جنوب إفريقيا… من مطاردة الأجانب إلى مطاردة الذات؟ .. وحين يتحول اللون والجنسية إلى تهمة، يصبح الجميع مهدداً

إدارة الموقعساعة واحدة agoLast Update :
جنوب إفريقيا… من مطاردة الأجانب إلى مطاردة الذات؟ .. وحين يتحول اللون والجنسية إلى تهمة، يصبح الجميع مهدداً

Loading

جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا

 

بقية الحديث … لم تعد ظاهرة العداء للأجانب في جنوب إفريقيا مجرد أحداث متفرقة يمكن عزلها عن المشهد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للبلاد. فمنذ أشهر، تصاعدت الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين، واستهدفت بصورة خاصة مواطنين أفارقة من دول الجوار، في مشهد أثار قلقاً واسعاً داخل القارة الإفريقية ، عكس ما قامت به المملكة المغربية التي استقبلت مهاجري أفارقة جنوب الصحراء عبر تحول استراتيجي من بلد عبور إلى بلد استقبال واستقرار ، مبني على سياسة وطنية جديدة للهجرة أطلقت سنة 2014 تهدف إلى الإدماج الانساني والاجتماعي ، بحيث أطلق المغرب سياسة إنسانية لستوية أوضاع عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين ومنحهم بطاقات إقامة وكرس معهم مفهوم الاندماج المهني والاقتصادي الفعلي في العديد من القطاعات كالفلاحة والبناء والتجارة … ووجدوا في المدن المغربية مستقرا ولقمة عيش ، كما توجه المغرب نحو التعاون الدولي بحيث أصبح يتعاون مع منظمات دولية لتنظيم تدفقات الهجرة  وحماية حقوق الوافدين ، إلى جانب اعتماد مقاربة امنية لمواجهة شبكات الاتجار بالبشر … في خضم التحديات الراهنة التي يعرفها الضغط الاجتماعي والخدماتي ، بحيث يواجه تدبير هذا الملف تحديات كبرى في توفير  الخدمات الأساسية والاندماج الكامل وضبط التوازنات الأمنية والمجتمعية ، مع التركيز على التعايش المجتمعي الذي يشهد تعايشا متزايدا ، خصوصا بين الشباب ، بالتوازي مع نقاشات عمومية مستمرة حول تدبير التحديات المرتبطة بالامن وحواذث العنف المعزولة.

عكس ما يحدث في جنوب إفريقيا ، حيث تشير معطيات حديثة إلى أن أكثر من 160 ألف شخص غادروها أو عادوا إلى بلدانهم خلال موجة التصعيد الأخيرة، بينما سجلت جهات حقوقية عمليات عنف ونهب وتهجير طالت حتى مهاجرين كانوا يتوفرون على وثائق إقامة قانونية.
الأخطر في هذه الظاهرة ليس فقط حجم الضحايا، وإنما المنطق الذي يقف خلفها والذي يتضح جليا في تحميل فئة اجتماعية أو عرقية مسؤولية البطالة والجريمة وتراجع الخدمات والأزمة الاقتصادية.
وهنا يطرح السؤال نفسه وهو إذا أصبح الأجنبي الإفريقي هو «كبش الفداء» لمشاكل جنوب إفريقيا، فهل يمكن أن تتوسع دائرة الإقصاء لتشمل مكونات أخرى من المجتمع؟ من الأجانب إلى البيض… هل نحن أمام المرحلة التالية؟ … هذه الفكرة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
ففي الوقت الذي تتوفر فيه أدلة واضحة على تصاعد العنف ضد الأفارقة الأجانب، لا توجد في المعطيات المتاحة حالياً أدلة موثوقة تثبت وجود حملة منظمة لـ«مطاردة البيض» أو «إبادة البيض» في جنوب إفريقيا. لكن ذلك لا يعني أن التوتر العرقي والسياسي حول وضع الأقلية البيضاء، وخصوصاً الأفريكانر، غير موجود.
فملف الأراضي والإصلاح الزراعي، والإرث الثقيل لنظام الفصل العنصري، والخلاف حول قانون نزع الملكية، إضافة إلى الاعتداءات التي تقع أحياناً في المناطق الزراعية، كلها ملفات تغذي سجالاً حاداً حول مستقبل العلاقات بين المكونات العرقية في البلاد. وقد وصل هذا السجال إلى المستوى الدولي، خصوصاً بعد تبني الولايات المتحدة مواقف وسياسات خاصة تجاه بعض الأفريكانر.
لكن الخلط بين وجود جرائم أو اعتداءات ضد أفراد بيض وبين إثبات وجود «إبادة جماعية للبيض» يضعف أي تحقيق لا يقف على الواقعية والدلائل القانونية التي يمكن أن تقويه وتجعل لديه مصداقية. وقد رفضت جهات بحثية وحقوقية هذا الوصف باعتباره غير مدعوم بالأدلة المتاحة.
الخطر الحقيقي أعمق من لون البشرة
وهناك مشكلة أعمق تستحق النقاش لا تعني أو تهتم وتنحصر في من سيُطارد بعد الأفارقة الأجانب؟
بل في ماذا يحدث عندما يصبح الانتماء إلى مجموعة معينة سبباً كافياً للاتهام والتمييز؟
فاليوم قد يكون المستهدف مهاجراً من زيمبابوي أو مالاوي أو موزمبيق ، وغداً قد يصبح المستهدف شخصاً من أقلية أخرى ، وبعد غد قد يصبح الاختلاف السياسي أو الاجتماعي نفسه مبرراً للإقصاء …
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في جنوب إفريقيا الذي يعتبر بلدا خرج من أحد أكثر أنظمة الفصل العنصري قسوة في التاريخ الحديث، وبنى دستوره الجديد على فكرة المساواة ورفض التمييز، ليجد نفسه اليوم أمام ظاهرة خطيرة تتمثل في عودة منطق التصنيف الجماعي، وإن كان في سياق مختلف تماماً عن نظام الأبارتهايد.
حين يفشل القانون… يتقدم الشارع
من أخطر ما كشفت عنه موجة العنف الأخيرة بجنوب إفريقيا ، أن مجموعات أهلية بدأت تتصرف وكأنها صاحبة سلطة في مراقبة المهاجرين والتحقق من وثائقهم وفرض مغادرتهم البلاد.
وقد حذرت منظمة العفو الدولية في جنوب إفريقيا من أن القانون لا يمنح الأفراد أو الجماعات الخاصة صلاحية تنفيذ قوانين الهجرة، وأن ترك مثل هذه الممارسات دون رد حازم قد يخلق انطباعاً خطيراً بأن المواطنين يستطيعون انتهاك حقوق الآخرين بسبب جنسيتهم أو وضعهم كمهاجرين ، وهذه النقطة بالذات تتجاوز قضية المهاجرين.
فحين يبدأ الشارع في أخذ القانون بيده، يصبح أي شخص قابلاً للتحول إلى هدف.
جنوب إفريقيا أمام امتحان تاريخي
ليس المطلوب الدفاع عن الهجرة غير القانونية، ولا تجاهل تأثيرها المحتمل على سوق العمل أو الخدمات العمومية.
كما لا ينبغي تجاهل المخاوف التي يطرحها بعض المواطنين البيض بشأن الأمن أو الملكية أو مستقبلهم داخل البلاد.
لكن معالجة هذه الملفات لا يمكن أن تتم بالعنف الجماعي أو بالتمييز العنصري أو بتحويل الجنسية واللون إلى معيار للحكم على الأشخاص.
فالقانون وحده هو الذي يستطيع التمييز بين المهاجر القانوني وغير القانوني، وبين المجرم والبريء، وبين صاحب الحق ومنتهك القانون ، أما عندما يصبح الشارع هو القاضي والجلاد، فإن التجربة التاريخية لجنوب إفريقيا نفسها تقدم درساً واضحاً ، والتمييز لا يتوقف عند الفئة التي بدأ باستهدافها.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط «متى ستتوقف مطاردة الأجانب في جنوب إفريقيا؟» بل السؤال الأخطر «إذا اعتاد المجتمع على إقصاء الآخر بسبب أصله أو لونه أو جنسيته… فمن سيكون الآخر التالي؟»
وهنا ربما تكمن أخطر «عدوى» يمكن أن تنتقل في جنوب إفريقيا ، ليست عدوى العنف وحدها، وإنما عدوى الإقصاء نفسها… وللحديث بقية …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News