![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … ظهرت في الأيام الأخيرة حربا تنافسية بين كل من فرنسا وإسبانيا والمغرب ، والتي كانت منذ سنوات تتاجج في الخفاء ، ولكن يبدو أنها خرجت إلى العلن واحتدت قوتها بفعل فاعل أو فاعلين أرادوا أن تاتي نيرانها على الأخضر واليابس اليوم قبل الغد ، مما بدأت معه بوادر التطاحنات تتأجج وتظهر على شكل اختلافات دبلوماسية وسياسية واقتصادية ، ربما أخفاها النفاق السياسي ليؤجلها إلى هذه الظرفية لتتأجج نيرانها في الأيام الأخيرة ، كما أن توصيف التفاعلات الدبلوماسية الأخيرة بـ “النفاق السياسي” يعكس بالفعل حجم التعقيد والمفارقات الحاصلة في العلاقات المثلثة بين المغرب، وإسبانيا، وفرنسا خلال سبتمبر 2026. فبينما تُظهر الدول الثلاث تعاوناً نموذجياً في ملفات استراتيجية واقتصادية حيوية، تشتعل خلف الكواليس والأروقة السياسية صراعات وتجاذبات حادة تغذيها الحسابات الانتخابية والملفات الحدودية … وكما نعرف وحسب التجارب والمواقف المماثلة التي عرفتها الخلافات والمواجهات والعناد الذي تغديه المصالح على مختلف أنواعها وأشكالها وإديولوجياتها واهدافها ومراميها ، فلابد وأن هناك من خاسر ورابح في مثل هذه المواجهات ، حسب قوتها وضراوتها …
ولهذا فالأدق ألا نبحث عن «رابح وخاسر» واحد، لأن المصالح متشابكة، والخسائر ستكون مختلفة من بلد إلى آخر.
وحسب المشهد الحالي وفي 2026
فالمغرب اتبع سياسة ناجعة وموسعة وشبه شاملة ، بحيث لم يعد مجرد طرف تابع للعلاقات الأوروبية. فهو يتحول تدريجياً إلى منصة صناعية وتجارية وأمنية تربط أوروبا بإفريقيا، مع تنويع شركائه نحو الصين والولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا. وفي الوقت نفسه، ما زالت فرنسا وإسبانيا شريكين اقتصاديين أساسيين.
لكن هناك اختلاف مهم ؟
فرنسا والمغرب: العلاقة تشهد منذ 2024 إعادة بناء واضحة. وفي يوليوز 2026 عقد البلدان الاجتماع رفيع المستوى الخامس عشر، وأعلنا اتفاقات جديدة في الصناعة والطاقة والأمن والنقل وغيرها.
فرنسا اقتصادياً: بلغ حجم التجارة الفرنسية المغربية مستوى قياسياً قدره 15.1 مليار يورو في 2025، وفرنسا ما زالت المستثمر الأجنبي الأول في المغرب من حيث رصيد الاستثمارات، وفق بيانات الخزينة الفرنسية.
إسبانيا والمغرب: العلاقة أكثر تعقيداً، لأنها تجمع بين التعاون الاقتصادي والأمني والهجرة من جهة، وملفات سيادية حساسة مثل سبتة ومليلية من جهة أخرى. وقد تجدد الخلاف حول المدينتين خلال صيف 2026، بعدما رفضت مدريد بشكل قاطع المطالب المغربية بشأنهما.
فأين تكمن المفارقة؟
فرنسا وإسبانيا تحتاجان المغرب، لكن المغرب أيضاً يحتاج أوروبا.
إسبانيا تحتاج المغرب في ملفات الهجرة والأمن والتجارة والطاقة والربط المتوسطي. والأزمة الأخيرة في سبتة أظهرت بوضوح مدى حساسية الحدود المغربية الإسبانية بالنسبة لأوروبا؛ فقد اعتبر البرلمان الأوروبي أزمة يوليوز 2026 اختباراً لسياسات الاتحاد الأوروبي في الهجرة وإدارة الحدود.
وفرنسا، من جهتها، لديها مصالح اقتصادية كبيرة جداً في المغرب، من الشركات والاستثمارات إلى مشاريع البنية التحتية والصناعة والطاقة.
أما المغرب، فيستفيد من السوق الأوروبية والاستثمارات والتكنولوجيا، لكنه في الوقت نفسه يعمل على تقليل الاعتماد على شريك واحد.
وهنا تظهر نقطة مهمة جداً:
الخاسر المحتمل ليس بالضرورة الدولة التي تتعرض للضغط الأكبر، بل الدولة التي تكتشف متأخرة أنها أصبحت أكثر اعتماداً على الطرف الآخر منها على نفسها.
وماذا عن الصراع الفرنسي الإسباني؟
هنا تصبح المسألة أكثر إثارة ، ففرنسا وإسبانيا حليفتان داخل الاتحاد الأوروبي، وليستا في مواجهة مباشرة. بل إن العلاقات الاقتصادية بينهما ضخمة للغاية؛ فقد بلغ حجم تجارة السلع والخدمات بينهما نحو 112 مليار يورو في 2023، مع استثمارات وشركات متداخلة بكثافة. لذلك لا أتوقع أن يتحول الأمر إلى «فرنسا ضد إسبانيا» بالمعنى الحرفي.
الأقرب هو تنافس على النفوذ والمصالح داخل علاقة ثلاثية: باريس ، الرباط و مدريد . والمغرب يستطيع في هذه الحالة أن يستفيد من المنافسة الأوروبية، بشرط ألا يتحول هو نفسه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الأوروبية.
أما سبتة ومليلية… فهنا توجد أخطر نقطة في المعادلة ، المغرب يطرح المسألة باعتبارها مرتبطة بحقوق تاريخية وجغرافية ويعتمد على حجج ودلائل واقعية ودامغة ، بينما تؤكد إسبانيا عنادها وموقفها الذي لا يستند على أي أساس من الواقع والصحة ، وتعتبر أن المدينتين جزء من سيادتها وترفض فتح تفاوض حول السيادة.
لكن المفارقة أن المغرب وإسبانيا مقبلان على استحقاق مشترك ضخم هو كأس العالم 2030، وقد ظهر بالفعل خلاف جديد حول استضافة المباراة النهائية. وهذا يوضح طبيعة العلاقة: تنافس شديد + مصالح مشتركة ضخمة + ملفات سيادية غير محسومة.
فمن قد يخسر؟
بدلاً من ترتيب الدول، يمكن تحديد مواطن الخسارة المحتملة: الطرف ، أين يمكن أن يخسر؟ أين يملك أوراق قوة؟
المغرب إذا تضررت علاقته بالسوق الأوروبية أو الاستثمارات ، الموقع، إفريقيا، الصناعة، الأمن والهجرة، تنويع الشركاء
إسبانيا إذا تدهورت علاقاتها مع الرباط في الهجرة والأمن والتجارة ، عضوية الاتحاد الأوروبي، الموقع، القوة الاقتصادية، العلاقة المباشرة مع المغرب .
فرنسا إذا فقدت جزءاً من نفوذها الاقتصادي والسياسي لصالح منافسين أوروبيين وآسيويين ، الاستثمارات، الشركات، التكنولوجيا، العلاقات التاريخية والمؤسساتية .
لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بالضرورة “من سيهزم من؟” وإنما من سيتمكن من تحويل موقعه الجغرافي والاقتصادي والسياسي إلى قوة تفاوضية أكبر خلال السنوات المقبلة؟
وهنا يصبح المغرب حالة مختلفة عن الماضي ، فكلما نجح في تنويع شركائه وتطوير صناعته وربطه بإفريقيا والأطلسي والمتوسط، أصبحت قدرته على التفاوض مع فرنسا وإسبانيا أكبر؛ وكلما بقي معتمداً على شريك أو سوق واحد، بقيت أوراق الضغط الخارجية أقوى.
لهذا فعلى الاطراف المعنية “فرنسا وإسبانيا والمغرب” ألا تستمر في حرب المصالح الهادئة هذه والتي من الأكيد انها ستدفع الثمن غاليا ، وتفسح الفرصة للأعداء والشامتين ، فلا خير في العناد والحرب ، بل الخير في السلم والتآلف والتضامن والتعاون حتى تستقر الدول والشعوب ويسود السلام والطمأنينة … فخذوا العبرة من صفحات الماضي التي قد تنبهكم وترشدكم وتوجهكم إلى ما فيه خير لكم وللإنسانية جمعاء … وللحديث بقية …











