![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … لقد أصبح من الصعب تجاهل بعض المواقف الحكومية الواضحة وضوح الشمس في الظهيرة ، للإجابة عن عدد من الأسئلة التي لم تجد بعد طريقا للإجابة عنها لتوضيح المبهم في سياسة التوهيم والعبث بمصالح الوطن والمواطنين … أم أن توضيح الواضحات من المفضحات؟
إن المغرب يمتلك مقومات طاقية وصناعية وجغرافية مهمة: شمس ورياح، مؤهلات كبيرة في الطاقات المتجددة، موارد غازية بدأت تدخل مرحلة الإنتاج، إمكانات هائلة في الهيدروجين الأخضر، وموقع جغرافي يؤهله ليكون منصة للطاقة بين إفريقيا وأوروبا.
ومع ذلك، ما زال المغرب يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المحروقات ومشتقاتها، كما يستورد الغاز الطبيعي المسال ويستعمل البنية التحتية الإسبانية لإعادة تغويزه ونقله إلى المغرب.
وهنا يبرز سؤال مشروع أمام الحكومة والدولة والمجتمع:
هل استُثمرت الإمكانات الوطنية بالسرعة والكفاءة الكافيتين لبناء أمن طاقي حقيقي، أم أن المغرب ما زال يفوّت فرصاً كان يمكن أن تخفف فاتورة الطاقة، وتدعم الميزانية، وتخفض كلفة الإنتاج، وتنعكس في النهاية على مستوى معيشة المواطنين؟
هذا السؤال لا يعني بالضرورة اتهام الحكومة بالتعمد أو سوء النية، لكنه يفرض مساءلة السياسات العمومية وقياس نتائجها.
أولاً: الغاز الطبيعي… لماذا ما زال المغرب يعتمد على الخارج؟
المغرب بدأ بالفعل تطوير إنتاجه المحلي، خصوصاً في حقل تندرارة، حيث توجد مشاريع لإنتاج الغاز وتحويل جزء منه إلى غاز مسال صغير الحجم بهدف نقله إلى مناطق بعيدة عن شبكة الأنابيب ، لكن الإنتاج المحلي ما زال بعيداً عن تلبية الاحتياجات الوطنية.
ولهذا كان المغرب يتجه إلى إنشاء محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في ميناء الناظور غرب المتوسط، بما يسمح له باستقبال ناقلات LNG وإعادة تحويل الغاز إلى حالته الغازية وضخه داخل الشبكة الوطنية.
غير أن وزارة الانتقال الطاقي أعلنت في فبراير 2026 وقف المناقصات المتعلقة بمحطة الغاز وخط الأنابيب المرتبط بها، وقالت إن الأمر مرتبط بمعطيات وافتراضات جديدة ، وهنا تظهر إحدى أهم نقاط المساءلة:
لماذا أُعيد النظر في مشروع بهذه الأهمية للأمن الطاقي؟
إذا كان هناك بديل أكثر كفاءة وأقل تكلفة، فمن حق الرأي العام معرفته ، أما إذا كان التأجيل سيؤدي إلى استمرار الاعتماد على البنية التحتية الإسبانية، فمن المشروع أيضاً التساؤل عن تكلفة هذا الخيار بالنسبة للاقتصاد الوطني.
ثانياً: «سامير»… القضية الأكثر إثارة للجدل
ربما لا يوجد ملف يجسد مشكلة الأمن الطاقي المغربي مثل مصفاة سامير بالمحمدية ، فالمغرب فقد منذ توقف المصفاة طاقة تكريرية وطنية، وأصبح يعتمد على استيراد المنتجات النفطية المكررة لتلبية حاجاته… هل من سبب في ذلك لا يفهمه إلا اللبيب؟
بحيث تخضع سامير للتصفية القضائية منذ سنوات، بينما ظلت أصول المصفاة والمنشآت والتجهيزات في وضعية معقدة قضائياً ومالياً. وفي فبراير 2026 رفض القضاء عرضاً إماراتياً للاستحواذ على أصول الشركة ، وفي مارس 2026 أفادت تقارير بأن تعثر الصفقة يعني استمرار اعتماد المغرب على استيراد المشتقات النفطية المكررة، رغم وجود منشأة صناعية ضخمة يمكن، من حيث المبدأ، إعادة تأهيلها ، وهنا يجب طرح السؤال بصراحة:
هل كان من الأفضل اقتصادياً وأمنياً إعادة تشغيل سامير، ولو باستثمار عمومي-خاص مضبوط، بدلاً من استمرار استيراد المنتجات المكررة؟
الإجابة ليست بسيطة، لأن إعادة تشغيل المصفاة تحتاج إلى استثمارات كبيرة وإعادة تأهيل تقني وبيئي، كما أن المصفاة تحمل تاريخاً ثقيلاً من الديون والنزاعات ، لكن استمرار تعطيل أصل صناعي استراتيجي لمدة طويلة له أيضاً كلفة اقتصادية.
و لماذا لا ينظر إلى سامير باعتبارها مجرد مصفاة؟
الخطأ هو اختزال سامير في إنتاج البنزين والغازوال فقط ، في حين أن المصفاة يمكن أن تكون جزءاً من منظومة بتروكيماوية وصناعية متكاملة تشمل تكرير النفط الخام ، تخزين المحروقات ، إنتاج مشتقات نفطية ، مواد أولية للصناعة البتروكيماوية ، خدمات لوجستية ومينائية ، تخزين استراتيجي ، تكوين وتأهيل اليد العاملة ، تطوير صناعات تحويلية مرتبطة بالطاقة ، وبالتالي، فإن إعادة تشغيلها وفق نموذج صناعي حديث يمكن أن يكون له أثر يتجاوز مجرد توفير الوقود ، لكن ذلك يتطلب دراسة اقتصادية مستقلة وشفافة من حيث كم تبلغ تكلفة إعادة التأهيل؟ وكم ستوفر من فاتورة الاستيراد؟ وما المدة اللازمة لاسترداد الاستثمار؟
وكذلك الطاقة المتجددة… بحيث يملك المغرب فرصة استثنائية و لم يتجاهل الطاقة المتجددة.
فهناك توسع كبير في الطاقة الشمسية والريحية، كما أطلقت الدولة استراتيجية للهيدروجين الأخضر، واختارت الحكومة مشاريع ضخمة للاستثمار في هذا القطاع. وتشير المعطيات المنشورة في 2026 إلى اختيار ستة مشاريع باستثمارات إجمالية كبيرة، إضافة إلى مشاريع أخرى ضمن «عرض المغرب» للهيدروجين الأخضر.
لكن السؤال الاقتصادي الأهم هو:
هل سيكون المغرب مجرد مصدر للطاقة الخضراء إلى أوروبا، أم سيستعمل هذه الطاقة أولاً لبناء صناعة وطنية ذات قيمة مضافة عالية؟
وهذا فرق جوهري ، فإذا أنتج المغرب الكهرباء الخضراء ثم صدرها فقط، فهو يحقق دخلاً ، أما إذا استعمل الكهرباء الخضراء لإنتاج الهيدروجين ، الأمونيا ، الأسمدة ، المواد الكيميائية ، المنتجات الصناعية ، فإن القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني يمكن أن تكون أكبر بكثير.
ثم الفوسفاط والطاقة تعتبر فرصة استراتيجية هائلة وهنا تبرز خصوصية المغرب ، المغرب ليس مجرد دولة تبحث عن الطاقة لتشغيل اقتصادها؛ بل يمتلك قاعدة صناعية ضخمة مرتبطة بالفوسفاط والأسمدة.
وبالتالي فإن توفير طاقة رخيصة ومستقرة يمكن أن يخفض تكاليف إنتاج الأسمدة ويزيد القدرة التنافسية للصناعة المغربية.
وهذا يجعل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي ليست ملفات منفصلة ، بل يمكن دمجها في منظومة واحدة: طاقة شمسية وريحية رخيصة ، هيدروجين أخضر ، أمونيا خضراء ، أسمدة ، صادرات ذات قيمة مضافة
وهنا يمكن للمغرب أن يتحول من مصدر للموارد إلى مركز صناعي متكامل للطاقة والمواد الكيميائية والأسمدة.
لكن هل الغاز المسال هو الحل؟ ةبطبيعة الحال لا ، فالغاز المسال يجب أن يكون جزءاً من منظومة الأمن الطاقي، وليس أساسها الوحيد. ويحتاج المغرب إلى استراتيجية تقوم على أربعة محاور أولها الغاز المحلي بتطوير تندرارة وأنشوا والاستمرار في عمليات التنقيب ، الغاز المستورد بتنويع مصادر LNG وعدم الارتهان لمورد واحد ، والاعتماد على البنية التحتية الوطنية بإنشاء محطات استقبال وإعادة تغويز وطنية وشبكة غاز قادرة على نقل الغاز إلى مناطق الإنتاج والاستهلاك ، وأيضا الطاقات المتجددة برفع إنتاج الكهرباء الشمسية والريحية وتطوير التخزين والهيدروجين الأخضر.
بهذه الطريقة يصبح الغاز صمام أمان للنظام الطاقي وليس مصدراً دائماً للتبعية.
بالإضافة إلى أن هناك ملفات أخرى يجب فتحها … بحيث إذا أردنا تحقيق أمن طاقي حقيقي، فإن التحقيق لا ينبغي أن يتوقف عند سامير والغاز ، بل يجب أن يشمل أيضاً:
- التخزين الاستراتيجي للمحروقات وهل المخزون الوطني كافٍ لمواجهة أزمة دولية طويلة؟
- تكرير النفط ، هل من المنطقي أن يبقى بلد بحجم المغرب بدون طاقة تكريرية وطنية عاملة؟
- الغاز الطبيعي ، ما حجم الاحتياطي الحقيقي القابل للاستغلال تجارياً؟
- الكهرباء ، ما تكلفة إنتاج الكيلوواط ساعة من مختلف المصادر، وما تكلفة نقلها وتخزينها؟
- الهيدروجين الأخضر، ما نسبة القيمة التي ستبقى داخل المغرب مقابل القيمة التي ستذهب إلى المستثمرين والأسواق الخارجية؟
- الطاقة الشمسية والريحية ، هل ستستفيد منها الأسر والمقاولات المغربية بأسعار تنافسية، أم سيكون الجزء الأكبر موجهاً إلى المشاريع الصناعية والتصدير؟
- تحلية المياه ، الطاقة الرخيصة يمكن أن تجعل تحلية مياه البحر أقل تكلفة، وبالتالي تخدم الأمن المائي والزراعة والصناعة.
- أين تقع مسؤولية الحكومة الحالية؟ وحتى يكون التحقيق متوازناً ولا نقوم بتحميل الحكومة الحالية مسؤولية كل ما وقع في قطاع الطاقة خلال العقود السابقة ، لكن الحكومة الحالية تتحمل مسؤولية واضحة عن سرعة تنفيذ المشاريع ، اختيار الاستثمارات ، ترتيب الأولويات ، تدبير الملفات المتعثرة ، حماية الأمن الطاقي ، التفاوض مع المستثمرين ، مراقبة عقود الامتياز والاستغلال ، وضمان استفادة الاقتصاد والمواطن من الاستثمارات.
لذلك كان لا بد من طرح السؤال التالي لتحديد المسؤولية وحتى لا نكون ظالمين لجهة دون أخرى وهو ، هل الخيارات التي اتخذتها الحكومة في قطاع الطاقة هي الأكثر فائدة للاقتصاد الوطني وللمواطن المغربي، أم أنه كانت هناك خيارات أخرى خاصة غلبت على العامة ؟ وهل توجد بدائل كان يمكن أن تحقق استقلالاً طاقياً أكبر وتكلفة أقل؟
فماذا لو أُعيد ترتيب الأولويات؟ … بحيث يمكن تصور استراتيجية وطنية من خمسة مستويات:
المستوى الأول: حماية الموجود بإعادة تقييم وضع سامير والأصول الصناعية المعطلة، ودراسة جدوى إعادة تشغيلها أو إعادة توظيفها.
المستوى الثاني: إنتاج ما يمكن إنتاجه وطنياً ، الغاز، الكهرباء المتجددة، الهيدروجين، الأمونيا والمنتجات الصناعية المرتبطة بها.
المستوى الثالث: استيراد ما لا يمكن إنتاجه ، لكن عبر بنية وطنية مستقلة، حتى لا يكون المغرب مضطراً إلى المرور عبر دولة أخرى للحصول على طاقته.
المستوى الرابع: تخزين استراتيجي أكبر ، حتى لا تتحول الأزمات الدولية إلى أزمات داخلية.
المستوى الخامس: تحويل الطاقة إلى صناعة ، وهذه هي الحلقة التي يجب ألا تضيع ، فالهدف ليس فقط إنتاج الطاقة، وإنما استعمال الطاقة الرخيصة لإنتاج الثروة.
عاشراً: المواطن هو الاختبار الحقيقي بحيث في النهاية، لا ينبغي قياس نجاح السياسة الطاقية بعدد المشاريع المعلنة أو مليارات الدولارات المستثمرة فقط.
فالاختبار الحقيقي هو هل انخفضت فاتورة الطاقة؟ هل أصبحت الصناعة أكثر تنافسية؟ هل انخفضت كلفة النقل والإنتاج؟ هل خلقت المشاريع وظائف مستقرة؟ هل ارتفعت مداخيل الدولة؟ وهل تحسن دخل المواطن وقدرته الشرائية؟
إذا كانت الاستثمارات الطاقية بالمليارات، بينما يبقى المواطن يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة والنقل، فإن السؤال عن كيفية توزيع القيمة الاقتصادية يصبح مشروعاً تماماً.
فالمغرب لا يعاني من غياب الإمكانات ، المشكلة الأساسية هي كيفية تحويل الإمكانات إلى منظومة متكاملة للسيادة الاقتصادية والطاقية.
والمغرب يمتلك الشمس والرياح، وله موارد غازية، ويملك الفوسفاط، وموقعاً استراتيجياً على الأطلسي والمتوسط، وموانئ ضخمة، وقاعدة صناعية تتطور بسرعة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس فقط جلب المستثمرين، وإنما ضمان أن تؤدي الاستثمارات إلى بناء سلاسل قيمة وطنية.
أما ملف سامير، ومحطات LNG، والغاز المحلي، والهيدروجين الأخضر، والطاقة الشمسية والريحية، فلا ينبغي التعامل معها كملفات منفصلة.
إنها أجزاء من سؤال واحد “هل يستطيع المغرب الانتقال من بلد يستورد جزءاً كبيراً من حاجاته الطاقية إلى بلد ينتج الطاقة، ويحولها إلى صناعة، ويصدر القيمة المضافة، ويزيد مداخيل الدولة، ويخفف في النهاية العبء عن المواطن؟”
وهذا، في تقديري، هو جوهر النقاش الذي ينبغي أن يفتح في البرلمان والإعلام والمجتمع المدني حول مستقبل الأمن الطاقي المغربي.
أم أن الحكومة “تعرقل” هذه المشاريع و تتعمد إبقاء المغرب تابعاً للخارج؛ فالوقائع المتاحة تثبت وجود تأخر وقرارات قابلة للنقاش، مثل تعليق مناقصات محطة LNG بالناظور واستمرار تعثر سامير، وعدم الإسراع إلى إيجاد حلول جادة وإيجابية لتحريك عجلة التنمية في مسارها الحقيقي بمفهوم المطلحة العامة دون تغول مفهوم المصلحة الخاصة لدى المسؤولين … وللحديث بقية …










