![]()
عن إطلالة بريس : بقلم ذ. رشيد بلفقيه
عاد السرد لينقد المسرح من الملل، ويريحه من مباضع التجريب إلى حين، مع سعي تيار ما بعد الدراما إلى إحياء “الرابسود” القديم، واستعادة ذلك “الجوال الديثرامبي” الذي عاش يحمل الحكاية على كاهله ويسير بها في المداشر والمدن، والقرى والحواضر، مبشرا ومنذرا ونادبا حظ ديونيزوسه الهالك، فغدت العديد من المسرحيات المعاصرة تجسيدا لتلك العودة في عروضها بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال، خصوصا في تلك العروض المسرحية التي قررت أن تجعل من الحكاية مطيتها إلى قلب المتلقي.

لا ترتبط هذه العودة بعصرنا الراهن دون غيره من العصور، وإن اتخذت فيه شكلا مغايرا، فقد اكتشف المسرح منذ زمن بعيد أن النص المسرحي لا بد أن يتقاطع مع الأجناس السردية، وخصوصا الرواية (والمقامة لاحقا) التي كانت تخترق عناصر القطعة المسرحية لتلحم أجزاءها حتى ولو اختلفت فضاءات تقديم ذلك الحكي وأزمنته وشخصياته وديكوره، فالرواية كما يرى-عبد الله حمادي- تبدو بأشكالها القديمة، وبشكلها الحديث أكثر الفنون الأدبية مطاوعة للمسرح، وهو ما برز في رؤى رواد التراجيديا اليونانية عندما عادوا إلى الأشكال السردية في أعمالهم المسرحية، وعلى دربهم سار العديد من الغربيين في عصور مختلفة من عمر المسرح الطويل، بل إن العرب أنفسهم عندما استوردوا المسرح -في شكله الغربي-، دشنوا عودتهم إلى التراث بالرجوع إلى حكايات ألف ليلة وليلة1 .

ضمن هذا الاختيار الدرامي يمكن تصنيف العرض المسرحي “زمانهن” الذي قدم بمسرح عفيفي بمدينة الجديدة، وما يبرر هذه الحكم -إن صحّ- هو احتلال الحكاية مركزا بؤريا في ترتيب العلاقات بين الشخصيات، وفي تميز مسار التوليد الحكائي باتباع النمط الخطي التصاعدي الذي خضع لمنطق البداية ثم العقدة فالحل، ليشدّ المتلقي، ويدخله في عالم الشخصيات كي يجعله شاهدا ومشاهدا في الآن عينه على تلك القصة التي تقرّر فيها امرأة ما في زمن ما، أن تقتحم عالم الرجال السري في مجتمع ما، يدفعها في قرارها ذلك فضولها الجارف ورغبتها في اكتشاف ما يفعله خطيبها عشية كل سبت يغيب فيها عنه، بمساعدة مجموعة من الذكور الذين تربطهم بها علاقات متباينة ففيهم الأخ، والعاشق الفتان (عنيبة) الذي يسعى لإبعاد خصمه (خطيبها مالك) عنها، ثم العطار الذي لا يفارق المجموعة وفقا لخطة سترسمها لهم لتتمكن من ولوج عالم الرجال السري لتكتشف المخبوء، لكن مفاجأة سعيدة ستكون بانتظارها هناك.
استلهمت الحكاية الكثير من تفاصيلها من التراث المغربي، وعملت على توظيفه في بناء العرض المسرحي الذي تخللته الكثير من المقاطع الغنائية التراثية من مناطق مختلفة من المغرب، كما استحضرت هذا الاستلهام في أزياء الممثلين التي ميزها الطابع التقليدي، وبرز هذا الاستلهام في الرؤية السينوغرافية التي اتخذت من آلة العود مصدرا لانبعاث الحكاية، عندما تم تفكيك مجسم آلة العود في بداية العرض بطريقة توحي بانفتاحها، وانبعاث الحكاية من مكان ما منها، لتخرج الحكاية كما تخرج نغمات العود، ثم بعودتها إلى الانغلاق في نهاية العرض المسرحي عندما تم تجميعها من جديد، فكانت مثل صندوق باندورا الذي انفتح لتخرج منه الحكاية الرئيسية المؤطرة للعرض والحكايات الكثيرة المتضمنة فيها، إلا أن الحكاية التي خرجت من هذا العود كانت حكاية حب انتهى نهاية سعيدة بعمس تلك التي خرجت من الصندوق الباندوري الشهير.
استطاع السرد أن يمنح العرض المسرحي ألقه الأبرز، وأن يجعل القارئ يغوص في عالم “المسردية” بتعبير عز الدين الجلاوجي، الذي جعله اهتمامه بالسرد في المسرح يبتدع جنسا وسيطا بتسميته تلك التي جمع فيها بين المسرحي والسردي، والذي رأى أن السرد يستطيع أن ينقذ النص المسرحي، وأن يثير لدى المتلقي فضول الإقبال على النص المسرحي قراءة ومشاهدة متى تم تحويله إلى عرض.
ختاما:
من المعروف أن الرواية تكتب لتتم قراءتها في سياقات تلق معينة، أما المسرحية فتكتب لتمثل وتتم مشاهدتها في سياقات تلق مختلفة تماما عن سياقات قراءة الرواية، ورغم ذلك تظل المادة المشتركة بين الفنين هي الكلمة التي تشكل ركيزة كل منهما سواء كانت كلمة مكتوبة أم شفهية. وتشكل الكلمة في العمل المسرحي حجر الأساس في الحوارات التي تدور بين الممثلين، محققة تواصلهم مع بعضهم البعض من جهة، ومحققة في الوقت نفسه التواصل مع المتلقي اللدود الذي يعتبر الطرف الثالث (المتلصص) في هذا التواصل المركب.
إن الكلمة هي كل شيء كما يقول إبراهيم الكيلاني “إنها رسول الفكر، وإنها ذات امتداد ووقع وإصابة، وصدى، تخرج من فم الممثل فتكتسب في الجو الدرامي معنى خالصا تزيده حركات الممثل دلالة ورمزا، بل قد يمتد معناها إلى أبعد من مدلولها الأصلي، ومما قصده المؤلف ذاته “2، لذلك-ربما- احتفت المسرحية بالكلمة، فاستحضرت الشعر والزجل ومقاطع من الملحون المغربي الأصيل، بوصفهما التجلي الكامل لقدرة العبارة التعبيرية، في العديد من مقاطع العرض، منسجمة في ذلك مع احتفائها بالتراث المغربي في التشكيل البصري.
هوامش
1- عبد الله حمادي، مدخل إلى الشعر الإسباني المعاصر، ص 82 (بتصرف).
2 – إبراهيم الكيلاني، الأوراق، اتحاد كتاب العرب، ص 196.











