![]()
كادم بوطيب -كاظم بوطيب-جريدة النشرة
إن زيارة العاهل الإسباني إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، من وجهة نظري كمواطن مغربي يعتز بانتمائه الوطني ويستحضر ذاكرة بلاده التاريخية، ليست مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل خطوة تثير تساؤلات عميقة بشأن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، ومدى استحضار الجانب الإسباني لحساسية هذا الملف لدى المغاربة. فهاتان المدينتان ليستا مجرد نقطتين جغرافيتين على ضفاف المتوسط، بل تختزلان فصولاً من تاريخ طويل من الصراع والمقاومة، وتستحضران في الوجدان المغربي قضية السيادة الوطنية ووحدة التراب. ومن هذا المنطلق، فإن أي تحرك رسمي إسباني في هذا السياق يظل مدعاة لإعادة النقاش حول وضعية المدينتين، بعيداً عن منطق الأمر الواقع، وفي إطار حوار جاد يحترم الذاكرة التاريخية للشعوب وتطلعاتها المشروعة.
ولا يمكن مقاربة هذا الملف بمعزل عن الصفحات المؤلمة التي طبعت الوجود الاستعماري الإسباني في شمال المغرب، وما شهدته مناطق الريف من مواجهات دامية وتضحيات جسام قدمها المقاومون المغاربة دفاعاً عن الأرض والكرامة. فقد خلفت حرب الريف جراحاً عميقة في الذاكرة الجماعية، خصوصاً في ظل المعطيات التاريخية المتعلقة باستخدام القوات الإسبانية أسلحة كيميائية، من بينها غاز الخردل، خلال عشرينيات القرن الماضي.

وهي وقائع لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد تفاصيل منسية في كتب التاريخ، بل تستدعي مزيداً من البحث والتوثيق والإنصاف، بما يحفظ حق الأجيال الجديدة في معرفة ماضيها، ويكرس مبدأ احترام كرامة الشعوب وحقها في استحضار معاناتها دون انتقائية أو طمس.

وانطلاقاً من هذه الاعتبارات، أعبّر عن رفضي السياسي والوطني لأي زيارة رسمية من شأنها تكريس الوضع القائم في سبتة ومليلية، دون أن تواكبها إرادة حقيقية لفتح نقاش مسؤول حول مستقبل المدينتين وباقي الثغور والجزر المحتلة. كما أدعو القوى الحية والفعاليات المدنية والحقوقية والإعلامية إلى إعادة إحياء النقاش العمومي حول هذا الملف، والعمل على بلورة مبادرات سلمية وحضارية تعيد القضية إلى واجهة الاهتمام الوطني، عبر الندوات والعرائض والترافع المؤسساتي والتحرك المدني المسؤول. فالدفاع عن القضايا الوطنية لا يكون بالصخب وحده، بل بوعي تاريخي راسخ، وخطاب متزن، وعمل مستمر يستند إلى الحجج والوثائق، ويجعل من الحوار المسؤول والوسائل السلمية رافعة أساسية للتعبير عن الموقف المغربي.

إن الذاكرة الوطنية ليست دعوة إلى العداء بين الشعوب، كما أن التطلع إلى علاقات حسن الجوار لا يعني التخلي عن القضايا التي يعتبرها المغاربة جزءاً من سيادتهم وكرامتهم. وبين هذين الاعتبارين، تظل الحاجة قائمة إلى حوار مغربي إسباني صريح ومسؤول، يواجه أسئلة التاريخ بدل الالتفاف عليها، ويبحث عن آفاق مستقبلية قوامها الاحترام المتبادل وحسن الجوار. فالمطلوب اليوم ليس استحضار الماضي من أجل إعادة إنتاج الخصومة، وإنما استحضاره باعتباره مدخلاً لفهم الحاضر، وصون الذاكرة، وفتح نقاش جاد حول مستقبل سبتة ومليلية وباقي الثغور والجزر التي تشكل جزءاً من صلب النقاش الوطني المغربي.












