![]()
عبد الإله شفيشو / جريدة النشرة فاس
في هذا السياق يقول الكاتب المصري “وحيد غازي” المؤلف السينمائي والمسرحي في روايته “مدام شلاطة” (نَحْنُ فِي عَصْر السِّيقَان تُدِرّ فِيه أَكْثَر من العُقُول، سِيقَان الرَّاقِصَات، وسِيقَان لاَعِبي الكُرَةُ)، فلقد كان الحديث هذه الأيام ولمدة أكثر من شهر في الشوارع والمقاهي … بل حتى في المساجد ، سوى عن كأس العالم حتى خلت كرة القدم ديانة اعتنقتها البشرية جمعاء وأضحت خلاصا لها-خاصة الشعوب العربية الإسلامية-من آلامها وحروبها ونكباتها وخلافاتها المحلية والإقليمية والدولية التي لا تكاد تنتهي، فالمواطن العربي/المغربي بعدما خدعه الحكام وأثقلته الحياة هموما صار يعلق على كرة القدم كل آماله وأمنياته ، وأحيانا أكثر يهب فيها جوارحه وينسى أو يتناسى بؤس الحياة الذي ترك خلفه وانغمس في حياة من اختيار أهوائه، فسيقان لاعبي الكرة تدر الملايين على أصحابها من اللاعبين والمدربين ومساعديهم ، أما الجماهير العاشقة للكرة فلا تحصل على أية منفعة مادية بل إنها تخسر كثيرا من المال والوقت لتتمكن من حضور مباراة في كرة القدم، لكن لو قلنا إن الجنون الكروي قاصر على شعوبنا العربية فقد ظلمنا هذه الشعوب التي ننتمي إليها لأن هذا الجنون موجود أيضا في كثير من الدول التي تسبقنا في كل شيء ولكن هناك في هذه المسألة بالضبط خيبات تخص العرب أكثر مما تخص غيرهم ف:
ـ العرب الوحيدون الذين يصدرون علماءهم ونوابغهم للغرب ويستردون مقابلهم مدربي كرة قدم ومساعديهم،
ـ العرب دون غيرهم أصبحت انتصاراتهم وفتوحاتهم في كرة القدم دون سواها،
ـ العرب دون سواهم يقبلون الهزيمة الرياضية من أية دولة في العالم لكن لا يقبلونها من بعضهم،
ـ العرب وحدهم لم يعد لديهم مجد يسعون للوصول إليه إلا المجد الكروي.
في العالم الغربي كان “موسوليني Mussolini”و”فرانكو fɾanko” نموذجين للأنظمة الديكتاتورية التي استخدمت الرياضة وكرة القدم على الخصوص لتوطيد حكمها وكسب شعبية وإشغال الناس بمتابعة المباريات الرياضية بدلا من متابعة السياسة وممارستها ولإلهائهم عن قضاياهم الحقيقية ومعاناتهم، فالأول وفي سنة 1938م وقبل مباراة نهاية البطولة الثالثة لكأس العالم في فرنسا بين المجر وإيطاليا أرسل برقية للاعبي الفريق الإيطالي تحمل عبارة (انتصر أو مُتْ) والتي اعتبرت تهديدا مباشرا للاعبين الإيطاليين للفوز في المباراة أو ستكون عاقبتهم وخيمة، أما الثاني استخدم الرياضة وكرة القدم خصوصا لتعزيز سلطته وكسب شعبية داخل إسبانيا وخارجها ولما كانت (مدريد) مركز أنصاره وانقلابه العسكري وكانت (برشلونة) مركز مناوئيه الذين حاربوه خلال الحرب الأهلية دعم نظامه بقوة فريق ريال مدريد Real Madrid لكرة القدم على حساب فريق برشلونة Barcelona ولازال هذا الصراع قائما بين القطبين تحت شعار الكلاسيكو El Clásico.
في المغرب لكرة القدم تاريخ طويل ومثير فسحر اللعبة يأخذ العقول لكن التوظيف السياسي للرياضة وكرة القدم تحديدا تجاوز المنطق لدى الكثير من الساسة فذلك مؤشر على أن اللعبة لم تعد مجرد فرجة ومتعة بل أصبحت مخدرا سياسيا للشعب كي لا ينتبه إلى مشاغله وقضاياه الحقيقية، ومن هذا المنطلق أصوات مغربية تتصاعد كل مناسبة على شبكات التواصل الاجتماعي لتتساءل لماذا في كل مرة يعرب كبار مسؤولي الدولة عن وقوفهم وتضامنهم مع المنتخب في كل الظروف ولم يعبروا عن ذلك تجاه باقي فئات الشعب التي سحقها الفقر والغلاء والبطالة…؟ وهي رسالة واضحة على أن إنجازات المنتخب مهما كانت إيجابية ومفرحة لا تغطي الواقع الحقيقي الذي يعيشه المغاربة، لقد صارت كرة القدم بالخصوص قدرتها خارقة في قلب الحقائق بتشويه الواقع وتبرير الاختيارات الخاطئة لكل دولة فهي مشروع استراتيجي جديد/قديم ، للتحكم في الشعب بهدف تكريس وترويج ثقافة الجهل والهروب إلى الأمام، فالرياضة على العموم الأصل فيها أنها للهو والتسلية فقط أصبحت قضية مصيرية للشعب وأصبحت لها الأولوية ، تؤخر من أجلها أعمال ومهام اجتماعية ودينية حتى بل تعقد من أجلها جلسات سرية لحبك مؤامرات وصفقات سياسوية ضد رغبة الشعوب تتزعمها لوبيات السياسة ومافيا القمار.












