![]()
جريدة النشرة : د. سعيد سيف السلام
أحكي لكم تفاصيل إصرار على عدم الاستسلام.
قصتي مع السرطان قصة فريدة من نوعها، دوخت الأطباء أثناء الفحص والعمليات. قصتي أدمت قلوب من يحبونني لأنهم لم يتقبلوا مرضي وأنا الزارع للامل والحياة فيمن حولي….
منذ نعومة أظافري، أعطاني آلله خصلة التقبل والرضا وعدم الإهتمام بالشر الذي يمارس علي، ومن منه سبحانه وتعالى أنه يرسل لي من يقف معي أو يؤازرني في محنتي…ولله الحمد.
كنت اشتغل بالتعليم، وكان قسمي دوما مملوءا بالتلاميذ، ليس لأنني أفضل الأساتذة، ولكن لاحساس الآباء والطلبة على حد سواء بأنني أعطي الدروس بقلبي، ولا ألتزم بوقت أو تدبير زمان التحصيل الدراسي، هدفي هو الاستيعاب لا غير، وكل طالب حسب مهاراته وذكائه.
في بداية شهر نونبر ابتدأت قصتي، نقاش و حوار قاسي بسبب مشكل عائلي، اصبحت بعده بلا صوت، أحاول جاهدا…..بدأت بحة في الصوت، ثم صعوبة فى النطق وخروج الحروف، ثم ذهب كل شيء…..صدقوني كنت أعاني عند البقال والجزار…..أنتظر حتى يذهب الزبناء لأكتب ورقة طلبي، أما الحديث في الهاتف المحمول فتلك طامة كبرى….
صادف هذه المرحلة، وفاة رفيق دربي وخال أولادي، ولم أتمكن من القيام بواجب العزاء كما هو معهود لأن الأسرة والأصدقاء يعتبرونني محور العائلة، وكبيرها، ولكن أين الكبير بدون صوت مسموع…
قررت في اليوم الأول الدخول إلى الانترنيت لمعرفة نوع المرض، بحثت واكتشفت أن المشكلة في وجود ورم على الحبال الصوتية، وأنه يعالج….اتصلت بدكتور صديقي ….كما بالفحص…وأكد لي تخوفاتي، قمنا بتحاليل…وذهبت إلى مدينة مراكش حيث يوجد أخي متخصص في المجال….
الصدمة الاولى:
كل شيء تم دون علم زوجتي ولا العائلة….
تفاجأت زوجتي أثناء رجوعها من دار العزاء، بأنني عقدت الرحيل إلى مدينة مراكش، لإجراء العملية، كان فارقا صعبا،وانتزعها حزنين، حزن فراق دائم لأخيها الحنون وحزن فراق زوج ربما لن يعود….أصرت على مرافقته ولكن الظرف لا يسمح…نظرا لأن البيت لازال به المعزون.
اكتشاف الورم من طرف طبيب اختصاصي، بعد نقاش معي، اخبرته بطبيعة الورم ولونه ومكانه…..وطرق العلاج قبل أن يذخل كاميرا الرصد،تفاجأ لدقة المعلومات،وسألني عن مصدر معلوماتي،شرحت له….بانني اطلعت على ذلك بالانترنيت…طلب مني أن نقوم بإجراء عملية جراحية لأخد عينة وإرسالها إلى المختبر قبل التشخيص….
في اليوم الموالي تم ذلك، ومن عادتي قبل عملية التبنيج أن أحكي نكثة قبل الغيبوبة، وأقول للطاقم الطبي(إن ودعت هذه الدنيا،سأترك بسمة، وإن رجعت، أجدها لازالت على محياكم،)….
فعلا حين استفاقتي وجدت كل الطاقم في انتظاري مستبشرين….وهذا قمة سعادتي..
يومان من الانتظار وجاء الخبر الصاعق….هناك ورم خبيث ويجب استأصال الحنجرة…..كل العائلة صدمت بهذا الخبر. لا يمكن، كيف لمنعش العائلة ومصدر سعادتها، وملهمها، ومحرك أفرادها وأعراسها، والمصلح بين خصومها أن يقعد صامتا بيننا…..
صدمة أخرصت الجميع…حتى الدكتور المعالج والذي طلب مني أن يرسلني ألى زميله بكازابلانكا للقيام بها على وجه السرعة.
رجعت الى مدينتي،وأمام إصراري على عدم بثر جزء غالي وعزيز في جسدي ،قمت بخمس عمليات جراحية، للبحث عن الورم….وذهبت عند غالبية الأطباء المختصين…لم يجدوا أثرا للورم، كيف؟؟؟ربنا وحده يعلم
في العملية الأخيرة حضر طاقم الأطباء والطبيب المعالج، للاستشارة….كنت أناقشهم في كل شيء، ليس بعلم عندي، ولكن بتوفيق من الله الودود الحليم…ارتأى الجمع الطبي عدم استأصال الحنجرة.
بعدها استدعاني الطبيب المعالج، وقال لي إنه يفصل الجراحة لعدم المفاجأة، اصررت على الرفض، وطلبت منه البديل:العلاج الكيماوي.
قبل أن يودعني، أعطاني مدة زمنية محددة في الحياة إن لم يتم الاستأصال….قدرها في ستة أشهر في الحد الادنى.
وبدأنا حصص العلاج الكيماوي المضني، بمرافقة زوجتي التي آزرتني في محنتي، وأبنائي وأسرتي التي تدعو لي وتحمد آلله على وجودي بينهم….كنت ازن ٩٠ كيلوغرام، وبعد رحلة العلاج الكيماوي وصلت إلى ٤٥ كيلوغرام.
مرت الأيام والسنين، وأحمد آلله أنني بينكم وبين من يحبني ولازالت حنجرجتي رغم البحة الجميلة تصدر علما وتنشر وعيا…بفضل الله وبركاته، و دعائكم وحبكم لي.
آخر كلمة قبل الختم، ثقوا في مقادير الله واستعينوا بالدعاء، فالودود عنده الداء والدواء…
العائد من جحيم السرطان د.سعيد سيف السلام









