![]()
جريدة النشرة : د. عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث … فعلا ومن المطر ما فضح ..، ويعلم الله ما خفي وما… ! ؟ لقد أرانا المطر عجبا في قرارات مسؤولينا المحليين والوطنيين ، الذين كانت وعودهم لنا أحلاما وردية رفعتنا لسنوات وعقود إلى السحاب وبنت لنا عليها قصورا وهمية ،في الوقت الذي شيدوا لأنفسهم ولاهلهم ومن يواليهم قصورا حقيقية في كل مكان داخل الوطن وخارجه وأسسوا مشاريع خيالية لأنفسهم يعجز العقل السليم عن تقبلها واستيعاب كيفية بنائها …واللي حقق يحماق.
والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله سبحانه وتعالى الذي أمر هذه الامطار ان تفضح المسكوت عنه وتعري عما يكرسه المسؤولون من فساد في البلاد والعباد.
فهل لفضيحة البنية التحتية علاقة بالبنية السياسية والثقافية و… بالمغرب؟
سؤال قد يبدو للوهلة الأولى ذا سياق عميق الأبعاد ومتراميها ، وبعيد القصد ومستهدفا لمؤسسة معينة دون أخريات وأشخاص بعينهم دون آخرين ، ذاتيين أو معنويين ، وهلم جرا من التأويلات التي يفلح في اختلاقها رواد القيل والقال وأعداء النجاح والشفافية والنزاهة والوطنية الصادقة والمصلحة العامة ، لتقويض كل أسس البناء السليم والمرتكزات الصحيحة ، ليجاهدوا فيها بكل ما أوتوا من حيلة وقوة وجبروت ، خاصة وأن نواياهم وشباكهم وألاعيبهم لا تعرف فتورا ولا كسادا ، بل تزيد قوة وتشتد نيرانها كما لو أنها تتغذى من الهشيم ساعية بذلك إلى إبادة كل ما هو جميل وعاملة على مسح معالم الفطرة والخير وكل ما له صلة وطيدة بالصلاح والإصلاح والفلاح والإفلاح … أظن أن ما نحن فيه الآن زلزال يتجاوز بكثير درجات سلم ريشتر وإعصار يفوق كل الأعاصير التي اجتاحت بقاع العالم منذ الخلق ، ووباء عضال تفوق عدواه وبلواء كل التصور الواقعي وتصورات الخيال العلمي…إنها وضعية شاذة شاذة فعلا وعويصة ، أتت عن تراكمات سياسيينا المبجلين المجمكين ليختمها ويكرفسها ويزيد من تدهورها حزب لامبا الذي أحال طقوس الدراويش إلى رقصة الصامبا ، وعلى رأسهم صاحب النظرية العلمية ( ورك على لانچاسا يخرج الما ، حل الروبيني يشعل الضو ) لا نفعنا الله ببركته ، بل متى يفكنا الله من وحله وغيسه الذي عطل مسيرة النماء ، وقلب كل شيء على عقبه ، فكان ما كان !!!
وعود كاذبة وطمس لمعالم العيش الكريم لدى المواطن البسيط والطبقة الكادحة التي غرر بها بحلو الكلام وقلة الإيدام ، والتعهد بإخراج البلاد من حلكة الظلام إلى وضع جميل لا يدرك حتى في الأحلام ، فكان ما كان … أزمة خانقة في كل حيز أو مكان ، ارتباك في ميزان الاقتصاد وأرقام لا تبشر أبدا بخير ، وتعليم لم نعد ندري إن كان فعلا في تحسن وتقدم أم أنه أصبح في خبر كان ، وصحة عليلة هي في حاجة إلى إنعاش أكثر من المواطنين المرضى الذين ينكوون بمضاعفات ما بهم بمجرد حجهم للمارستانات التي توجههم إلى حتفهم بكل سهولة ويسر ، وخاصة بعد حلول الجائحة التي وجدت فيها هذه المؤسسات الصحية متنفسا للتخفيف عن كاهلها من ضغط زائريها وتحديد مصيرهم النهائي بجرة قلم ، رغم اعتراض العديد من أهالي الضحايا وذويهم الذين استنكروا الخروقات والتصرفات اللاإنسانية التي تقدم عليها بعض مراكز استقبال المرضى العمومية والخصوصية على السواء ، دون أن تجد أصواتهم أذنا صاغية وقلبا رحيما ينظر في حالهم وينصف أهلهم من المرضى الذين يعتبر الداخل إلى المستشفيات والمصحات مفقودا ، والخارج منها مولودا ، بسبب انعدام الإمكانيات والتجهيزات اللازمة ، خاصة وأننا في القرن الواحد والعشرين والذي لازلنا نستحضر فيه معاناة مرضى القرون الوسطى . إلى أن جاءت كارثة أمطار الخير الأخيرة التي عرت عن واقع حقيقي كان يرزخ تحت وطأة مساحيق التجميل المتمثلة في آلاف المشاريع الكاذبة والمزيفة التي عشنا سلسلاتها وحلقاتها المتتالية على شكل تصميمات وخرائط ومجسمات صغيرة حملت طموحاتنا ومتمنياتنا وأحلامنا إلى ما فوق السحاب وجعلتنا نعيش في أجواء المدن الفاضلة ، لنستيقظ من سباتنا على فاجعة ما حدث من فيضانات شلت الحركة في معظم جهات المملكة وعزلت قراها عن مدنها ، بل حتى المدن الكبيرة التي كان يشهد لها باستحوادها على نصيب الأسد فيما يخص الإصلاح وبناء المشاريع العملاقة ، ويا ليتها ما شهدت هذه الإصلاحات ولا المشاريع العملاقة ، التي آلت في رمشة عين إلى نقاط سوداء ومحطات ساخرة ذهبت الأموال الطائلة التي رصدت لها وصرفت من أجل إنشائها ، مهب الريح الصلصال العاتية ، كالممرات تحت أرضية ، مثل ما حدث بشارع الزرقطوني ، وكذلك وسيلة النقل الطرامواي التي تعطلت بسبب الفيضانات التي اجتاحت طرقها ، وما أدراك ما طرقها ومحطاتها وتجهيزاتها ، وما ابتلعته من أموال طائلة وخيالية وغير ذلك ، ناهيك عن الخسائر البشرية والمالية التي تم تسجيلها من خلال الدور والبنايات التي تهاوت بسبب الفيضانات والتي فضحت أيضا الفساد في التسيير المحلي وتواطؤ السلطات في التغاضي عن تفشي البناء العشوائي واستفحاله في كل مكان سواء في الحضر او القرى والأماكن المعرضة للانجرافات القوية بسبب تواجدها في المجاري الطبيعية للأنهار ومجاري مياه الامطار ، الامر الذي أصبح يتسبب في كوارث إنسانية واجتماعية كلما تهاطلت أمطار الخير على بلادنا ، لتعري فعلا عن فظاعة الفساد المستشري في البلاد بسبب سوء التدبير واللامبالاة التي يكرسها المسؤولون المحليون والمركزيون ، في غياب تام لتدخل لجان المراقبة والتتبع ، التي تم تكليفها بهذه المهام ، وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة التي أكد عليها قائد البلاد الملك محمد السادس في عدة مناسبات ، ملحا على ضرورة اتباع المسؤولين لما تم وضعه من ضوابط وأوامر وتوجيهات ملكية سامية للرفع من وثيرة تقدم البلاد وتحقيق طموحات جلالته وطموحات الشعب المغربي.
لكن يبدو أن كل مخططات صاحب الجلالة التي بناها لما يفوق العقدين من الزمن ، هي رهينة بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب ،
والتي أشار إليها في خطابات صريحة بتحمل المواطنين مسؤوليتهم في اختيار من يمثلهم ويقوم بخدمتهم ، وأنهم لا يعذرون في اختياراتهم المبنية على العشوائية والغش واللامبالاة ، بل يجب على كل مواطن أن يعطي العملية الانتخابية قدسيتها والأهمية التي تستحقها حتى ينصب الشخص المناسب في المكان المناسب وتسير عجلة التنمية في البلاد بسرعة واحدة وفي اتجاه واحد ألا وهو اتجاه الصواب والتقدم والازدهار والخير العميم … فهل سنكون فعلا في مستوى تطلعات جلالة الملك ؟
لكن فاقد الشيء لا يعطيه ، والفضيحة التي عشناها ولازلنا نعيشها مع البنيات التحتية ، هي فضيحة بجلاجل ، لا يمكن نسبها إلا للبنية السياسية التي تعتمد عليها البلاد من أحزاب موسمية وترقيعية ناتجة عن أعمال ارتجالية أتى عليها السلف أمناء الأحزاب منذ عقود ،ومسؤولون حكوميون أيضا ومن يليهم درجات ، حتى لا نكون ظالمين ، وتبعهم الخلف الذي فاحت رائحة عجزه عن إصلاح الأوضاع الكارثية التي أدخلت البلاد في دوامة الفواجع التي حلت بنا من كل جهة وصوب وقلبت الموازين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والصحية و … و … و… ، حتى كدنا لا نثق في زعمائنا الحزبيين والنقابيين ومن معهم وغيرهم ، لما يلتزمونه من صمت وتراجع أمام كل ما يصيب البلاد من فواجع ، بل ما يتسببون هم فيه من فواجع ومشاكل يتخبط فيها بلدنا العزيز الذي وثق بهم وأوكل إليهم مصير البلاد والعباد ، لنصدم فيهم ونفجع في قراراتهم الواهية التي لا تمت لتحمل المسؤولية بصلة ، بالإضافة غلى سعيهم إلى تكريس ثقافة التفاهة التربوية والاجتماعية والفنية والإعلامية ، رغم المجهودات الجبارة التي يقوم بها جلالة الملك لإخراج البلاد من كل ورطة يتسببون فيها ، وعلاج الأزمات التي تحل بالمغرب بسببهم المرة تلو الأخرى .
لهذا فالبلاد في حاجة إلى كفاءات تستطيع تكاثف جهودها وقوامة في الخلق والإبداع لتتمكن من النهوض بهذا البلد إلى جانب قائده المفدى ، وتكون سنده الداعم لسياسته الرائدة ، حتى يتم بناء صرح هذا الوطن على أسس متينة يرتضيها جلالته ويرتضيها الشعب المغربي وتحقق طموحاته الغالية والكبيرة.










