المغرب بين من باعوا الوطن ومن اشتروا النفوذ … بين التحليل التاريخي والواقعي

إدارة الموقع19 سبتمبر 2026Last Update :
المغرب بين من باعوا الوطن ومن اشتروا النفوذ … بين التحليل التاريخي والواقعي

Loading

جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا

 

بقية الحديث … حدثت في المغرب ، ولازالت إلى يومنا هذا ، تجاذبات سياسية بين أحزاب وطنية أدت إلى صراعات ومواجهات واتهامات وانشقاقات وتفريخات وتباين في التوجهات والافكار والإيديولوجيات والمصالح … وذلك من أجل الاستيلاء على السلطة وموازينها … وما خفي أعظم .

نعم، وهذا الوصف يمكن أن يشير إلى مرحلة مفصلية في تاريخ المغرب بعد الاستقلال، لكن من المهم التمييز بين الصراع بين الأحزاب على قيادة الدولة والحكومة وبين الصراع الأوسع على طبيعة توزيع السلطة بين الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية.
بعد الاستقلال سنة 1956، لم يكن الانتقال إلى بناء الدولة المستقلة خالياً من التنافس. فقد برز خلاف حول من يملك القرار السياسي الفعلي: المؤسسة الملكية من جهة، وحزب الاستقلال والقوى المنبثقة عن الحركة الوطنية من جهة أخرى. وفي سنة 1959 انشق جناح من حزب الاستقلال وأسّس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP)، ليصبح المشهد الحزبي أكثر انقساماً، خصوصاً بين تيارات محافظة وأخرى اشتراكية ونقابية.
وتحوّل هذا التنافس تدريجياً إلى صراع سياسي حاد. فقد شهدت البلاد في الستينيات احتجاجات ومحاكمات ضد معارضين، ثم إعلان حالة الاستثناء سنة 1965، كما دخلت البلاد مرحلة شديدة التوتر شهدت مواجهات سياسية واجتماعية ومحاولات انقلاب عسكرية سنةَي 1971 و1972.
والأهم أن الانقسامات لم تتوقف عند حزب الاستقلال؛ فالـUNFP نفسه انقسم سنة 1975، وخرجت منه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP). وفي نهاية التسعينيات وصل أحد أبرز أحزاب المعارضة التاريخية، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، إلى رئاسة الحكومة في إطار ما عُرف بـالتناوب التوافقي.
وتبعا للدراسة التاريخية المتعلقة بذلك فإنه يمكن أن نقول إن المغرب عرف صراعاً على موازين السلطة بين المؤسسة الملكية والقوى المنبثقة عن الحركة الوطنية، تداخل معه تنافس وانشقاق داخل الأحزاب نفسها حول من يقود الدولة ومن يحدد توجهاتها السياسية والاقتصادية. وهذا يفتح باباً لتحقيق مهم جداً، خصوصاً إذا أردنا ربط الماضي بالحاضر ،
من صراع الأحزاب على السلطة إلى صراع المصالح داخل الدولة . فماذا بقي من السياسة المغربية بعد سبعة عقود من الاستقلال؟
يمكن أن نبني تحقيقنا هذا زمنياً من 1956 ، الاستقلال  ، انقسام حزب الاستقلال ، تأسيس UNFP ، صراعات الستينيات ، سنوات الرصاص ، الانقسامات الحزبية ، التناوب التوافقي ، حكومة الإسلاميين ، الحكومات الحالية، مع فصل واضح بين الوقائع الموثقة، وروايات الفاعلين، والتحليل السياسي. وهذا سيكون أقوى بكثير من تقديم التاريخ باعتباره مجرد “صراع أحزاب على الكراسي”.

العدالة والتنمية والليبرالية الحكومية… من دفع الثمن ومن حصد المكاسب؟
ليس السؤال الحقيقي اليوم هو: هل كان حزب العدالة والتنمية أفضل من الحكومات التي سبقته أو تلته؟ وليس أيضاً  هل الحكومة الحالية ليبرالية أكثر مما ينبغي؟
السؤال الأكثر إلحاحاً هو ، بعد أكثر من عقد من تداول الحكومات والشعارات والبرامج، هل تغيرت القواعد التي تحكم توزيع الثروة والفرص في المغرب، أم تغيرت فقط الوجوه التي تديرها؟
ذلك أن المغرب حقق خلال السنوات الماضية تحولات اقتصادية وبنيوية لا يمكن إنكارها، خصوصاً في البنية التحتية والصناعة والاستثمار. لكن هذه الصورة الإيجابية لا تلغي سؤالاً آخر: لماذا لا يتحول النمو بالقدر نفسه إلى فرص شغل جيدة، وعدالة مجالية، ومنافسة اقتصادية متكافئة، وتحسن ملموس في الخدمات العمومية؟
فالبنك الدولي، في تقييمه للفترة 2011-2021، نقل تشخيصاً للمغرب حدد أربعة عوائق هيكلية، من بينها عدم تكافؤ أرضية المنافسة الاقتصادية بما قد يشجع سلوكيات الريع ويصعّب دخول فاعلين جدد، إلى جانب ضعف تنفيذ السياسات وضعف مشاركة المواطنين والقوى العاملة والمجالات الترابية.
العدالة والتنمية: هل كان التغيير فعلاً تغييراً في النموذج؟
عندما قاد حزب العدالة والتنمية الحكومة بين 2012 و2021، وجد نفسه أمام وضع اقتصادي ومالي صعب. وتشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن المغرب نفذ خلال تلك المرحلة إصلاحات ساهمت في تقليص الاختلالات المالية والخارجية، من بينها إصلاح نظام المقاصة وتحرير أسعار المحروقات تدريجياً. لكن هذه الإصلاحات تطرح سؤالاً سياسياً واجتماعياً مشروعاً ، هل يكفي إصلاح المؤشرات المالية إذا لم يشعر المواطن بأن إصلاح الاقتصاد يحسن موقعه في توزيع الثروة والفرص؟ فالإصلاح المالي شيء، وإعادة توزيع ثمار النمو شيء آخر. وهنا ينبغي ألا يُختزل تقييم تجربة العدالة والتنمية في خطاب حزبي مؤيد أو معارض. المطلوب هو وضع القرارات أمام نتائجها: ماذا تغير في الأسعار؟ ماذا حدث للأجور؟ كيف تطور الدين؟ ماذا وقع في التشغيل؟ ومن استفاد من الإصلاحات؟ ومن تحمل كلفتها؟
ثم جاءت الحكومة الحالية… وما أدراك ما الحكومة الحالية !
منذ 2021 انتقل المغرب إلى مرحلة حكومية جديدة، برئاسة عزيز أخنوش، مع خطاب أكثر وضوحاً حول الاستثمار الخاص، الدولة الاجتماعية، دعم المقاولات، وجذب رؤوس الأموال.
وتظهر المؤشرات الاقتصادية الرسمية والدولية أن الاقتصاد المغربي يواصل تسجيل معدلات نمو واستثمارات مهمة. فقد قدر صندوق النقد الدولي نمو الناتج الحقيقي بنحو 4.9% في 2025، وتوقع 4.4% في 2026، مع استمرار الاستثمار في البنية التحتية والمشاريع الكبرى. لكنه في الوقت نفسه شدد على أن خلق فرص شغل مستدامة يظل تحدياً ملحاً، وعلى ضرورة جعل المنافسة أكثر تكافؤاً بين القطاعين العام والخاص.
وهنا يظهر التناقض الذي يستحق التحقيق ، كيف يمكن لاقتصاد أن يجذب الاستثمارات الكبرى ويحقق نمواً مهماً، بينما تظل قضية التشغيل وجودة الوظائف والفوارق المجالية والاجتماعية من أكبر تحدياته؟
البنك الدولي نفسه، في إطار الشراكة الجديدة مع المغرب للفترة 2026-2035، يقول إن النمو حقق بنية تحتية وبرامج اجتماعية مهمة، لكنه لا يزال ينتج عدداً قليلاً نسبياً من الوظائف ذات الجودة، مع استمرار الفوارق الترابية وضعف إنتاجية الشركات وعدم تطابق المهارات مع حاجات سوق العمل.
الليبرالية ليست هي المشكلة وحدها ، من السهل اتهام “الليبرالية” بكل الاختلالات. لكن التحقيق الجاد يجب أن يذهب أبعد من ذلك. فالمشكلة قد لا تكون في وجود القطاع الخاص أو الاستثمار أو تحرير بعض الأسواق في حد ذاته، وإنما في قواعد اللعبة: من يستطيع دخول السوق؟ من يحصل على الصفقات؟ من يستطيع الوصول إلى التمويل؟ هل المنافسة متكافئة؟ هل توجد امتيازات غير مبررة؟ هل تضارب المصالح مراقب فعلاً؟ وهل المال العام يخلق قيمة عامة، أم يتحول في بعض الحالات إلى مصدر لتراكم الثروة لدى فئات محددة؟؟؟

وهذه ليست مجرد أسئلة صحفية نظرية تم إطلاقها عن عواهنها . ففي يناير 2026، عرض المجلس الأعلى للحسابات اختلالات في تدبير الصفقات العمومية، من بينها حالات مرتبطة بالتنافي، والإقصاء غير المبرر لبعض العروض، وعدم المساواة في التعامل مع المتنافسين، وأخطاء في التقييم، وتنفيذ بعض الصفقات قبل استكمال الإجراءات المطلوبة. وهذه وقائع رقابية ينبغي التعامل معها حالة بحالة، دون تحويلها تلقائياً إلى اتهام جنائي.
إذن… من “باع الوطن”؟ هنا يجب أن نتوقف على قوة العبارة ، لكنها تصبح خطيرة إذا تحولت من سؤال إلى حكم.
فليس كل من دافع عن الخصخصة “بائعاً للوطن”، وليس كل مستثمر “مشترياً للوطن”، وليس كل مسؤول أخطأ أو فشل في تنفيذ سياسة ما “خائناً” ومع احترام المواقف الشريفة والنيات الحسنة يبطل التعميم ويبقى المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته … وما اكثرها الإدانات التي وضعت العديد من المسؤولين من المستوى العالي داخل جدران السجون ، ولازال العاطي يعطي …
لكن يمكن أن نوجه السؤال بصيغة أخرى أكثر دقة مثل هل أنتجت بعض السياسات العمومية امتيازات اقتصادية غير متكافئة؟ هل استفادت شركات أو مجموعات بعينها من قرارات أو صفقات أو تنظيمات على حساب المنافسة؟ هل توجد حالات موثقة لتضارب المصالح؟ هل تحولت بعض العلاقات بين المال والسياسة والإدارة إلى نفوذ اقتصادي؟
إذا كانت الإجابة نعم في حالة محددة، فالمطلوب ليس وصف أصحابها بالخيانة، بل تقديم الوثائق والأسماء والقرارات والمبالغ والمساطر والجهات المستفيدة، وترك الوقائع تتحدث ، مما يجعلنا نترك ذلك لذوي الاختصاص.
المعركة الحقيقية ليست بين حزبين أو توجهين
قد يكون أخطر خطأ هو اختزال مستقبل المغرب في صراع بين العدالة والتنمية وحكومة ليبرالية. فالمشكلة أعمق من ذلك. المغرب يحتاج إلى دولة تستطيع أن تقول للمستثمر الكبير والصغير الشيء نفسه ، نفس القانون، نفس المنافسة، نفس الشروط، ونفس المحاسبة.
ويحتاج كذلك إلى اقتصاد لا يقيس نجاحه بعدد المشاريع الكبرى فقط، وإنما بإيجابيته في عدد الوظائف الجيدة التي خلقها، وبمدى ارتفاع إنتاجية الشركات الصغيرة والمتوسطة، وبقدرة المواطن في المغرب العميق على الوصول إلى التعليم والصحة والنقل والكهرباء والماء والفرص الاقتصادية وتوفير شروط العيش الكريم.
وهنا تكمن إحدى أهم خلاصات المعطيات الدولية الحالية ، فالبنك الدولي يرى أن المغرب قادر على تحقيق نمو أكثر شمولاً، وأن الإصلاحات يمكن أن تضيف نحو 1.7 مليون وظيفة بحلول 2035، لكن ذلك يتطلب إصلاحات بنيوية وربط النمو بقدرة القطاع الخاص على خلق فرص العمل.
وكخلاصة لكل ذلك وإنصافا لكل المتدخلين في تسيير الشأن العام للبلاد من أشخاص ومؤسسات ، فيمكن أن نجاري فكرة أن المغرب لم “يبع” بالمعنى الذي تثبته الوقائع العامة، كما لا يمكن القول إن فئة معينة “اشترته” دون أدلة محددة ، وما أدراك ما الأدلة المحددة وما يحيط هذا الجانب من تمويه ومغالطات يصعب معها التوصل إلى الحقائق المورجوة والواضحة .
لكن هناك سؤالاً مشروعاً وأشد خطورة ، هل استطاع المغرب، رغم كل الاستثمارات والإصلاحات وتغيير الحكومات، أن يقطع فعلاً مع اقتصاد الامتياز والريع وضعف تكافؤ الفرص؟
إذا كانت الإجابة غير مكتملة، فإن المعركة الحقيقية ليست مع حزب العدالة والتنمية وحده، ولا مع الحكومة الحالية وحدها. إنها مع أي ممارسة سياسية أو اقتصادية تجعل النفوذ أقوى من القانون، والعلاقة أقوى من المنافسة، والامتياز أقوى من الكفاءة، والمصلحة الخاصة أقوى من المصلحة العامة ، وهذا ما يغلب على الصورة العامة للوضع القائم .
وهنا تصبح مسؤولية الإعلام واضحة ، في أنه ليس المطلوب أن يقول للمغاربة من يكره الوطن ومن يحبه، وإنما أن يكشف لهم، الحقائق بالأرقام والوثائق، مما يتعذر في بلدنا العزيز والبلدان العربية ، والإشارة إلى من اتخذ القرار، ماذا كلف القرار، من استفاد منه، ومن تحمل كلفته.
فإذا عرف المواطن هذه السلسلة كاملة، يستطيع أن يحكم بنفسه. وهذا يمكن أن يكون تحقيقا بسيطا ومحفزا للتوسع والتعمق في التحقيق.

والأقوى من ذلك أن ننتقل من الكلام العام إلى ملفات وأرقام محددة تهم الصفقات العمومية، الدعم، المحروقات، الشركات الكبرى، المنافسة، تضارب المصالح، برامج التشغيل، والفرق بين المستفيدين من النمو والمواطن العادي، مع جدول زمني يقارن مرحلة العدالة والتنمية بمرحلة الحكومة الحالية ، دون ترتيب أو تصنيف سياسي… فهل من متخصص متطوع يجرؤ على توضيح الواضحات الفاضحات ؟… وللحذيث بقية …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News