![]()
جريدة النشرة : عثمان الوقيفي
في الحياة البرلمانية، ليست الكلمات مجرد تعبير عابر، وليست النكتة السياسية دائماً بريئة، خصوصاً حين تصدر عن شخصية توجد في موقع مؤسساتي حساس مثل رئاسة مجلس النواب. فالرئيس، بحكم موقعه، لا يتحدث فقط بصفته الحزبية، ولا يعبّر فقط عن مزاج سياسي عابر، بل يُفترض أن يجسد هيبة المؤسسة، وأن يحافظ على المسافة الضرورية بين الانتماء السياسي وواجب الحياد في تدبير النقاش العمومي.
من هذا المنطلق، أثارت واقعة اليوم في البرلمان المنسوبة إلى ادريس اشطيبي الذي ترأس مجلس النواب بالنيابة ، والمتعلقة بتهكمه على حزب العدالة والتنمية ونعت أعضائه بـ“الشيعة” أمام أنظار الكاميرا، نقاشاً يتجاوز حدود المزاح السياسي أو السجال الحزبي العادي. فالأمر لا يتعلق فقط بعبارة قيلت في لحظة عابرة، بل بصورة المؤسسة البرلمانية نفسها، وبحدود ما يجوز وما لا يجوز في الخطاب الصادر عن رئيس يفترض فيه أن يكون حكماً لا طرفاً، وضامناً للتوازن لا منتجاً للتوتر.
صحيح أن رئيس مجلس النواب ينتمي إلى حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، وهو حزب مشارك في الحكومية، وصحيح أيضاً أن الصراع السياسي بين الأغلبية والمعارضة جزء طبيعي من الممارسة الديمقراطية. لكن رئاسة مجلس النواب ليست امتداداً مباشراً لمنصة حزبية، ولا ينبغي أن تتحول إلى موقع لتصفية الحسابات الرمزية مع خصوم سياسيين. فالفرق كبير بين أن يكون المسؤول منتمياً حزبياً، وبين أن يمارس مهمته الرئاسية بعقلية حزبية ضيقة.
الخطير في العبارة المنسوبة ليس فقط طابعها التهكمي، بل استعمال توصيف مذهبي في سياق سياسي داخلي. فحين يُستعمل لفظ “الشيعة” لا كمعطى ديني أو مذهبي، بل كوسم ساخر أو اتهامي، فإن ذلك يفتح الباب أمام لغة الإقصاء والوصم. السياسة، في جوهرها، خلاف حول البرامج والاختيارات والنتائج، لا حول الهوية الدينية أو الانتماء العقدي أو الإيحاءات المذهبية. وحين يتم إدخال هذه المفردات في الخصومة الحزبية، فإننا نغادر مجال النقد السياسي المشروع إلى منطقة ملتبسة، قد تغذي سوء الفهم والتحريض الرمزي.
كما أن استهداف حزب معارض بعبارات تهكمية من هذا النوع يطرح سؤالاً أعمق حول موقع المعارضة داخل المؤسسة التشريعية. فالمعارضة ليست ضيفاً ثقيلاً داخل البرلمان، وليست خصماً يجب التقليل من شأنه، بل هي جزء من البناء الدستوري والسياسي. دورها أن تراقب، تنتقد، تقترح، وتزعج الأغلبية حين تقتضي الضرورة. ومن حق الأغلبية أن ترد عليها سياسياً، لكن ليس من موقع الرئاسة، وليس بلغة قد تُفهم باعتبارها تبخيساً أو تحقيراً.
إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الجلسات ولا بحجم القوانين المصادق عليها، بل تُقاس أيضاً بنوعية الخطاب داخل المؤسسات. فإذا كان البرلمان هو بيت النقاش العمومي، فإن أول شروط هذا النقاش هو الاحترام. قد يكون الخلاف حاداً، وقد تكون المواجهة السياسية ساخنة، لكن السخرية حين تصدر من موقع السلطة المؤسساتية تفقد طابعها العادي، وتتحول إلى رسالة غير مريحة مفادها أن الرئاسة ليست على المسافة نفسها من جميع الفرق.
وفي هذا السياق، تبدو مسؤولية رئيس مجلس النواب مضاعفة. فهو مطالب، أكثر من غيره، بضبط اللغة، لأن الكلمة الصادرة عنه لا تملك الوزن نفسه الذي تملكه كلمة نائب عادي في لحظة انفعال. رئيس المجلس يملك سلطة رمزية وتنظيمية، ويدير الجلسات، ويمنح الكلمة، ويحافظ على النظام، ويمثل المؤسسة داخلياً وخارجياً. لذلك، فإن أي انزلاق في الخطاب قد يمسّ ثقة المواطنين في حياد المؤسسة، ويعطي الانطباع بأن البرلمان فضاء للمناكفات الصغيرة بدل أن يكون فضاءً للنقاش الرصين.
الأكثر حساسية أن الواقعة، بحسب ما نُسب إليها، تمت أمام الكاميرا. وهذا يعني أن الأمر لم يعد مجرد حديث جانبي محدود الأثر، بل صار مادة قابلة للتداول والتأويل والتوظيف السياسي. في زمن الصورة والانتشار السريع، لم تعد العبارات تموت في مكانها. كل كلمة قد تتحول إلى عنوان، وكل إشارة قد تصبح مادة للسجال، وكل تهكم قد يتحول إلى دليل على أزمة أعمق في الثقافة السياسية.
ولا يعني هذا الدفاع عن حزب العدالة والتنمية أو تبني مواقفه. فالحزب، مثل باقي الأحزاب، قابل للنقد والمساءلة والمحاسبة السياسية. لكن النقد شيء، والتهكم الهوياتي شيء آخر. يمكن مساءلة الحزب عن اختياراته الحكومية السابقة، وعن مواقفه داخل المعارضة، وعن خطابه السياسي، وعن تناقضاته. أما استعمال توصيف مذهبي في سياق السخرية، فهو يضعف النقاش بدل أن يقويه، ويحوّل الخلاف السياسي إلى تراشق رمزي لا يفيد المواطن في شيء.
المواطن المغربي، وهو يتابع البرلمان، لا ينتظر من ممثليه تبادل النعوت، بل ينتظر أجوبة عن الأسعار، التشغيل، التعليم، الصحة، الحماية الاجتماعية، العدالة المجالية، ومراقبة العمل الحكومي. وحين يتحول انتباه الرأي العام من مضمون النقاش إلى عبارات السخرية، فإن المؤسسة تخسر جزءاً من وقارها، والسياسة تخسر جزءاً من معناها.
لذلك، فإن الواقعة تستدعي، على الأقل، توضيحاً سياسياً ومؤسساتياً. فإذا كانت العبارة قد أُخرجت من سياقها، فالتوضيح مطلوب. وإذا كانت قد صدرت فعلاً بالمعنى المتداول، فالاعتذار سيكون علامة قوة لا ضعف. الاعتذار في السياسة الديمقراطية ليس إهانة لصاحبه، بل اعتراف بأن المؤسسة أكبر من الأشخاص، وأن اللغة العمومية لها حدود، وأن الاختلاف لا يبرر كل شيء.
في النهاية، رئيس مجلس النواب ليس مطالباً بأن يتخلى عن انتمائه الحزبي، فهذا غير واقعي. لكنه مطالب بأن يعلّق هذا الانتماء، ولو جزئياً، حين يتحدث من موقع الرئاسة. فالمؤسسات لا تُبنى فقط بالقوانين والمساطر، بل تُبنى أيضاً بالرموز والسلوك والكلمات. وحين تصبح الكلمة غير محسوبة، يصبح الخطر أكبر من مجرد زلة لسان؛ يصبح مؤشراً على حاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار لأخلاقيات العمل البرلماني.
فالبرلمان ليس فضاءً للغلبة اللفظية، بل ساحة للمساءلة. والرئاسة ليست منصة للسخرية من المعارضة، بل مسؤولية لحماية حقها في الوجود والكلام والاختلاف. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل كانت العبارة مضحكة أم لا؟ بل: هل تليق بمقام رئيس مجلس النواب؟ وهل تخدم صورة المؤسسة؟ وهل تعزز ثقة المواطن في العمل البرلماني؟ الجواب، على الأرجح، لا يحتاج إلى كثير من الاجتهاد.










