانونية والانسانية والفلسفية.

 

وبعد استكمال مناقشة محور الحكم الذاتي بالصحراء المغربية ومحور الحق في الحياة، جاءت استراحة الشاي، في لحظة اتاحت للمشاركين تبادل الانطباعات واستئناف النقاشات الجانبية، قبل العودة الى باقي المحاور في اجواء طبعتها الجدية والانخراط الفكري.

وبعد الاستراحة، استؤنفت الاشغال مع محور البيئة والمناخ، الذي عكس انفتاح الندوة على رهانات العصر الجديدة، وعلى موقع الانسان داخل سؤال البيئة باعتبارها حقا جماعيا ومجالا للمسؤولية المشتركة. وقد شارك في هذا المحور Jacques Malherbe بمداخلة عنوانها “Ma planete”، اي “كوكبي”، وPatrick Saerens بمداخلة “La justice climatique”، اي “العدالة المناخية”، وKbibchi Youness بعنوان “Les plaidoyers pour le climat et l environnement”، اي “المرافعات من اجل المناخ والبيئة”، الى جانب مداخلة المعزوز البكاي حول البيئة وحقوق الانسان بين الاتفاقيات الدولية والتشريع المغربي. وهكذا بدا هذا المحور امتدادا لروح الندوة، حيث تحولت المرافعة الى دفاع عن الانسان في علاقته بالطبيعة، وعن الكوكب في وجه اختلالات العصر البيئية.

وفي محور عقوبة الاعدام، استمر النقاش في مستوى عال من العمق القانوني والحقوقي، بالنظر الى ما يطرحه هذا الموضوع من اسئلة متصلة بمشروعية العقوبة وحدودها وموقعها داخل التشريعات المعاصرة. وقد اوضح التقديم الرسمي للندوة ان هذا المحور يلامس التوتر القائم بين منطق الردع العام وبين التمسك بالحق في الحياة باعتباره قيمة عليا. وفي هذا السياق، جاءت مداخلة الدكتور خالد بنتركي، استاذ بكلية الحقوق بطنجة ونائب عميد كلية الحقوق بطنجة، تحت عنوان “عقوبة الاعدام”، في انسجام مع طبيعة هذا المحور وما يفتحه من مجال للترافع حول العقوبة القصوى من منظور قانوني وحقوقي. كما عرف المحور نفسه مداخلات لكل من Philippe lianard وMalik Boumediene وYamna Fatmi والاستاذ ابراهيم الحداد، بما جعل النقاش متعدد الاصوات والزوايا، ومعبرا عن غنى المقاربات التي استضافتها الندوة.

اما محور المحاكمة العادلة، فقد نقل النقاش الى موقع الضحية داخل العدالة الجنائية، بما يطرحه هذا الموضوع من اشكال التوازن بين حقوق المتهم وحقوق الضحية وضمانات الانصاف. وفي هذا الباب، قدمت امل الحرفوش وكريمة الطاهري ونجوى الشيبة مداخلات تحت عنوان “الضحية في المحاكمة العادلة”، في مقاربة انسجمت مع ما ورد في التقديم الرسمي للندوة حول اهمية التفكير في مكانة الضحية داخل العدالة المعاصرة، بين مطلب الحماية وضرورة جبر الضرر ومقتضيات المحاكمة المنصفة. وهكذا ختم هذا المحور اشغال الندوة على سؤال انساني بالغ العمق، يتصل بجوهر العدالة حين تنفتح على كل اطرافها.

ومن أبرز ما ميز هذه الندوة ايضا طابعها الدولي، اذ جمعت في برنامجها ولجنتها العلمية اسماء من المغرب وبلجيكا وفرنسا، من بينها Francis Delperee وDominique Joly وJean Claude MARTINEZ وJacques Malherbe وPatrick Saerens وMalik Boumediene وYamna Fatmi وMounia Chtouki وKbibchi Youness، الى جانب اسماء اكاديمية ومهنية من طنجة ومدن مغربية اخرى. وقد منح هذا التنوع للندوة عمقا مقارنا، واظهر ان المرافعة ليست مجرد لغة قانونية ضيقة، بل فضاء رحبا لتبادل التجارب والرؤى والخبرات حول العدالة والحق وقضايا الانسان.

وهكذا، لم تكن طنجة امس على موعد مع ندوة عادية، بل مع لحظة علمية ومهنية احتفت بالمعنى الرفيع للكلمة القانونية. ففي هذه التظاهرة، التقت الجامعة بالمحاماة، والتكوين بالممارسة، والنقاش القانوني بالهم الانساني، لتؤكد جميعها ان المرافعة، حين تبنى على المعرفة والحجة ونبل المقصد، تتحول من مجرد خطاب الى ممارسة واعية في خدمة العدالة. ومن قلب هذا المشهد، بدت الندوة الدولية لفن المرافعات كانها تؤكد، مرة اخرى، ان القانون لا يحيا بالنص وحده، بل يحيا ايضا بالصوت الذي ينطق به، وبالعقل الذي يحسن حمله، وبالضمير الذي يجعله في خدمة الانسان والحق.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News