حكومة أخنوش تحت المجهر..ستة ملفات تكشف المسافة بين الخطاب الحكومي وواقع المواطن

إدارة الموقع24 سبتمبر 2026Last Update :
حكومة أخنوش تحت المجهر..ستة ملفات تكشف المسافة بين الخطاب الحكومي وواقع المواطن

Loading

جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا

 

بقية الحديث … كثيرا ما اختلفت الآراء حول حصيلة حكومة عزيز أخنوش التكنوقراطية التي انتهت ولايتها هذا الأسبوع وبعد تقذم حزب الأصالة والمعاصرة لنتائج الانتخابات التشريعية التي مرت البارحة 23 شتنبر الجاري ، في أجواء استنفارية نظرا لما سجل خلالها من شبهات ميدانية وخروقات أثناء العملية الانتخابية التي وصفت بالمشبوهة .

وكان لابد لنا من عرض لنتائج حكومة عزيز أخنوش التي لا يمكن اختزال حصيلتها في شعار النجاح أو الفشل. فهناك أوراش حقيقية انطلقت، وأرقام إيجابية في بعض المجالات، وفي المقابل توجد مؤشرات اجتماعية واقتصادية تبرر استمرار الأسئلة حول قدرة السياسات العمومية على تحويل النمو والاستثمار إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.
والاختبار الحقيقي ليس في كثرة المشاريع المعلنة، وإنما في سؤال أبسط: ماذا تغير فعلياً في حياة المواطن؟
الأمر الذي سنراه من خلال النقاط التالية :
أولاً: القدرة الشرائية… حين لا تكفي محاربة التضخم
شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة صدمة تضخمية قوية، قبل أن يتراجع معدل التضخم بصورة واضحة. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن متوسط التضخم بلغ 0.8% سنة 2025، بعدما كان أعلى بكثير في السنوات السابقة. لكن انخفاض التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة؛ فهو يعني أساساً أن وتيرة ارتفاع الأسعار تباطأت.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط أهمية في النقاش العمومي.
المواطن لا يشتري «معدل التضخم»، بل يشتري الخبز والخضر واللحوم والوقود ويدفع الإيجار والنقل وفواتير الخدمات.
كما أن المغرب ظل معرضاً لتقلبات أسعار الطاقة العالمية؛ وقد أوضح مجلس المنافسة في مارس 2026 أن المغرب، باعتباره مستورداً للمنتجات النفطية، يتأثر مباشرة بتقلبات أسعار الغازوال والبنزين الدولية. وفي الفترة من 1 إلى 16 مارس 2026، سجل المجلس فروقاً بين تغيرات الأسعار الدولية وانعكاسها على أسعار البيع المحلية، مع اختلافات بحسب المنتج.
السؤال السياسي هنا ليس: هل انخفض التضخم؟ بل: هل ارتفع الدخل الحقيقي للمواطن بالقدر الكافي لتعويض آثار موجة الغلاء السابقة؟ وهل استطاعت الحكومة معالجة أسباب ارتفاع الأسعار، أم أن جزءاً مهماً من تدخلاتها ظل موجهاً إلى تخفيف آثارها؟

ثانياً: الصحة… إصلاح مؤسساتي كبير والاختبار يبدأ من المستشفى
الحكومة أطلقت بالفعل إصلاحاً واسعاً لمنظومة الصحة، يقوم على إعادة تنظيم الحكامة الصحية عبر المجموعات الصحية الترابية، وإعادة تأهيل المؤسسات، وتطوير الموارد البشرية.
وفي 2026 توسع تطبيق هذا النموذج إلى عدة جهات، من بينها الدار البيضاء-سطات، حيث أُقر برنامج عمل وميزانية المجموعة الصحية الترابية لسنة 2026.
كما أعلنت وزارة الصحة عن إعادة تأهيل مئات المراكز الصحية، وعن مشاريع لزيادة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، إلى جانب إجراءات لتحسين وضعية مهنيي الصحة. لكن الإصلاح الصحي لا ينجح بمجرد تغيير الهيكلة الإدارية.
المواطن يريد أن يعرف: هل سيجد الطبيب عندما يدخل إلى المركز الصحي؟ هل سيحصل على موعد في وقت معقول؟ هل ستتوفر الأدوية؟ هل ستتراجع مدة الانتظار؟ هل ستتحسن خدمات المستعجلات؟ وهل ستتقلص الفوارق بين الدار البيضاء والرباط وطنجة من جهة، والمناطق القروية والجبلية من جهة أخرى؟
التجربة الأولى للمجموعات الصحية الترابية في طنجة-تطوان-الحسيمة أظهرت، وفق الوزارة، ارتفاعاً في بعض مؤشرات النشاط الصحي، بينها العمليات الجراحية المبرمجة والاستشارات والتحاليل. لكن الوزارة نفسها تصف هذه المؤشرات بأنها أولية. لذلك سيكون الحكم الحقيقي على الإصلاح بعد قياس جودة العلاج ورضا المرضى واستمرارية الخدمات، وليس فقط عدد المشاريع والهياكل الجديدة.

ثالثاً: التعليم… الإصلاح الذي يحتاج إلى نتائج داخل القسم
تضع الحكومة إصلاح المدرسة العمومية ضمن أولوياتها، وتقول إن خارطة الطريق 2022-2026 تستهدف تحسين التعلمات ومحاربة الهدر المدرسي وتوسيع مؤسسات الريادة.
ومن بين الأرقام التي تقدمها الحكومة، ارتفاع عدد المدارس الجماعاتية من 226 سنة 2021 إلى 349 خلال الموسم الدراسي 2025-2026.
كما أعلنت الحكومة أن ميزانية التعليم ارتفعت من 68 مليار درهم سنة 2019 إلى 97 مليار درهم سنة 2026، وربطت ذلك بإصلاح المدرسة العمومية وبرنامج “مدارس الريادة”. هذه معطيات لا ينبغي تجاهلها ، لكنها في الوقت نفسه لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل يتعلم الطفل المغربي فعلاً بشكل أفضل؟
فالمدرسة ليست بناية فقط، والمدرس ليس مجرد رقم في الميزانية، والتلميذ ليس رقماً في قاعدة بيانات.
الاختبار الحقيقي هو القراءة، والكتابة، والحساب، والعلوم، واللغات، والقدرة على التفكير، ثم الانتقال إلى الجامعة أو التكوين أو سوق الشغل.
ومن هنا يجب أن ينتقل تحقيقنا هذا من طرح السؤال التالي  “كم أنفقت الدولة؟” إلى سؤال “ماذا تعلم الطفل مقابل هذا الإنفاق؟

رابعاً: التشغيل… عقدة العقد
هنا تظهر إحدى أكثر المفارقات وضوحاً ، فالاقتصاد المغربي خلق سنة 2025 حوالي 193 ألف منصب شغل، بحسب المندوبية السامية للتخطيط، وانخفض معدل البطالة من 13.3% إلى 13%. لكن عدد العاطلين ظل في حدود 1.621 مليون شخص، بينما ارتفع معدل البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة من 36.7% إلى 37.2%، وارتفع لدى النساء من 19.4% إلى 20.5%. كما ارتفع معدل الشغل الناقص من 10.1% إلى 10.9%.
إذن لدينا حقيقتان في الوقت نفسه: الاقتصاد خلق وظائف ، لكن البطالة، وخصوصاً بطالة الشباب، ما زالت مرتفعة جداً.
وهذا يفرض سؤالاً جوهرياً حول نوعية النمو الاقتصادي.
إذا كانت الاستثمارات الكبرى تنمو، والبنية التحتية تتوسع، والصناعة والسياحة والبناء والخدمات تتطور، فلماذا لا يتحول ذلك بالسرعة نفسها إلى وظائف مستقرة وذات أجور كافية للشباب؟
صندوق النقد نفسه اعتبر خلق وظائف مستدامة أولوية ضاغطة بالنسبة للمغرب، داعياً إلى قطاع خاص أكثر دينامية وإصلاحات إضافية في سوق العمل. وهنا يمكن أن يكون عنوان التحقيق بين المغرب الذي ينمو… والمغربي الذي لا يجد عملاً.

خامساً: الدعم… من الدعم الشامل إلى الاستهداف الاجتماعي
هذه إحدى الأوراق التي يمكن للحكومة أن تقدمها باعتبارها من أبرز التحولات الاجتماعية خلال ولايتها. برنامج الدعم الاجتماعي المباشر وصل، بنهاية 2025، إلى حوالي 3.9 مليون أسرة، يستفيد منه نحو 5.5 مليون طفل و1.7 مليون شخص مسن، فيما ينتمي حوالي 60% من المستفيدين إلى الوسط القروي. وتقول الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي إن إجمالي ما صُرف منذ إطلاق البرنامج بلغ 51 مليار درهم بنهاية 2025.
هذه أرقام مهمة ، لكن الدعم الاجتماعي لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن التنمية. فالسؤال ليس فقط: كم أسرة حصلت على الدعم؟ بل: كم أسرة خرجت من الحاجة إلى الدعم؟ وهل يستطيع الدعم أن يعوض غياب الدخل المستقر؟  وهل يضمن السجل الاجتماعي الموحد وصول المساعدة إلى كل من يستحقها؟ وهل تستطيع الدولة، على المدى الطويل، تمويل منظومة اجتماعية متزايدة دون التأثير في التوازنات المالية؟
الغاية النهائية من الدولة الاجتماعية ليست أن يصبح المواطن مستفيداً دائماً من الإعانة، بل أن يحصل على تعليم جيد وصحة جيدة وشغل ودخل يسمح له بالعيش بكرامة.

سادساً: تضارب المصالح… الملف الذي يختبر الثقة في الدولة هنا ينبغي أن تكون الصحافة أكثر دقة من الخطاب السياسي. لا يجوز القول إن وجود رجل أعمال على رأس الحكومة يثبت تلقائياً وجود فساد أو استغلال للسلطة.
لكن من المشروع تماماً طرح سؤال تضارب المصالح المحتمل عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية الخاصة مع القرارات العمومية. ويبرز قطاع المحروقات مثالاً حساساً، لأن عزيز أخنوش رجل أعمال له مصالح معروفة في قطاع الطاقة، وفي الوقت نفسه يرأس الحكومة التي تضع السياسات الاقتصادية والتنظيمية العامة.
كما أن مجلس المنافسة سبق أن اتخذ في 2023 قراراً في ملف ممارسات منسوبة إلى شركات عاملة في سوق المحروقات، وبلغ مجموع الغرامات 1.84 مليار درهم، وفق معطيات منشورة حول القرار. وفي تقرير لاحق، أشار المجلس إلى أن نشاط المحروقات لدى تسعة فاعلين حقق في 2024 رقم معاملات يقارب 77.9 مليار درهم ونتيجة صافية مجمعة تقارب 2.3 مليار درهم.
كما أثارت المعارضة، خصوصاً حزب العدالة والتنمية، قضية تضارب المصالح بشأن صفقة تحلية مياه الدار البيضاء، بعدما شاركت شركة مرتبطة بأخنوش في الائتلاف الفائز. هذه اتهامات سياسية وليست حكماً قضائياً بثبوت مخالفة؛ ولذلك يجب فصل الاتهام عن الإثبات. وهنا تكمن مسؤولية المؤسسات فليس المطلوب فقط أن تقول الحكومة إن الصفقة قانونية ، بل المطلوب أن تكون قواعد التصريح بالمصالح، والتنحي عند وجود مصلحة مباشرة، والشفافية في الصفقات، وإتاحة المعلومات، والرقابة المستقلة قوية بما يكفي حتى لا يبقى المواطن أسيراً للشكوك. لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على غياب الجريمة، وإنما أيضاً على الثقة في نزاهة القرار العمومي.

والخلاصة من كل ذلك تكمن في تاإجابة عن السؤال التالي : أين تكمن المشكلة؟ فالمشهد أكثر تعقيداً من عبارة «الحكومة فاشلة» أو «الحكومة ناجحة».
هناك نمو اقتصادي حقيقي، واستثمارات ومشاريع وإصلاحات اجتماعية ومؤسساتية لا يمكن إنكارها. صندوق النقد قدر نمو الناتج الحقيقي للمغرب بنحو 4.9% في 2025، مع استمرار الاستثمار العمومي والخاص. لكن في الجهة الأخرى توجد أسئلة اجتماعية ثقيلة: وهي كالتالي لماذا ما زالت بطالة الشباب عند مستويات مرتفعة؟ لماذا لا يشعر الجميع بعوائد النمو بالقدر نفسه؟ هل تحسن الخدمات العامة بالسرعة التي ترتفع بها ميزانياتها؟ هل الدعم يعالج الفقر أم يدير آثاره؟
وهل توجد ضمانات كافية للفصل بين المصلحة الخاصة والقرار العمومي؟ وهنا يمكن صياغة السؤال المركزي للتحقيق كله: هل استطاعت حكومة أخنوش أن تحول النمو والاستثمار والإنفاق العمومي إلى عدالة اجتماعية ملموسة، أم أن المغرب يعيش فجوة متزايدة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وتجربة المواطن اليومية؟
الإجابة لا ينبغي أن تكون أيديولوجية ولا حزبية ، فالأرقام تقول شيئاً، والشارع يقول شيئاً آخر، والوثائق هي التي يجب أن تحسم مناطق الاختلاف بينهما والواقع يفرض نفسه …

لكن ، هل تولي حكومة جديدة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة بنفس الفسيفساء الحزبية المغضوب عليها ، ستأتي بالجديد وتكون لها قيمة مضافة إلى الفعل السياسي والاجتماعي … المغربي ؟ أم أن حليمة ستعود إلى عادتها القديمة ومصير المواطنين سيبقى معلقا في الهواء ونقرأ الفاتحة على أرواح طموحات البلاد والعباد … وللحديث بقية …

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News