![]()
جريدة النشرة : الكبير قصراوي
مع اقتراب كل موسم دراسي جديد، يتجدد في المغرب مشهد يحمل في ظاهره الكثير من الفرح، لكنه يخفي خلفه قلقًا متزايدًا لدى الأسر. أطفال ينتظرون العودة إلى مقاعد الدراسة بشغف، يتطلعون إلى حقائب جديدة وأقلام ملونة ولقاء الأصدقاء، بينما يقف الآباء أمام واقع مختلف تمامًا؛ واقع تحكمه الأرقام والحسابات ومصاريف لا تنتهي.
فالدخول المدرسي لم يعد بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر المغربية مجرد محطة تربوية سنوية، بل أصبح موعدًا ثقيلًا يفرض نفسه على ميزانية الأسرة، في وقت تتراكم فيه أعباء أخرى لا تقل أهمية: الغذاء، والكراء أو أقساط السكن، والماء والكهرباء، والنقل، والعلاج، وغيرها من المصاريف اليومية.
وهكذا تتحول فرحة الطفل بحقيبته الجديدة إلى اختبار حقيقي لقدرة الأب على تدبير ميزانية شهر كامل.
المحفظة التي تكشف ميزانية الأسرة
يقف رب الأسرة أمام رفوف المكتبات والأسواق، يحمل لائحة طويلة من الكتب والدفاتر والأدوات المدرسية، ويبدأ في الحساب. سعر المحفظة، ثم الكتب، فالدفاتر والأقلام، وبعدها ملابس المدرسة ومصاريف النقل، وربما التسجيل والتأمين والدروس الإضافية.
لكن هذه المصاريف لا تأتي منفردة.
ففي اللحظة نفسها، هناك فاتورة الكهرباء التي تنتظر الأداء، ومصاريف الغذاء التي لا يمكن تأجيلها، وواجب الكراء أو القرض السكني، ومصاريف التنقل والعلاج، ومتطلبات أخرى تفرضها الحياة اليومية.
إنها معادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها قاسية في نتائجها: دخل محدود أمام قائمة طويلة من الاحتياجات. ويلجأ بعض الأسر إلى الاقتراض مع كل دخول مدرسي، وهو ما يزيد من التأزم وتفاقم الفقر.
وبحسب نتائج بحث الظرفية لدى الأسر الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، ما تزال الأسر المغربية تعبر عن ضغوط قوية مرتبطة بمستوى المعيشة، رغم تسجيل تحسن في مؤشر ثقة الأسر خلال الفصل الأول من سنة 2026، الذي بلغ 64.4 نقطة مقابل 57.6 نقطة خلال الفصل السابق.
غير أن المواطن لا يعيش المؤشرات الاقتصادية داخل الجداول؛ فهو يختبرها كل يوم أمام أسعار المواد الأساسية، وفواتير الخدمات، ثم أمام لائحة الدخول المدرسي.
أب واحد.. ومصاريف كثيرة
في كثير من الأسر، لا يمثل الدخول المدرسي سوى واحدة من محطات الإنفاق الثقيلة خلال السنة. فبعد مصاريف الصيف والعطل، يأتي الموسم الدراسي ليعيد ترتيب الأولويات من جديد.
ومع تعدد الأبناء، تتضاعف الفاتورة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسر تختار التعليم الخصوصي أو تضطر إليه بحثًا عن ظروف دراسية أفضل.
وتزداد صعوبة الوضع عندما يكون الدخل محدودًا ولا يترك مجالًا كبيرًا للادخار أو مواجهة المصاريف الطارئة.
لذلك يلجأ بعض الآباء إلى البحث عن العروض الأرخص، أو شراء المستلزمات بالتدرج، أو إعادة استعمال بعض الكتب والملابس واللوازم من موسم إلى آخر.
وفي النهاية، يصبح الأب مطالبًا ليس فقط بتوفير احتياجات أبنائه، وإنما بإدارة ميزانية دقيقة لا تسمح بالكثير من الأخطاء.
التعليم الخصوصي.. اختيار أم اضطرار؟
لا يمكن الحديث عن كلفة الدخول المدرسي دون التوقف عند التعليم الخصوصي، الذي أصبح جزءًا أساسيًا من المشهد التعليمي المغربي.
وتشير المعطيات الرسمية لقطاع التربية الوطنية إلى أن عدد التلاميذ المتمدرسين في التعليم الخصوصي يتجاوز مليون تلميذ على المستوى الوطني، وهو ما يعكس حجم حضور هذا القطاع داخل المنظومة التعليمية.
بالنسبة إلى بعض الأسر، يبدو التعليم الخصوصي اختيارًا بحثًا عن جودة أفضل وظروف تعليمية أكثر ملاءمة. لكن بالنسبة إلى أسر أخرى، قد يتحول الأمر إلى ضرورة تفرضها مخاوف مرتبطة بالاكتظاظ أو مستوى التأطير أو الرغبة في ضمان متابعة دراسية أكثر انتظامًا.
غير أن هذا الاختيار له ثمن.
فإلى جانب واجبات التمدرس، قد يجد الأب نفسه أمام مصاريف النقل، والكتب، والأنشطة، والتأمين، والدروس الإضافية، وغيرها من النفقات التي تجعل الفاتورة السنوية أكبر بكثير من مجرد واجب التسجيل.
وقد سبق لمجلس المنافسة أن أصدر رأيًا حول وضعية المنافسة في قطاع التعليم المدرسي الخصوصي، تناول فيه عددًا من الإشكالات المرتبطة بالشفافية والأسعار والعلاقة بين مختلف مكونات هذا القطاع.
المدرسة العمومية.. استعادة الثقة قبل فوات الأوان
في المقابل، تبقى المدرسة العمومية الخيار الأساسي بالنسبة إلى غالبية الأسر المغربية، وهو ما يجعل إصلاحها وتحسين جودتها قضية اجتماعية تتجاوز قطاع التربية وحده.
وقد وضعت الدولة إصلاح المدرسة العمومية ضمن أولوياتها، من خلال خارطة الطريق 2022-2026 وبرامج تستهدف تحسين جودة التعلمات وتقليص الاكتظاظ وتعزيز الدعم والمواكبة.
لكن بالنسبة إلى الأسرة، يبقى معيار النجاح بسيطًا وواضحًا: هل يشعر الأب أن المدرسة العمومية قادرة على منح ابنه تعليمًا جيدًا يضمن له فرصًا حقيقية في المستقبل؟
فالثقة لا تُبنى بالبرامج والخطابات وحدها، وإنما بما يراه الآباء داخل الأقسام، وبما يلمسونه في مستوى التحصيل، وبما يلمسه أبناؤهم من اهتمام وتأطير ومواكبة.
خلف كل حقيبة.. قصة أسرة
الأرقام مهمة، لكنها لا تحكي كل شيء.
خلف كل محفظة جديدة هناك أسرة أعادت ترتيب ميزانيتها. وخلف كل لائحة مدرسية هناك أب أو أم يحاولان توفير كل ما يحتاجه الطفل دون أن يشعره بثقل الوضع المالي.
قد يؤجل الأب شراء حاجة شخصية، وقد تبحث الأم عن أسعار أقل، وقد تضطر الأسرة إلى الاستغناء عن بعض الكماليات خلال الشهر.
هذه التفاصيل الصغيرة لا تظهر عادة في التقارير الاقتصادية، لكنها تشكل جزءًا حقيقيًا من تجربة الأسر مع كل دخول مدرسي.
فالطفل لا يرى سوى حقيبته ودفاتره، بينما يرى الأب خلفها سلسلة طويلة من الالتزامات.
الطفل يدخل المدرسة محملًا بالأحلام، والأب يدخل الشهر محملًا بالفواتير.
من يحمل العبء مع الأب؟
الدخول المدرسي يفترض أن يكون مناسبة للأمل والانطلاقة الجديدة، لا مناسبة للخوف والقلق.
ومن الطبيعي أن يتحمل الآباء مسؤولية تربية أبنائهم وتعليمهم، لكن حماية الأسرة من الأعباء غير المتوازنة تظل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات التعليمية والسوق ومختلف المتدخلين.
المطلوب ليس إلغاء المصاريف، وإنما ضمان أن تكون الكلفة معقولة وواضحة، وأن تتناسب مع جودة الخدمة المقدمة، مع تعزيز مراقبة السوق وحماية المستهلك ومواصلة إصلاح المدرسة العمومية.
لأن التعليم ليس سلعة عادية، والطفل ليس رقمًا في دفتر الحسابات.
وفي كل موسم دراسي، يعود السؤال نفسه:
إلى متى سيظل الدخول المدرسي امتحانًا لقدرة الأب المغربي على الصمود أمام الغلاء وتعدد الالتزامات؟
فخلف كل حقيبة مدرسية طفل يحلم بمستقبل أفضل، وخلف كل طفل أب وأم يحاولان، بما تبقى لهما من قدرة، أن يحملا هذا الحلم إلى المدرسة.
لكن السؤال الأهم يبقى من يحمل معهما هذا العبء؟











