![]()
جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … فعلا ، انطلقت المظاهرات الاحتجاجية التي خاضتها شريحة من الشباب المغربي الأيام الأولى ، يومي السبت 28 والأحد 29 من شهر شتنبر الماضي ، على إيقاعات سلمية راقية تعبر عن وعي هؤلاء المتظاهرين وإحساسهم بالمسؤولية تجاه الوطن ومؤسساته ورموزه ، ملخصين دوافع خروجهم إلى الشارع في مطالب معدودة على رؤوس الأصابع والتي تبدو مستخقة ويضمنها الدستور ، ويغلب عليها الطابغ الاجتماغي كتحسين خدمات الصحة والتعليم وخلق فرص الشغل ومحاربة الرشوة و الفساد ، معبرين عن امتعاضهم من السياسة الفاشلة التي تنهجها الحكومة الحالية المتعنتة وعبثها في تسيير البلاد الذي لا يزيد الوضع إلا حدة وتماديا في تكريس اللامسؤولية فيما يتعلق بالقضايا المصيرية التي تتقهقر يوما بعد يوم ، وتزيد من تأزيم الأوضاع الاجتماعية بتكريس سياسة تفقير الطبقة الكادحة ومضاعفة معاناتها والعمل على محاصرتها بكل الوسائل والإمكانيات الضاغطة واللاإنسانية السالبة للحرية وجعلها تعاني في دائرة ضيقة ، ولجوء الحكومة إلى قانون الحصانة الجنائية لتحمي نفسها وكل الفاسدين من المتابعات القضائية لتقوية مواقفها وشرعنتها بوضعها في قوالب قانونية على مقاس مصالحهم واهدافهم الخاصة ، لتكسبها الشرعية والمصداقية ، وتقوم بتطبيقها حسبما يقول المثل الشعبي ” بالفور يا ألشيفور” ، الأمر الذي زاد من الضغط على البالونة ليخرج شباب “ز” يدقون ناقوس الخطر لأولي الألباب من المسؤولين لعلهم يتفكرون ويفقهون ويسرعون لإيجاد حلول واقعية وجادة لتجاوز ما لا تحمد عقباه .
لكن الحلول الترقيعية المدسوسة بسوء النية ، والارتجالية المتخذة في مواجهة الوضع القائم بكل بلادة وضيق نظر ولامبالاة وعدم اكثراث بما يمكن أن ينتج عن مثل هذه المواقف التي قد تتحول إلى قنابل موقوتة بسبب التراكمات السلبية والضغوطات متعددة الأوجه والصور والمصادر والقراءات ، التي قد تكون محلية كما لا يستبعد أن تكون مستوردة وممنهجة ، بحكم ما أصبح المغرب يتعرض له من مضايقات ومواقف يبدع في خلقها أعداء الوحدة الترابية ويترصدون سقوط المملكة في أي كبوة خاطئة وغير محسوبة ، مما جعل شبابنا يقدم على تنبيه المسؤولين في البلاد على ضرورة النهوض من غفوتهم والتعبير بذلك عن رغبتهم في الإصلاح بعدة مطالب موضوعية ، لتأخذ مكانها من الاهتمام لدى مبجلينا من المسؤولين أصحاب الفخامة ، فيقدموا على ما فيه خير لهم ولمن يخالفهم الرأي في إيجاد أرضية ، تجمع الشمل ولا تشتته ، وتستحضر سبل الالتئام وليس التفريق ، وتنظر في عمق المشكل وأسبابه وحيثياته ووقائعه لوضع الأصبع على مواقع الخلل ، والعمل على اجتثاثها من أصولها ومعالجة مكانها بما يصلح ويشفي الغليل ويرضي جميع الأطراف الوطنية خدمة للمصلحة العامة للبلاد .
معاملة أعضاء الشعب وكأنهم أشياء أو قطعا تجارية أو رسوما عقاريا يتم تسجيلها ضمن ممتلكاتكم المدرة للربح وكزبون مضمون لاستهلاك منتجات مصانعكم وضيعاتكم الفلاحية …
اما عن الأطراف الحيوية المؤثرة كالسلطة الرابعة مثلا ، فإنها لم تكن في مستوى المسؤولية ولم تكن تدخلاتها قيمة تنم عن مستوى رفيع من الفكر والتحليل الواقعي للأحداث ، وتدخلاتها كانت غير جريئة وبعيدة عن الشقاق و النفاق اللذين عهدناهما في مجال اكتسحته الزرقلاف واتباع المصلحة الخاصة التي أذلت العديد من المسترزقين الباحثين فقط عما يملأ بطونهم وجيوبهم ، ضاربين عرض الحائط مصالح البلاد والعباد …
إنها فعلا القطرة التي أفاضت الكأس والوخزة التي فجرة البالون الذي تعرض للضغط بقوة التراكمات اللامحدودة التي لا يمكن له أن يتحملها ، والتي فاقت سعة التحمل والصبر المسموح بهما ، مما أدى إلى هذا النوع من الانفجار ، والشيء بالشيء يذكر ، لأن الضغط يولد الانفجار ، ولأن الأمور إذا أسندت لغير أهلها ستؤدي حتما إلى نتائج عكسية ، كما رأينا في الأيام الأخيرة ، الأمر الذي حدث معه تصاعد في مجريات الأمور ، حيث وقعت خلالها انفلاتات أمنية وفوضى وشغب وتصرفات همجية لا يمكن تقبلها ولن تأتي إلا بمزيد من الكوارث ، لا سمح الله ، وذلك بسبب سوء التدبير الذي يبدو أنه أصبح عادة مجانية يذأب عليها مبجلونا من المسؤولين الذين لم يكونوا في مستوى تدبيرها ، لتصل إلى هذا المستوى من الأحداث والوقائع التي لا تبشر بالخير ، ولن تزيد الأمور إلا مزيدا من الكوارث والازمات والنتائج السلبية ، كمن يصب الزيت على النار ، الأمر الذي يجب معه التدخل والانكباب بكل جدية ، لإيجاد حلول مناسبة وبطرق إيجابية يمكنها معالجة الأوضاع بكل جدية وموضوعية ، بعيدا عن العبث والتسويف الذي اعتمدته حكومتنا المبجلة والمسؤولون الحزبيون ، الذين لا يحسنون إلا الركوب على الأموج واستغلال النفوذ والظروف ، بطرق لا تخدم إلا مصالحهم الخاصة ومصالح من يدور في فلك نفوذهم ، والتي أصبحت حرما يحرم الاقتراب منه والتفكير في ملامسته والطمع في التبرك منه ، بصفته مقتصرا على أصحاب النفوذ والشأن ، وممنوعا على غيرهم ، مكرسين بذلك طبقية رهيبة في المجتمع الذي أصبح بسبب هذه المفارقات العجيبة والغريبة يعيش أوضاعا مزرية على جميع الأصعدة ، فأدى ذلك إلى تفاقم كل أسسه وتلف أوراق اعتماده وبعثرة مواقفه وانفصام شخصيته وضياع هويته وقوة تجانسه ، مما فكك الروابط بين المسؤولين والمواطنين وجعل العلاقة القائمة بينهما لا تعتمد على أسس الثقة والواجب والمسؤولية المتبادلة ، كل من موقعه الخاص به ومن زاوية المصلحة الخاصة ، وجعل الفرد يحس وكأنه لم يعد مواطنا ينتمي إلى تركيبة هذا الو طن ، بل أصبح عبارة عن زبون دوره الأساسي أن يقوم باستهلاك ما تنتجه الوحدات الصناعية لهؤلاء المسؤولين النافذين الذين استولوا على زمام الاقتصاد بشتى الطرق ، وحولوا سياسة تدبير البلاد إلى لعبة قمار يرفهون بها عن أنفسهم ، وآلية لزيادة اغتنائهم وتوسيع ثرواتهم وضمان استبدادهم بالأمر وسيطرتهم على الأوضاع في ضرب سافر لازدواجية المهام وتضارب المصالح وتعدد المناصب والاستيلاء على السلطة والشطط في واستعمالها بطريقة أو بأخرى ، الامر الذي أدى إلى انزلاقات كثيرة وكارثية للحكومة بسبب إهمال تدبير السياسات العمومية ، وباتخاذها لقرارات خاطئة وتواليها مثل سحب مسودة قانون الإثراء غير المشروع ، مما فتح شهية منتهزي الفرص من مافيات الفساد لتستغل القرار العمومي للنصب على العقارات ، بالإضافة إلى فضيحة مد وزارة الصحة الدعم للمصحات الخصوصية بواسطة اموال خيالية ومنحها امتيازات كبيرة جعلتها تقدم على فتح فروع كثيرة وبمواصفات عالية على صعيد ربوع المملكة ، ونفس الشي تم اتباعه بالنسبة لمؤسسات التعليم الخصوصي التي طورت قدرتها على إضرام النار في جيوب المواطنين بلا حسيب او رقيب ، واعتماد مناهج لا علاقة لها بأهداف وتطلعات السياسة التعليمية الوطنية ذات الهوية المغربية ، في حين أن القطاع العمومي كان أولى بهذا النوع من الدعم المالي وغيره للرفع من وجودة خدماته ومستوى مردوديته في كل من القطاع الصحي والتعليمي ، ناهيك عما اتبعته الحكومة في مجال تفويت ممتلكات الدولة وخوصصتها في القطاعين المذكورين وغيرهما ، وبطرق مبهمة غير خاضعة لمقومات الشفافية وبعيدة كل البعد عما يمت إلى حسن النية بصلة ، مما أضاع على الدولة والمواطنين فرص الاستفادة الفعلية من هذا الجانب ، وما خفي كان أعظم ، بالإضافة إلى تشجيع الدولة لمهرجانات الفسق والعري والمجون وصرف أموال طائلة عليها بالباطل ودون جدوى ، سوى تشجيع المنحرفين كطوطو وغيره ممن يدسون سموم الفساد في شبابنا المغلوب على أمره ، والذي يحتاج إلى تأطير وتوجيه وتشجيع يرفع من معنوياته ويحفظ كرامته ، حتى لا يبقى عرضة للتأثير ولقمة سائغة في أفواه المؤثرين الساذجين والفاسدين كإلياس المالكي وأمثاله الذين يعيثون في البلاد فسادا ، و يسعون إلى نشر ثقافة التفاهة والانحلال الخلقي وتفكيك أسس المجتمع و خلق عاهات أخلاقية في مجتمعنا المغربي…
وهذا ما كان له من شر كثير أن تولدت عنه عاهات مجتمعية فادحة مثل ترويج المخدرات والإجرام وانتشار الفساد في كل تجلياته واستفحاله بقوة .
وكل هذا التدبير السياسي الذي أقدمت عليه حكومة أخنوش كان يصب في تردي الأوضاع الاجتماعية والصحية والتعليمية وكل القطاعات العامة ، التي من المفروض أنها وضعت لتقديم خدماتها لتحسين أوضاع المواطنين وتيسير امورهم وضمان كرامتهم من خلال مشاريع هادفة ترمي الى الرفع من مستوى التنمية البشرية عن طريق خلق مجالات اقتصادية وسياسية واعدة تستوعب الطاقات الشابة وتشجعها على الاستثمار الفكري والمادي بطرق إيجابة وفعالة ليعيد لها الثقة في نفسها وفي بلادها ومؤسساتها ولربح رهان التقدم والازدهار والرفاهية بسواعد وعقول اصيلة محلية متشبعة بروح الوطنية والضمير الحي … الامر الذي غاب تماما عن مخططات الحكومة وجاد بنتائج عكسية لا تشرف بلادنا التي تراجع فيها مؤشر التنمية البشرية على الصعيد الدولي بالاضافة الى مشكل تراكم الديون وارتفاع نسبة البطالة والفقر ، مما أثار التذمر في نفسية هؤلاء الشباب وخلق فيهم شعورا عميقا بالتهميش ، وبعد وصول السيل الزبى ، انتفضت في داخلهم رغبة جامحة في التغيير ، شكلتها الاحتجاجات التي هي نتيجة لتراكمات بنيوية ذاقوا ذرعا من المعاناة من نتائجها الكارثية وتبعاتها السلبية ، مطالبين من خلال انتفاضتهم هذه بإصلاح القطاع الصحي والتعليمي وتحسين الدخل الفردي والرفع من وثيرة التنمية البشرية لتشمل كل القطاعات وجميع الشرائح الاجتماعية ، والشيء بالشيء يذكر ,, حيث تحول الأمر إلى صفعة قوية في وجه الحكومة المغربية التي تجاهلت مطالب المختجين السلميين الذين عبرها من خلالها ايضا عن تمسكهم بالثوابت التي ترتكز عليها الدولة والتشبث بأسسها ورموزها وعلى رأسها ملك البلاد الذي يعتبرونه رمزا لوحدتها وضامنا لاستقرارها ووحدتها .
لكن تعنت الحكومة وتماطلها في اتخاذ القرار الصائب تسبب في تطور الأوضاع ليتم استغلال هذه المظاهرات والركوب عليها من طرف الجهات المعادية للمغرب وتحويل المسيرات من سلمية إلى فوضى وشغب وانفلات أمنى خطير أدى إلى حصيلة كارثية من الخسائر الناتجة عن العنف والتخريب خلال المظاهرات الأخيرة ، بحيث لم نعد نعرف مع من نعيش ؟ بعد أن تحولت الاوضاع من مظاهرات سلمية راقية إلى مظاهرات لقطاع الطرق والمجرمين الذبن تصرفوا بكل همجية تجاه ممتلكات الغير وممتلكات الدولة من نهب وحرق وتخريب ومواجهات عنيفة للسلطات الامنية العمومية ، لدرجة الهجوم على إحدى مقرات الدرك الملكي واستعمال العنف والترهيب في وجه عناصر الدرك الملكي الذين اضطروا إلى استعمالهم لسلاحهم الوظيفي للدفاع عن نفسهم وسقوط موتى في صفوف هؤلاء المتظاهرين ,,,
بحيث جاءت حصيلة الشغب حسب ما صرح به الناطق الرسمي لوزارة الداخلية بإصابة 263 عنصرا من القوات العمومية و409 من الموقوفين الذين تم وضعهم تحت تدابير الحراسة النظرية وإلحاق أضرار جسيمة وإضرام النار ب 142 عربة تابعة للقوات العمومية .
وقد بدأت وحدات من الشرطة العلمية والتقنية في جمع البصمات من مختلف المحلات التجارية والوكالات التي تم تخريبها أو نهبها.
الوحدات الأمنية قامت أيضا بتفريغ كل كاميرات المراقبة من أجل تحديد هويات كل هؤلاء الخارجين عن القانةن وتقديمهم العدالة.
قيجب متابعة كل من شارك أو تسبب في خلق الفوضى والتخريب والنهب وإضرام النار في ممتلكات الغير والمرافق المختلفة ، عمومية كانت أو خصوصية ، خلال ما صدر عن المظاهرات الاحتجاجية التي عرفتها المملكة خصوصا يومي الاثنين والثلاثاء الأسودين الماضيين ، والتي لا تمت بأي صلة لأي نوع من التظاهر والاحتجاج السلميين ، بل كانت فرصة لبعض قطاع الطرق والمجرمين والخارجين عن القانون ومدمني المخدرات والأميين وعديمي الضمير وعرات المجتمع المغربي والنطيحة وما عاف الضبع وأعداء الوطن ، الذين عاثوا في البلاد فسادا بتبنيهم لمفاهيم الجهل وتكريسهم لقانون الغاب واعتمادهم لصور الوحشية في كل تجلياتها ومراميها المتخلفة الخبيثة والهدامة، البعيدة تماما عن كل ما خلق الإنسان من أجله بتبني الخير واعتماد أسس التحضر والمحبة والإخاء والأمن والسلام والتعاون والتضامن والبناء ، حسب ما تنص عليه الأعراف والعادات…
لكن هذه الأوضاع الكارثية ليست وليدة الصدفة أو اللحظة ، بل هي ناتجة عن تراكمات بنيوية تسبب فيها الفشل الذريع للحكومة الحالية والسابقة أيضا عهدي بنكيران والعثماني وغيرهما ، في تسيير سلبي لقطاعات حيوية وهامة كالتعليم والصحة والتشغيل والقضاء التي تعتبر قطاعات حساسة وفعالة ومصيرية … مما نتجت عنه مشاكل كثيرة دفعت إلى حراك مجتمعي خرج في كر وفر ، وفي مراحل متعددة عبر شتى الطرق السلمية لاستنكار الأوضاع المزرية التي أصبح يعيشها المواطن من تردي خدمات هذه المرافق الحيوية التي وجد نفسه يتخبط بين ظهرانيها وبين سندان غلاء المعيشة ومطرقة الفقر الذي نهش عمق عيشه الكريم ، واستبداد الظروف القاهرة التي لم تعد ترحمه ، وخدلان المسؤولين الذين أداروا له ظهورهم وتنكروا له ولوعودهم ومسؤولياتهم والمهام الموكولة إليهم وعلى رأسها خدمة البلاد والعباد .
لهذا ، فيجب التزام الحذر في مثل هكذا وضعيات ، إذام كانت هناك نية سليمة في اتقاء ما لا يحمد عقباه ،وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، قبل استفحال الأمور وخروجها عن الطوع ، بحيث يجب الإسراع إلى تجنب القرارات العشوائية ، والانطلاق في اتخاذ القرارات الصائبة والعمل على السير في طريق الإصلاح والحفاظ على لحمة وطنية قوية ، وذلك بالانكباب على حصر المتسببين الحقيقيين في هذه المآسي التي تهدف إلى إيقاع البلاد في الفتنة وزرع الخوف والرهبة في المجتمع وضرب مصلحة البلاد العليا عرض الحائط ، ومتابعتهم حسب المنسوب إليهم ومن ضمن التهم التي يستوجب متابعتهم بها تهمة خيانة الأمانة الوطنية ، والضرب على أيديهم بقوة ، حتى يكونوا عبرة ورسالة متضمنة يسجلها التاريخ لمن تسول له نفسه التفكير في خيانة الوطن والتلاعب بمصير البلاد والعباد … وللحديث بقية …









