الدفتيريا تعود إلى المغرب.. بؤرتان وبائيتان بسوس ماسة وحالتا وفاة تثيران القلق

إدارة الموقع29 سبتمبر 2026Last Update :
الدفتيريا تعود إلى المغرب.. بؤرتان وبائيتان بسوس ماسة وحالتا وفاة تثيران القلق

Loading

جريدة النشرة : ل . كعيمة

عاد داء الدفتيريا، المعروف أيضا باسم «الخناق»، إلى واجهة المخاوف الصحية بالمغرب، بعد الإعلان عن رصد بؤرتين عائليتين محدودتين بجهة سوس ماسة، إحداهما بعمالة أكادير إداوتنان، والأخرى بإقليم اشتوكة آيت باها.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة، بالنظر إلى أن الدفتيريا من الأمراض المعدية التي يمكن الوقاية منها بالتلقيح، وأن البؤرتين المسجلتين تطرحان أسئلة بشأن استكمال الأطفال لجرعات التلقيح، ومدى نجاعة اليقظة الوبائية، وقدرة المنظومة الصحية على منع انتشار العدوى.
لكن من الضروري، من الناحية الصحفية، التمييز بين رصد بؤرتين محليتين وبين إعلان انتشار وبائي واسع على الصعيد الوطني؛ فالمعطيات المتاحة لا تثبت وجود تفشٍّ شامل للمرض في مختلف مناطق المغرب.
1. ماذا نعرف عن الحالات المسجلة؟
بحسب المعطيات التي أعلنتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في بلاغها الصادر يوم 28 شتنبر 2026، تم رصد بؤرتين عائليتين محدودتين بجهة سوس ماسة. وتضمنت الحصيلة المعلنة ما يلي: تأكيد حالة واحدة مخبريا ، وجود ثماني حالات أخرى قيد التحري والتأكيد المخبري ، تسجيل حالتي وفاة ضمن الحالات التي لا تزال موضوع التحقيق والتأكيد ، عدم تلقي الأطفال المعنيين التلقيح ضد الدفتيريا، أو عدم استكمالهم الجرعات الموصى بها.
وهنا تبرز نقطة أساسية: الحالات التسع ليست كلها حالات مؤكدة مخبريا. فالمؤكد، وفق المعطيات المذكورة، حالة واحدة، بينما تظل الحالات الثماني الأخرى قيد التحقق.
كما أن تسجيل حالتي وفاة ضمن الحالات المشتبه فيها لا يعني، في حد ذاته، أن الوفاتين تأكدت علاقتهما بالمرض مخبريا. وتظل هذه التفرقة ضرورية لتقديم صورة دقيقة للرأي العام، دون تهويل أو التقليل من خطورة الوضع.
2. ما هو داء الدفتيريا، ولماذا يشكل خطرا على المواطنين؟
الدفتيريا مرض بكتيري معدٍ، يصيب الجهاز التنفسي العلوي أساسا، وقد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة نتيجة السموم التي تنتجها البكتيريا، والتي يمكن أن تضر القلب والأعصاب ، وينتقل المرض أساسا عبر الرذاذ التنفسي الناتج عن السعال أو العطس، كما يمكن أن ينتقل عن طريق المخالطة المباشرة أو ملامسة أشياء ملوثة بالبكتيريا.
وتشمل أبرز أعراضه: التهاب الحلق وارتفاع درجة الحرارة ، الشعور بالضعف والتعب ، تورم الغدد اللمفاوية في الرقبة ، ظهور غشاء سميك رمادي اللون في الحلق في الحالات النموذجية ، وصعوبة التنفس أو البلع في الحالات الشديدة.
وتكمن الخطورة في أن المرض قد يتطور إلى مضاعفات تهدد الحياة، خصوصا لدى الأطفال غير الملقحين ، لذلك، فإن الاشتباه في الإصابة يستدعي تقييما طبيا عاجلا، دون انتظار تطور الأعراض.
3. هل أصبح المغرب أمام وباء وطني؟
حتى تاريخ 29 شتنبر 2026، تشير المعطيات المنشورة إلى رصد بؤرتين عائليتين محدودتين في جهة سوس ماسة، وليس إلى إعلان رسمي عن انتشار وبائي يشمل مجموع التراب الوطني. غير أن محدودية البؤرتين لا تعني انعدام الخطر؛ فظهور حالات جديدة يظل ممكنا، خصوصا في أوساط الأشخاص الذين لم يتلقوا اللقاح أو لم يستكملوا جرعاته.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن تراجع التغطية بالتلقيح قد يسمح بعودة المرض وظهور بؤر جديدة، حتى في البلدان التي سبق أن نجحت في الحد من انتشاره.
ومن المهم التذكير بأن البوابة الصحية الرسمية «صحتي» كانت تشير إلى عدم تسجيل حالات الدفتيريا بالمغرب منذ سنة 1991. وإذا تأكدت الحالات الحالية وفق المعايير المخبرية المعتمدة، فإن ذلك سيشكل عودة للمرض بعد انقطاع طويل، وهو تطور يستحق المتابعة والتحقيق في أسبابه.
4. التلقيح في صلب المواجهة
تشير المعطيات المعلنة إلى أن الأطفال المعنيين بالبؤرتين لم يتلقوا التلقيح ضد الدفتيريا، أو لم يستكملوا الجرعات الموصى بها. وهذه المعطيات تجعل مسألة التلقيح في قلب النقاش حول أسباب عودة المرض. فاللقاح لا يقتصر دوره على حماية الطفل نفسه، بل يساهم أيضا في الحد من انتقال العدوى داخل الأسرة والمجتمع. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحماية تتطلب استكمال الجرعات الأساسية والجرعات المعززة الموصى بها.
وفي هذا السياق، يتعين على الأسر: مراجعة الدفتر الصحي للأطفال والتأكد من استكمال جرعات التلقيح ، التوجه إلى أقرب مركز صحي للاستفسار عن الجرعات الناقصة واستدراكها وفق الجدول الوطني ، عدم الاعتماد على الإشاعات أو المعلومات غير الموثوقة بشأن اللقاحات ، طلب المشورة الطبية عند ظهور أعراض مشتبه فيها، خاصة التهاب الحلق المصحوب بالحمى أو صعوبة البلع والتنفس.
وتشير وزارة الصحة إلى أن اللقاحات المدرجة في البرنامج الوطني للتمنيع متاحة مجانا بالمراكز الصحية التابعة لها.
5. ماذا فعلت السلطات الصحية؟ وما الذي ينبغي تتبعه؟
أفادت المعطيات الرسمية بأن وزارة الصحة فعّلت بروتوكول الاستجابة الوبائية، وأطلقت فرق التدخل السريع تحقيقات وبائية، وبحثا نشطا عن حالات إضافية، مع حصر المخالطين وتتبعهم، وتوفير العلاج الوقائي بالمضادات الحيوية والتلقيح وفق التدابير المعتمدة.
وتشكل هذه الإجراءات عناصر أساسية في احتواء العدوى. لكن التقييم الصحفي الكامل لنجاعة الاستجابة يقتضي الحصول على معطيات إضافية من الجهات المختصة، من بينها: هل تم تحديد مصدر العدوى وكيفية انتقالها داخل البؤرتين؟ هل جرى حصر جميع المخالطين، وهل استكملوا الفحوص والتدابير الوقائية؟ هل تتوفر المراكز الصحية المعنية على وسائل التشخيص والعلاج الضرورية، بما فيها مضاد سموم الدفتيريا؟ هل توجد حالات مشتبه فيها خارج أكادير إداوتنان واشتـوكة آيت باها؟ ما النتائج النهائية للتحليلات المخبرية للحالات الثماني التي كانت قيد التأكيد؟ هل ستُنظم حملات استدراكية للتلقيح في المناطق التي تظهر فيها ثغرات في التغطية؟
هذه أسئلة مشروعة تستهدف تقييم الاستجابة الصحية، دون افتراض وجود تقصير قبل الحصول على الأدلة والمعطيات الرسمية.
6. ما المطلوب لحماية المواطنين؟
إن مواجهة الدفتيريا لا تقتصر على التعامل مع الحالات بعد ظهورها، بل تبدأ بالوقاية والتلقيح والرصد المبكر.
ومن الضروري أن تتواصل السلطات الصحية بشفافية مع المواطنين، وأن تقدم تحديثات منتظمة بشأن نتائج التحاليل، وتطور الحالات، والإجراءات المتخذة، مع الحرص على عدم نشر معلومات قد تكشف هوية الأطفال وأسرهم.
كما ينبغي تعزيز التوعية في المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية، وتسهيل استدراك جرعات التلقيح الناقصة، ومراقبة مدى وصول الخدمات الصحية إلى المناطق التي قد تعرف تراجعا في التغطية بالتمنيع.
أما المواطنون، فعليهم التعامل بجدية مع التحذيرات الصحية، دون الانسياق وراء التهويل أو الاستهانة بالخطر.
لهذا فإن رصد بؤرتين عائليتين للدفتيريا بجهة سوس ماسة، والإعلان عن حالة مؤكدة مخبريا وثماني حالات قيد التحري، من بينها حالتا وفاة، يشكل تطورا صحيا يستوجب اليقظة والمتابعة الدقيقة.
لكن الإنصاف يقتضي عدم وصف الوضع بأنه وباء وطني شامل ما دامت المعطيات المتاحة لا تثبت ذلك، كما يقتضي عدم التقليل من خطورة مرض معدٍ قد تكون مضاعفاته قاتلة.
والسؤال المركزي الذي تطرحه هذه العودة هو: كيف أمكن لمرض قابل للوقاية بالتلقيح أن يظهر مجددا بعد عقود من غياب الحالات المعلنة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب معطيات دقيقة بشأن التغطية بالتلقيح، وأسباب عدم استكمال بعض الأطفال لجرعاتهم، ونتائج التحقيقات الوبائية الجارية.
وفي انتظار اتضاح الصورة، تبقى الأولوية لحماية المواطنين، واستكمال التلقيح، والتشخيص المبكر، والتواصل الصحي المسؤول.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News