![]()
جريدة النشرة : عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … يعتبر العدل الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمعات وبقاء الدول وحفظ الحقوق بين الناس والمؤسسات ، والمحاسبة المهنية ضمانة لتخليق العدالة، لكن الإنصاف يقتضي أيضاً احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.
فالعدالة ليست مجرد أحكام تصدر داخل قاعات المحاكم، ولا نصوص قانونية تُطبق بين جدران المؤسسات؛ إنها، قبل كل شيء، شعور المواطن بأن حقوقه مصونة، وأن صوته مسموع، وأنه يستطيع اللجوء إلى القضاء طلباً للإنصاف دون خوف أو تمييز.
ومن هذا المنطلق، تكتسي المعطيات المرتبطة بإحالة 89 قاضياً على المجلس التأديبي بالمغرب أهمية خاصة، باعتبارها تفتح النقاش حول تخليق المهنة القضائية، ومدى قدرة آليات الرقابة والمحاسبة على تعزيز ثقة المواطنين في منظومة العدالة.
ووفق المعطيات المنشورة بشأن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية برسم سنة 2025، ارتفع عدد القضاة المحالين على المجلس التأديبي بنسبة 27.14 في المائة مقارنة بالفترة المرجعية السابقة. وهي أرقام تستحق القراءة والتحليل، بعيداً عن التهويل أو إصدار الأحكام المسبقة في حق الأشخاص المعنيين.
حين يخطئ المسؤول، يجب أن تكون المحاسبة حاضرة
إن ممارسة القضاء ليست وظيفة عادية، بل مسؤولية ثقيلة تتعلق بحقوق الناس وحرياتهم ومصالحهم. فالقاضي مطالب بالتحلي بالنزاهة والتجرد والاستقلال، والالتزام بواجبات المهنة وأخلاقياتها، لأن أي إخلال ثابت بهذه الواجبات قد تكون له انعكاسات على ثقة المواطنين في العدالة.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الإخلال بالواجب المهني تصدّر أسباب العقوبات التأديبية، إلى جانب مخالفات أخرى تتعلق بواجبات الوقار والحياد والتجرد، فضلاً عن حالات مرتبطة بالتصريح بالممتلكات وتبرير الزيادة في الثروة.
وفي هذا السياق، فإن مساءلة القضاة الذين تثبت في حقهم مخالفات مهنية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها انتقاصاً من مكانة القضاء، بل باعتبارها جزءاً من حماية هيبته وصون ثقة المجتمع فيه.
فالمؤسسات القوية ليست تلك التي تخفي أخطاءها، وإنما التي تمتلك الشجاعة لمعالجتها وفق القانون، مع ضمان حقوق جميع الأطراف.
68 قاضياً عوقبوا.. وضرورة التمييز بين الاتهام والإدانة
بحسب الحصيلة المنشورة، صدرت عقوبات تأديبية في حق 68 قاضياً خلال سنة 2025، وتنوعت بين الإنذار والتوبيخ والإقصاء المؤقت عن العمل وعقوبات أخرى، وفق طبيعة الملفات والقرارات المتخذة بشأنها.
وفي المقابل، انتهت بعض الملفات إلى عدم مؤاخذة القضاة المعنيين، وهو ما يؤكد أن الإحالة على التأديب لا تعني بالضرورة ثبوت المخالفة.
وهنا تبرز نقطة أساسية لا ينبغي إغفالها: كرامة القاضي وحقوقه في الدفاع والإنصاف لا تقل أهمية عن حق المواطن في التظلم والمحاسبة.
فكما لا يجوز تجاهل مخالفة مهنية ثابتة، لا يجوز أيضاً التشهير بقاضٍ لمجرد ورود اسمه في ملف تأديبي، أو التعامل مع الشبهة باعتبارها حقيقة نهائية. فالعدالة التي نطالب بها للمتقاضين ينبغي أن تكون حاضرة كذلك في المساطر التي يخضع لها القضاة أنفسهم.
آلاف الشكايات.. وراء كل رقم مواطن ينتظر الإنصاف
تكشف المعطيات المنشورة أيضاً عن تلقي المجلس آلاف الشكايات خلال السنة، تجاوز عددها 8500 شكاية، تصدرت فيها التظلمات المرتبطة بالأحكام القضائية، تلتها شكايات تتعلق بمسار الملفات الرائجة أمام المحاكم.
لكن وراء هذه الأرقام أشخاصاً لهم قصصهم وانتظاراتهم ومخاوفهم؛ مواطن قد ينتظر سنوات لحسم نزاع، أو أسرة تسعى إلى استرجاع حق، أو شخص يعتقد أن مسطرة قضائية لم تنصفه.
ولا يعني تقديم الشكاية بالضرورة أن هناك خطأ مهنياً ارتكبه القاضي، كما لا يجوز افتراض أن كل تظلم يفتقر إلى أساس. فلكل ملف ظروفه، ولكل شكاية ما تستحقه من دراسة وتدقيق، وفق الاختصاصات والمساطر القانونية.
ومن هنا تأتي أهمية توضيح المسارات المتاحة للمواطنين، والتمييز بين الاعتراض على حكم قضائي، الذي يخضع لطرق الطعن المقررة قانوناً، وبين الشكاية المتعلقة بسلوك مهني قد يستوجب البحث والتدقيق.
استقلال القضاء والمحاسبة.. وجهان للعدالة
إن استقلال السلطة القضائية ركيزة أساسية لدولة القانون، لأنه يحمي القاضي من الضغوط والتدخلات، ويضمن له إصدار أحكامه وفق القانون وضميره المهني.
غير أن الاستقلال لا يعني غياب المساءلة، مثلما أن المحاسبة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للتأثير في الأحكام أو ممارسة الضغط على القضاة.
والمطلوب هو تحقيق التوازن بين الأمرين: حماية القاضي النزيه من التشهير والتدخلات، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن إخلال مهني، مع احترام ضمانات الدفاع وحقوق الأطراف.
كما تظل الشفافية في عرض الحصيلة التأديبية، وتوضيح طبيعة المخالفات والعقوبات دون المساس بالمعطيات التي يحميها القانون، من العوامل التي يمكن أن تساعد على بناء ثقة أكبر بين المواطن والمؤسسة القضائية.
المواطن لا يريد الأرقام وحدها.. بل عدالة يشعر بها
في النهاية، لا ينبغي أن يتوقف النقاش عند عدد القضاة المحالين على التأديب أو الذين صدرت في حقهم عقوبات، بل يجب أن يمتد إلى النتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.
هل تسهم آليات الرقابة في تحسين جودة الخدمات القضائية؟ هل تُعالج الشكايات بفعالية؟ هل يجد المتقاضي من يوضح له حقوقه ومساطره القانونية؟ وهل يشعر بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء؟
تلك هي الأسئلة التي تمنح الأرقام معناها الحقيقي.
فالعدالة ليست خصماً للمواطن، وليست امتيازاً للقاضي، وإنما مسؤولية مشتركة غايتها حماية الحقوق وضمان الإنصاف. وكل خطوة جادة نحو تخليق المهنة القضائية، متى تمت في إطار القانون واحترام الاستقلال، يمكن أن تسهم في ترسيخ الثقة في المؤسسات.
فحين يطمئن المواطن إلى أن حقه لن يضيع، وأن الشكاية ستُدرس بجدية، وأن القاضي سيُحاسب إذا ثبت إخلاله بواجباته، كما سيُحمى إذا تعرض لاتهام غير ثابت، تكون العدالة قد خطت خطوة حقيقية نحو استعادة ثقة المجتمع.
فالقضاء والعدل هما أساس الثقة والطمأنينة في المجتمع ، ودور القضاء هو إقامة العدل وحماية الحقوق والحريات ومنع الظلم والجور بين الناس وأدواره الأساسية تكمن في إحاق الحقوق وإرجاعها وتطبيق القانون ومكافحة الجرائم وتحقيق المساواة وحماية حقوق الإنسان ونشر الأمن والاستقرار مما يمنح الأفراد الشعور بالأمان والطمأنينة ، وهو ما يدعم الاستقرار الاجتماعي والرفاهية الاقتصادية وجذب الاستثمارات ويخلق الثقة لدى الافراد والمؤسسات ، وهكذا فإنه من الضرري أن نضع منظومة القضاء ضمن مقارباته حين تصبح نزاهته في صلب ثقة المواطن … وللحديث بقية …











